العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (العدد 492)
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1980
مشاهدات 149
نشر في العدد 492
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 05-أغسطس-1980
ظهور حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الجهادية
- من الدرعية انطلقت الدعوة الجهادية.
- اكتمل المنهج العقدي والفكري لمحمد بن عبد الوهاب بعد رحلاته المتعددة..
- ليس في تراث الشيخ محمد بن عبد الوهاب أي إشارة إلى شيء من الفلسفة أو التصوف؟!!
الدعوة الوهابية
يستنكر بعض الباحثين«1» تسمية حركة محمد بن عبد الوهاب بـ«الوهابية» على اعتبار أنها نسبة غير صحيحة، إذ كان ينبغي أن ينسب إلى الشيخ محمد نفسه فيقال «المحمدية». والحقيقة أن هذه النسبة صحيحة فقد ينسب إلى جد الشخص، كما نسب إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن محمد بن حنبل بالشافعية والحنابلة، ولم يقولوا محمديين أو أحمديين ولا يعيب الحركة أن تنسب هذه النسبة؛ إذ العبرة بالمضمون والمنهج، ورغم أن هذه النسبة صحيحة إلا أن إطلاقها كان من خصوم الحركة، الأمر الذي جعل أتباع محمد بن عبد الوهاب يستنكرون هذه التسمية، فكان الخصوم يشيعون أن هذه الحركة تمثل مذهبًا جديدًا في الإسلام يسمى بالوهابية، وهذا ما لا يقره محمد بن عبد الوهاب ولا أتباعه. وعن طريق هذه التهمة يسهل تمرير تهمة أكبر منها بادعاء أن الوهابية تعادي المذاهب وتخرج على إجماع المسلمين الأمر الذي يربط بهذا الاسم الشبهات والحذر ومن العامة على الخصوص.
وفي مقابل ذلك فإن الإمام محمد بن عبد الوهاب لم يستعمل لدعوته اسمًا خاصًا لكنه استعمل كلمة «الموحدين» في بعض رسائله، فكان الأتباع يسمون أنفسهم بها، واستعمل كلمة الحنابلة وأنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، مما جعل الأتباع يستعملون للتعبير عن أنفسهم كلمة «الحنابلة» أو«الحنبليين» واستعملوا كذلك لفظ «الإخوان» للدلالة على دعوتهم. وأيًّا ما كان فإن الرأي الذي نراه في هذا المجال، أنه لا بأس إطلاقًا من استعمال كلمة الوهابية للدلالة على حركة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ذلك أن هذه اللفظة- حقيقة- كانت تثير ما أثير حولها مما ذكرناه سابقًا، وارتبطت تلك الكلمة في تلك الفترة عند سماعها بالشبهات التي أثيرت حولها، فاستعمالها آنئذ غير مرغوب فيه وللأتباع الحق في تلك الحساسية من استعمال كلمة «الوهابية» أما وقد زالت الغشاوة عن الحركة وعرف القاصي والداني زيف ما اتهمت به فلا مندوحة حينئذ من استعمال الكلمة. ولا يعلق بها اليوم أدنى لبس مما علق بها قديمًا.
وعلى هذا الفهم سنعبر عن حركة الإمام محمد بن عبد الوهاب بـ «الوهابية».
«1» الشيخ محمد حامد الفقي والأستاذ محمود شكري الألوسي، انظر تاريخ البلاد العربية د. منير عجلان.
ظهرت الحركة الوهابية على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد التميمي فهو ينحدر من قبيلة تميم والتي تقطن بلاد نجد ولد عام 1115هـ- 1203م في بلدة العيينة في أعالي نجد من إقليم العارض. وكان والده عبد الوهاب قاضي بلدة «العيينة» وكانت ولادته في زمن عبد الله بن محمد بن معمر، وكان الشيخ عبد الوهاب يقوم إلى جانب وظيفة القضاة بتدريس الحديث والتفسير والفقه الحنبلي، وكان منزل الشيخ عبد الوهاب حلقة حية يتسابق فيها طلاب العلم ويغترفون فيها العلم والأدب والخلق، ولقد كان هذا الجو العلمي كفيلًا بغرس الروح العلمية وحب العلم ومجالسه في قلب الابن محمد، وقد لاقى هذا. الجو هوا علميًّا ورغبة وذكاء حادًّا في نفس الابن محمد فحفظ القرآن صغيرًا لم يتجاوز العاشرة، واستوعب الكثير من فقه التفسير والحديث وانكب بعد ذلك على كتب الإمام ابن تيمية التي شكلت فيه العقيدة السليمة. ولم يألُ والده جهدًا في صياغته العلمية والخلقية لما أحسه ولمسه فيه من مخايل الفطنة والهمة، حتى أن والده قال يومًا «لقد استفدت من ولدي محمد فوائد شتى في الأحكام» «1».
وهذا يدل على أن محمد بن عبد الوهاب وصل درجة يقدر معها أن يحل الإشكالات ويفتي السائلين عما يسألون فيه.
وبهذا الأساس العلمي الإيماني بدأ محمد بن عبد الوهاب رحلاته العلمية التكوينية التي خرج بعدها بتلك الدعوة المباركة.
ولا شك أن الرحلات تكسب العلم وتنوعه وتهيئ للعالم التعرف على سعة الاطلاع على أحوال البلاد والعباد، ويتوثق علمه من كثرة من يجالس من علماء مختلفي المشارب ويناقشهم ويحاورهم فتتلاقح أفكاره وتنمو مواهبه، وهذه حال العلماء السابقين قاطبة، وهكذا أراد الله- عز وجل- أن يتربى هذا الشاب في مقتبل حياته العلمية والدعوية، حتى إذا أقام دعوته أقامها على أسس علمية مدروسة ومظاهر واقعية تتجاوب معها وتتفاعل لتكون حركة تغييرية بعد ذلك.
فبدأ محمد بن عبد الوهاب رحلاته العلمية ولعل سنه حينئذ كان في حدود العشرين سنة فرحل من بلدة العيينة إلى البلد الحرام حاجًّا، ثم ارتحل إلى المدينة المنورة وكانت يومئذ تضم جمعًا من خيار العلماء من أمثال علي الدغستاني وإسماعيل العجلوني ومحمد العقالق وعبد اللطيف العقالق، وقد أفاد الشيخ محمد من مجالس أولئك. إلا أنه استفاد كثيرًا في تلمذته على الشيخ الفاضل عبد الله بن إبراهيم بن يوسف من آل سيف فأخذ عنه الحديث والتفسير والقراءات. ثم رحل إلى نجد، ليتجهز للرحلة إلى البصرة وبغداد وقد زار بغداد واستقر به المقام في البصرة، والتصق بأحد مشايخها وعلمائها الكبار الشيخ محمد المجموعي، فقرأ عليه محمد بن عبد الوهاب كتب اللغة والحديث، ولم يكن كغيره من طلبة العلم يكتفي بأن يكون وعاء للعلم فحسب بل انتصب عاملًا بعلمه يواجه المنكرات المتفشية في بغداد والبصرة، فأنكر جهارًا التبرك وتقديس الأضرحة والقبور، وعاب إعطاء الأولياء أكثر من مكانتهم المشروعة، وبدأ يلج على الناس من هذا الباب فيبين حقائق التوحيد وصفاء العقيدة ويزيح ما تراكم في الأذهان والقلوب من شبهات الجاهلية والجاهلين، ويشير هو بنفسه إلى ذلك بقوله «كان أناس من مشركي البصرة يأتون الي بشبهات يلقونها علي فأقول وهم قعود لدي لا تصلح العبادة كلها إلا الله، فيبهت كل منهم فلا ينطق فاه»
وكان موقف الشيخ محمد من واقع المجتمع البصري والبغدادي موقفًا جلب له العداء والمنابزة، فيذكر ابن بشر أن الشيخ تجمع عليه أناس من البصرة من رؤسائها وغيرهم فأذوه أشد الأذى وأخرجوه منها وقت الهجيرة ولحق شيخه منهم بعض الأذى، فلما خرج الشيخ من البصرة وتوسط في الدرب فيما بينهم وبين بلد الزبير أدركه العطش وأشرف على الهلاك وكان ماشيًا على رجليه وحده، فوافاه صاحب حمار مكاري يقال له أبو حمدان، من أهل الزبير فرأى عليه الهيبة والوقار وهو مشرف على الهلاك، فسقاه وحمله على حماره حتى وصل الزبير، وكان الشيخ يقصد السفر إلى الشام لكن ضيق يده وعجز نفقته حالت دون إتمام رغبته ولعل الله- عز وجل- قد ادخره ليبدأ دعوته فيعود إلى بلاده، وهذا ما كان فشد الرحال إلى الإحساء.
وتحسن الإشارة هنا- قبل أن نبدأ الدعوة من الشيخ الهمام في الإحساء ونجد- إلى أنه لا صحة على الراجح لما ذكره صاحب كتاب لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب من أن الشيخ محمد سافر من بغداد إلى كردستان.
ومر على ديار الأكراد بلدًا بلدًا وقرية قرية، ثم خرج يريد إيران حتى بلغ همذان وأنه أقام بها سنتين يدرس ويدرس. ثم سار إلى أصفهان ودرس هناك الحكمة أو الفلسفة الإشراقية والتصوف، ثم انتقل إلى الري..!
ورواية صاحب اللمع هذه واهية جدًّا، وما ذكره فيها من أحداث لا تعدو الأوهام لعدة أمور:
أولًا: يذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه سافر إلى تلك الديار لا فيما كتبه ولا سمعه منه تلاميذه.
ثانيًا: أنه لم يعهد عن الشيخ دراية باللغة الفارسية، ولو كان مكث تلك المدة التي ذكرها صاحب لمع الشهاب لأتقن اللغة ولكتب بها رسائل إلى فارس كما كان يفعل في غيرهم.
ثالثًا: أن ما تركه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس فيه أدنى إشارة إلى شيء من الفلسفة أو التصوف ولو كان درسهما لضمن رده لها في كتبه.
وكذلك ترد رواية لمع الشهاب في أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب سافر من إيران إلى حلب في سوريا ثم القدس ثم إلى مصر وسكن فيها سنتين وسكن الجامع الأزهر وتعلم هناك علم الاسطرلاب وعلم الأعداد على يد الشيخ زين الدين المغربي فكل هذه الروايات ليس لها ما يؤيدها تاريخيًّا لا من الشيخ ولا من تلاميذه وليس لها أدنى انعكاس على مؤلفات الشيخ يشير إلى تلك الرحلة.
وعلى ذلك فإن ما ذكره عثمان بن بشر وحسين بن غنام هو المعتمد في رحلات الشيخ فبعد أن قصرت يده عن نفقة السفر إلى الشام توجه من الزبير إلى الإحساء ثم إلى حريملاء ونستطيع تأريخ بدء الدعوة في الجزيرة العربية من دخوله حريملاء أولًا ثم أخذت الدعوة بعدها وثباتها وانطلاقها عندما استقر الشيخ في العيينة ثم الدرعية بعد أن اكتمل له التصور العقدي السليم وبعد أن درس أحوال المسلمين داخل نجد والحجاز وخارجهما وبعد تلك الخبرات العملية التي مارسها. كل ذلك جعله مؤهلًا لأن يبدأ دعوته على أسس متينة، ونلاحظ ذلك من رواية ابن بشر فحين وصل الشيخ محمد إلى الإحساء ونزل على الشيخ العالم عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي الإحسائي، ثم خرج من الإحساء وقصد بلد حريملاء وكان أبوه عبد الوهاب قد انتقل إليها من العيينة.
في سنة تسع وثلاثين ومائة وألف، 1139، بعد ما مات عبد الله بن معمر في وباء مشهور وقع في العيينة وأفناها، فتولى في البلد بعده ابن ابنه محمد بن حمد الملقب خرفاش، فوقع بينه وبين عبد الوهاب منازعة فعزله عن القضاء، وجعل مكانه أحمد بن عبد الله بن عبد الوهاب بن عبد الله، فانتقل عبد الوهاب إلى حريملاء. «1»
وهناك في حريملاء التقى الابن محمد بأبيه عبد الوهاب ومن ذاك اللقاء بدأت الدعوة تأخذ خط الإعلان والانتشار وهذا ما نستوفيه في الحلقة القادمة إن شاء الله.
«1» تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام 26 تحقيق ناصر الأسد.
1- تاريخ نجد للشيخ حسين بن غنام 28.
2- عنوان المجد لابن بشر 1/16.
1- راجع لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب 19 وما بعدها تحقيق الدكتور أحمد أبو حاكمة.
2- نفس المرجع السابق 21.
«1» عنوان المجد 16.