; إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة: السنوسية والمهدية | مجلة المجتمع

العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة: السنوسية والمهدية

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1980

مشاهدات 90

نشر في العدد 485

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 17-يونيو-1980

- الحركة السنوسية كانت حركة حملت مواصفات الحركة الإسلامية الناجحة، وكانت بمستوى الأحداث الجسيمة التي كانت تعيشها الأمة الإسلامية وقتها...

- اختلاف السنوسي والمهدي أضاع أمامهما فرصًا كبيرة، وأعاقت الحركة السنوسية عن الامتداد، وإتمام رسالتها في القارة الأفريقية.

كانت الدول الأوربية تخشى إن سقطت الخلافة في الأستانة أن تظهر على يد السنوسي في طرابلس.

رأينا في مقال سابق كيف كان موقف السنوسي حكيمًا تجاه دولة الخلافة، الأمر الذي عاد على الحركة بالقوة والشرعية.

ولم تكن مشكلة السنوسي منحصرة في تحديد موقفه مع دولة الخلافة الإسلامية، فقد كانت حركة محمد أحمد «مهدي السودان» تقلق السنوسي، وربما كانت عقبة أمام انسياح الحركة لتشمل أفريقيا كلها.. وكانت الدول الاستعمارية أيضًا ترصد السنوسي وحركته، وعليه إزاء ذلك أن يرسم خطته العسكرية بالشكل الذي يتناسب وحجم الحركة وقوة العدو، فلننتظر ونقيم مواقف السنوسي من ذلك كله.

كان المفروض أن يكون ظهور محمد أحمد في السودان عونًا للحركة السنوسية في تحقيق هدفها، فقد كانت الحركتان تهدفان إلى إعادة الخلافة، وقد حققت كلتا الحركتين نجاحًا وانتشارًا في قارة واحدة، فكان بإمكانهما أن يوحدا الجهود للوصول إلى هدفهما الموحد.

إلا أن حركة محمد أحمد كانت سببًا من الأسباب التي أعاقت سير الحركة السنوسية، وبالتالي غدت مثار قلق للسنوسي وحجر عثرة أمام خططه. 

ولعل السبب في الخلاف بينهما هو تحديد سياسة كل منهما تجاه دولة الخلافة الإسلامية، ففي الوقت الذي يقرر السنوسي أنه تحت سلطان دولة الخلافة يقرر المهدي أنه يخلع سلطان هذه الدولة. وبالتالي اختلفت وتباينت آراؤهما فيما أنبنى على هذا الخلاف.

فاعتبر محمد أحمد نفسه الخليفة الذي يجب أن يطاع، فضلًا عن كونه المهدي المنتظر، فأصدر أوامره إلى السنوسي من هذا المنطلق يطلب منه أن يكون عونًا له بمثابة عثمان بن عفان أصدر أمره للسنوسي كي يعلن الجهاد والحرب على مصر والإنجليز وإلا فإنه يستحق العقاب.

ولقد أتيح للسنوسي تجاه ذلك سياسة الداعية الواعي، الذي يحدد كل علائقه على ضوء الهدف الذي من أجله قامت الحركة، فلم يرد على أي رسالة من رسائل محمد أحمد على كثرتها، بل استطلع الأمر من واقع تلك الحركة فأرسل رسله ليستطلع سير الحركة وانتشارها، فرجعت رسله تحمل له أساليب العنف والقتل كطريق لانتشار الحركة، الأمر الذي جعل السنوسي يعلن موقفة صراحة، ويطلب إلى الشعوب الإسلامية خاصة في واداي وبرنو والأقطار القريبة من نفوذ محمد أحمد بأن تمتنع عن تأييد مدعى المهدية. وقد حرص السنوسي على تجنب أي صدام مسلح مع محمد أحمد لإدراكه أن مثل هذا الموقف لن يكون في صالح الحركتين، ولأنه يتعارض مع مرحلة الدعوة وهدفها. 

ومما لا شك فيه أن موقف السنوسي هذا جنبه أخطاء فادحة، كانت ستقع فيها لو نفذ ما يطلبه محمد أحمد، أو حالفه في حربه ضد مصر والإنجليز، لأن إقدامه على مثل هذا العمل معناه الحرب على ثلاث جهات كلها تجلب الشر على الإسلام والمسلمين والحركة. 

فإن حرب مصر معناه حرب مسلمين وهذا لا يجوز شرعًا، وهو في الوقت نفسه يعني الحرب ضد دولة الخلافة، وهذا لا يجوز أيضًا لأنها دولة مسلمة فوق أنها دولة الخلافة. وهو في الوقت نفسه حرب ضد الإنجليز لأنهم المسيطرون في مصر وهذا ما لا يستطيعه السنوسي. ولا يرتضيه لما فيه من استنزاف لقواه في غير محلها وفي غير وقتها. ولأن الإنجليز سيستخدمون المصريين رأسًا للحربة. ولو أن السنوسي أعلن الحرب للقضاء على حركة محمد أحمد، لما استفاد أي طرف منهما ولكانت أفريقيا كلها غنيمة سهلة في فك الاستعمار المفترس.

موقف الحركة من الدول الاستعمارية:

لم تكن أطماع الدول الأوروبية في المغرب العربي عمومًا وفي طرابلس خصوصًا خافية على أحد، ولقد كانت طرابلس تحتل المركز الثاني من حيث الأهمية بالنسبة للدول الأوروبية بعد الأستانة، وذلك أن القضاء على الخلافة وإجهاضها لا يعني القضاء على مخاوف عودة تلك الخلافة من جهة طرابلس، لما تتمتع به الحركة السنوسية من عناصر القوة المساندة لدولة الخلافة.

بل إن المدققين في الأمور السياسية آنئذ -أمثال شكيب أرسلان- كانوا يدركون أن سقوط طرابلس أمر يحرص عليه الاستعماريون كل الحرص، لأنه بمثابة قطع مصادر القوة المحتملة عن دولة الخلافة، وإن سقوط طرابلس يعني فتح الباب لهذه الدول في إفريقيا كلها تعبث فيها صنوف الفساد، وبالتالي فإن سقوط طرابلس يعني السقوط الفعلي لدولة الخلافة.

وقد كانت الحرب الطرابلسية فعلًا الشارة التي أدت إلى الحرب البلقانية، والحرب البلقانية كانت الشارة للحرب العالمية.

ولقد اختارت الدول الاستعمارية أسلوبًا خبيثًا لحرب دولة الخلافة والسنوسية في آن واحد، فاختارت الضرب على جبهتين دفعة واحدة، ففي الوقت الذي أعلنت فيه الحرب على تركيا كان -تقريبًا- الوقت الذي بدأت الحرب الفعلية ضد الحركة السنوسية الأمر الذي فوت على الطرفين الاستفادة من الطرف الآخر. 

ولقد كانت سياسة السنوسي منذ أول يوم للحركة تجاه الدول الاستعمارية سياسة العزلة، فإن انتشار الحركة السنوسية في كثير من البقاع الإسلامية أيقظ حواس وحوافز الاستعمارية ضد الحركة، فأرسلت الجواسيس في صورة رحالين لرصد الحركة من مقرها الرئيسي، فما كان السنوسي يعيرها أدنى اهتمام، بل كان يرفض مقابلة هؤلاء الرحالة، لئلا يطلعوا على مكنون خططه ونظرته تجاه الدول الأوربية، ولم يخرجه من سياسة العزلة أسلوب الهدايا الذي اتبعه معه هؤلاء للاستلطاف والمخادعة، ولا شك أن سياسة العزلة هذه كانت تتفق وهدف الحركة.

فإن مرحلة التكوين والتربية، ثم الإعداد والتمهيد لمرحلة الصدام تقتضي العزلة عن كل ما من شأنه أن يؤدي إلى صدام  مباشر أو غير مباشر مع تلك الدول، وكانت هذه السياسة  واضحة في موقفة مع حركة مهدي السودان -مثلًا- حين رفض إجابة طلبه لحرب الإنجليز في مصر، لئلا يفتح على نفسه بابًا لا يعرف المخرج منه، وهو لم ينته بعد من مرحلته الأولى في الحركة، وليدخر قوته لذلك اليوم الذي كان يحسب له كل الحساب، ويحاول قدر مستطاعه ألا يستدرج إلى حرب استنزاف تشل حركته وتباعد بينها وبين أهدافها، وهو بذلك يحاول أن يحدد الوقت المناسب لمناوأة الاستعمار ومنازلته الصدام. 

ولقد استطاع السنوسي فعلًا أن ينجح إلى حدٍّ كبير في سياسة العزلة هذه، ولم يستدرج إلى صدام طوال مرحلة التكوين والإعداد -علي الرغم من المحاولات الكثيرة- إلا بعد أن اكتملت له- تقريبًا عناصر القوة وأسباب الاستمرار في الجهاد، ولعل هذا -بعد توفيق الله- هو الذي مكن الحركة من الاستمرار في صراعها الدموي المرير ضد الاستعمار على مدار أكثر من ثلاثين سنة، انتهت بخروج الاستعمار من طرابلس وتحقيق النصر. 

ولعلنا بهذا التقييم نستطيع القول: إن الحركة السنوسية كانت حركة حملت مواصفات الحركة الإسلامية الناجحة من حيث المنهج والأسلوب الحركي، وكانت بمستوى الأحداث الجسيمة التي كانت تعيشها الأمة الإسلامية وقتها، واستطاعت أن تسدد وتقارب في الوصول إلى هدفها الكبير، فاستطاعت أن ترهب الدول الاستعمارية وتشتت جهودهم بين الأستانة وطرابلس، أو بمعنى أصح بين قارتي أسيا وإفريقيا، وأعادت إلى المسلمين بعض الثقة في نفوسهم وفي دولة الخلافة، إلا أن الملابسات والظروف السابق ذكرها حالت دون وصولها صميم هدفها.

فكان غاية ما حققته هو تحقيق استقلال أرضها التي نشأت فيها وهي أرض ليبيا، فكان العبء الأكبر إن لم يكن ملقى على أكتاف السنوسيين، فهم الذين حققوا استقلال بلادهم، وأثروا على بقية أقطار المغرب العربي في هذا السبيل.

أما إنهم لم يجنوا ثمرة جهدهم.. ولو في تطبيق الأحكام الشرعية في بلادهم. فهذا ما سنتطرق إليه حين نقيم الحركات الإسلامية مجتمعة لاشتراكها في المصير نفسه.

الرابط المختصر :