; إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة.. المقالة الحادية عشرة | مجلة المجتمع

العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة.. المقالة الحادية عشرة

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1980

مشاهدات 89

نشر في العدد 472

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 04-مارس-1980

السلطان عبد الحميد يؤخر سقوط الخلافة بإنشاء الطرق الحديدية

بالطرق الحديدية: أنعش عبد الحميد اقتصاد دولة الخلافة... وربط بين دولة الخلافة والبلدان الإسلامية... وأعاد بعضًا من هيبة دولة الخلافة... وكاد يحقق الوحدة من جديد.

كان من أهم الإنجازات الإصلاحية التي قام بها السلطان عبد الحميد، هو إنشاء الخطوة الحديدية بين الأقطار الإسلامية.

ولقد كان التفكير برسم شبكة حديدية خطوة جريئة تدل على حسن تخطيط ودهاء... وقد كان السلطان عبد الحميد يدرك – كما أشار في مذكراته – إلى أن هذه الخطوط تفتح طرقًا جديدة بين مختلف الولايات الإسلامية، فتتحسن بذلك أحوال الشعب المعيشية، وتُحقِّق أهدافًا اقتصادية كبيرة؛ تعين دولة الخلافة على تحسين وضعها الاقتصادي.

ومن جانب آخر فإن هذه الخطوط لها نظرة استراتيجية عسكرية هامة؛ إذ تؤمن دولة الخلافة سرعة التحرك لفرض النظام ولدرء الخطر الخارجي عن الأقطار الإسلامية النائية.

وإذا كانت الخطوط الحديدية سلاحًا في يد دولة الخلافة، فهي في نفس الوقت قد تكون سلاحًا في يد الدول الأوروبية وغيرها، حيث يسهل عليها التغلغل والاستيلاء على تلك البقاع التي تمر بها الخطوط.

ولقد درس السلطان عبد الحميد عن كثب سلبيات الخطوط الحديدية التي كانت منشأة في آسيا الصغرى، فقد سمحت آسيا الصغرى لروسيا بمد خطوطها الحديدية عبر أراضيها، فكان ذلك سببًا في التوسع السريع لروسيا في أراضي آسيا الصغرى، وكذلك خضعت إيران للنفوذ الروسي، بسبب مد الخطوط الحديدية إلى ما وراء بحر الخزر.

وعلى ضوء ذلك عزز السلطان عبد الحميد سياسته الحكيمة في إنشاء الخطوط الحديدية؛ بحيث يستفيد منها أقصى فائدة اقتصادية وعسكرية، ولا يتحمل إلا أضرارًا يسيرة في مقابل ذلك.

وتتلخص هذه السياسة في أمرين، الأول: ألا تمدد هذه الخطوط في مناطق الحدود، فإن ذلك يسهل التفرد بالاستيلاء عليها، فلا بد أن تمر بالمدن الآهلة بالسكان لتحقيق الفائدة الاقتصادية التي تعود على تلك البلاد، وفي نفس الوقت يصعب الاستيلاء عليها بإثارة الأهالي ضد أي اعتداء خارجي، وعلى العكس من ذلك بالنسبة للبلاد الأوروبية الخاضعة لدولة الخلافة، فإن سياسة عبد الحميد كانت تقضي بإنشاء الخطوط الحديدية في نقاط الحدود لا في المدن؛ لئلا يسهل استيلاء الأوروبيين عليها. والأمر الثاني: إعطاء امتياز إنشاء الخطوط الحديدية إلى دولة تكون أطماعها الاقتصادية أكبر من أطماعها العسكرية والسياسية، ولذلك فقد اختار السلطان عبد الحميد ألمانيا من بين الدول الأوروبية، فأعطاها حق الامتياز، لأنها في نظره الدولة الوحيدة التي تتوافق وسياسته هذه، فموقعها الجغرافي يقلل من أطماعها السياسية والعسكرية، ويجعلها مجرد مصالح اقتصادية مادية... واستثنى من هذه السياسة حالة واحدة اضطر إليها قبل البدء بالتوسع في إنشاء الطرق الحديدية، فأعطى الامتياز إلى أصحاب رؤوس الأموال الروسية، لإنشاء خط حديدي في أرضروم وساحل البحر الأسود، وأراد أن يبطل هذا الامتياز، إلا أنه لا يستطيع ذلك، لكنه أراد تأخير هذا المشروع فيقول «ألا إن البدء بتنفيذ هذا المشروع لن يكون قريبًا، فلن أسمح للروس بالعمل، فإنهم إن بدأوا بالجزء الشمالي الشرقي من البلاد؛ توغَّلوا إلى بقية المناطق، ووضعوا يدهم عليها بكل سهولة، فلمثل هذا الوعد خطر كبير علينا.

إننا بحاجة إلى ربط أرضروم بطريق استراتيجي، غير قادرين على تحقيق هذا الربط بإمكاناتنا، يجب علينا قبل اتخاذ أي قرار، إعادة النظر في سياسة الدول الكبرى في إنشاء الخطوط الحديدية، فقد نقع في خطأ وضرر كبيرين، إذا منحنا امتيازًا خاطئًا، فبلجيكا مثلًا دولة تطلب منا امتيازًا لإنشاء خط حديدي، لكنها من الدول الدائرة في فلك إنجلترا، كما أن النمسا لا تخلو من إثارة شكوكنا.

وبالإضافة إلى ذلك فإن من الخطورة بمكان؛ مد الخطوط الحديدية في الولايات الأوروبية، لئلا نكون معرضين لاستيلاء الأعداء عليها ([1]).

خط حديد بغداد:

ينظر السلطان عبد الحميد إلى فتح خط بغداد نظرة اقتصادية وعسكرية وسياسية؛ إذ أن فتح خط بغداد الحديدي سيحمي طريق أوروبا – الهند ويعود لهذا الخط نشاطه، وفي ذلك إنعاش تجاري هام.

وكان السلطان عبد الحميد يزمع ربط خط بغداد بسوريا وبيروت والإسكندرية وحيفا، وهذا من شأنه أن يجعل هذه المنطقة مراكز تجارية تدر على تلك البلاد الأموال الطائلة، وفي نفس الوقت تقوي مركز دولة الخلافة.

ولا يخفى ما في خط بغداد من جوانب عسكرية هامة؛ تسهل عملية الإشراف وسرعة التواجد لقوات دولة الخلافة عند حدوث أي مؤشر خطر من داخل البلاد أو خارجها.

وتنفيذًا لهذا المشروع طلب السلطان عبد الحميد من ولاته في تلك البقاع التي سيمر بها خط بغداد، تقديم تقاريرهم وآرائهم حول مستقبل هذا المشروع؛ فجاءته التقارير تؤكد رأيه في أهمية هذا الخط من النواحي الاقتصادية والسياسية، وحينما أراد إعطاء امتياز هذا الخط، تنافست الدول الكبرى على حق الامتياز، وكان هذا التنافس يأخذ شكلًا بشعًا. أربع دول كبرى تشترك في هذه الحلبة، لا يتورع سفراؤهم عن استخدام كل الوسائل في سبيل استمرار الصراع غير المعلن بينهم، حقًا إنه منظر يمتع ناظريه، فإنجلترا وفرنسا مزقتا أثواب وقارهما، أما ألمانيا فقد سلكت مسلكًا حسنًا، والصحافة الإنجليزية والفرنسية بل والروسية أيضًا تختلق الأكاذيب دون أي حرج، لبثِّ الشكوك بيننا وبين الألمان.

وإذا بدا للبعض أن في موقف النمسا والمجر غرابة، فلأنهم نسوا أن لهاتين الدولتين مصالح مشتركة مع ألمانيا، فمد خط حديد الأناضول إلى بغداد أمر مهم للنمسا بقدر ما هو مهم لألمانيا، فالقسم الأعظم من المسافرين والبريد سينتقل عبر النمسا، وبعد ذلك لن تكون حيدر باشا نقطة البداية في طريق الهند، إن هاتين الدولتين ستؤيد أننا وإن امتلكنا مفاتيح هذا الطريق بأيديهما، فعلينا أن نطلب مساعدتهما، بينما لا ينطبق هذا الأمر على فرنسا، فبقاء سيطرتنا على إسطنبول والمضايق أمر لا يهم فرنسا مثلما يهم الدولتين الجرمانيتين، فبفضل نشاطات سفير ألمانيا استحصلوا على امتياز لخط حديد بيروت – حوران، وقد يتمكنون من إنشاء الخط الذي سيمتد عبر الهلال الخصيب، وبذا يكون طريق الهند مفتوحًا.

وحينما أعطى السلطان عبد الحميد امتياز إنشاء خط بغداد لألمانيا، شنت الصحافة الروسية حملة من النقد الشديد لهذه الخطوة، ويرد السلطان عبد الحميد على ذلك بأن «هذه الصحافة ليست على بصيرة من أمرها، إذ أن إنشاء هذا الخط من قبل الألمان هو في صالح الروس، لأن تواجد الألمان في الأناضول وبلاد ما بين النهرين أقل خطرًا من تواجد الإنكليز، فالألمان بسبب وضعهم الجغرافي لا يستهدفون إلا منافع اقتصادية ومادية بحتة، وليست لهم مآرب أخرى، كما هي الحال مع الإنجليز، فإنجلترا ستحاول يومًا الاستيلاء على هذه الخطوط، وسيكون هذا الاستيلاء وبالًا على الروس»([2]).

خط حديد الأناضول:

بعد الحرب العثمانية الروسية والتي كانت ضربة قوية هزت مكانة تركيا في العالم الإسلامي، عانت بعدها تركيا ضائقة اقتصادية، ففكر السلطان عبد الحميد بفتح طريق حديدي يربط شرق البحر الأبيض المتوسط وبغداد بالأناضول، والوصول إلى خليج البصرة، ومن شأن هذا الخط أن يدر الأرباح الوفيرة على تلك المناطق، ويتلافى تلف المحصولات الزراعية، كالحبوب التي لا تجد من يحملها من أرضها.

وأعطى امتياز هذا الخط لألمانيا وتم إنجازه، وقد كانت نتائجه مذهلة خصوصًا للذين عارضوا السلطان في إنشاء هذا المشروع.

وجاءت التقارير من تلك الأقطار التي يمر بها هذا الخط تفيد الازدهار والانتعاش الاقتصادي الذي يعيشه الأهالي هناك.

واستخدم السلطان عبد الحميد هذا الانتعاش أحسن استغلال، فقام بتوطين كثير من المسلمين المهاجرين من أوروبا في هذه البقاع، وقدم في هذا العمل خدمة كبيرة للمسلمين.

وقد حدث النجاح الاقتصادي الذي توقعه عبد الحميد، فقد زاد عدد المسافرين على هذا الخط، وسهلت عملية نقل البضائع، فبدلًا من نقل البضائع والمحاصيل فيها على ظهور الجمال وبأسعار عالية وفي مدة قد تطول وتتلف المحاصيل فيها، أصبحت البضائع والمحاصيل تنقل عن هذا الخط بسرعة وبأثمان زهيدة.

خط حديد الحجاز والشام:

كان السلطان عبد الحميد حريصًا على إنشاء خط الحجاز، لأنه يجعل دولة الخلافة على صلة بمنطقة الجزيرة العربية ومنطقة الخليج، وهي محط أطماع إنجلترا، وعن طريق هذا الخط يستطيع تفويت كثير من فرص إنجلترا في المنطقة، ويقصد عبد الحميد أيضًا من هذا الخط الاستغناء عن قناة السويس، لأنها وقتئذٍ كانت تحت سيطرة الإنجليز.

بالإضافة إلى ذلك يربط بين إستانبول ومكة المكرمة والمدينة المنورة، ويؤمن طريق المواصلات المدنية والعسكرية.

أما خط سوريا – الهند فهو أهم الخطوط الحديدية التي يزمع السلطان عبد الحميد على إنشائها وهو خط حديدي يبدأ من إسكندرونة، ويمتد حتى خليج إيران، مارًا بحلب فبغداد، وهو يريد بعد ذلك ربط خط حديد الشام بالحجاز، لما فيه من مصالح يهدف إليها السلطان عبد الحميد إذ يقول: «إن الانتهاء من إنشاء الخط الحديدي بين الشام والحجاز في أقرب وقت ممكن أمر يهمنا، فإذا زادت أعمال التخريب والاضطرابات كان من السهل علينا إرسال قوت إلى تلك المناطق بسرعة، والأمر المهم الآخر هو تقوية الأواصر بين المسلمين، كي تتحطم على صخرتها كل المؤامرات والألاعيب التي يحيكها الإنجليز»([3]). وقد تم مد الخط الحديدي الحجازي الذي ربط بين دمشق والمدينة المنورة بطول 1327كم.

ومما لا شك فيه أن سياسة عبد الحميد في الإصلاح عن طريق إنشاء الخطوط الحديدية سياسة ناجحة، فهو إلى جانب الإصلاحات الداخلية يهدف إلى حماية عاصمة الخلافة وتقوية مركزها في البلاد الإسلامية، ولا تكون الإصلاحات الداخلية شغله الشاغل بحيث ينعزل عن بقية البلاد الإسلامية، وما يدور فيها وما يحاك ضدها، واستطاع بإنشاء هذه الخطوط أن يدخل الرعب في قلوب الإنجليز وأعوانهم الطامعين في تجزئة تركة الرجل المريض، وبسبب هذه الخطوط كانت الدول الأوروبية تحسب لتحرك الأتراك ألف حساب وحساب، الأمر الذي أخَّر نيات الدول الأوروبية في احتلال كثير من الأقطار الإسلامية عن طريق الإنزال العسكري، وجعل احتلال تلك البلاد فيما بعد أمرًا من الصعوبة بمكان، ولم يكن لقمة سائغة هينة، كما تصورت تلك الدول.

وكان إنشاء هذه الخطوط ردًا قويًا على الذين كانوا يتهمون السلطان عبد الحميد بالخوف من انتشار الثورات التحريرية في البلاد الإسلامية؛ حينما تنفتح البلاد على بعضها وفيها من المشاكل، ما يساعد على إشعال مثل تلك الثورات، بل استطاع السلطان عبد الحميد أن يستخدم هذه الخطوط لإثبات حرص دولة الخلافة في الحفاظ على المسلمين وديارهم، واطلاعهم على ما يُحاك ضدهم وضد دولة الخلافة من الدسائس والمؤامرات، ويستوعب – بالتالي – كل ما قد يستغله المغرضون لإشعال الثورة وحركات الانفصال.

وفي تلك الخطوط تقوية للروابط بين دولة الخلافة والأقطار الإسلامية، الأمر الذي من شأنه أن يُعيد الرابطة والوحدة الإسلامية، كما يريدها السلطان عبد الحميد حين قال:

«يجب تقوية روابطنا ببقية المسلمين في كل مكان، يجب أن نقترب من بعضنا البعض أكثر وأكثر، فلا أمل في المستقبل إلا بهذه الوحدة، ووقتها لم يحن بعد لكنه سيأتي، سيأتي اليوم الذي يتحد فيه كل المؤمنين، وينهضوا فيه نهضة واحدة، ويقومون قومة رجل واحد فيه ويحطمون رقبة الكفار» ([4]).

وقد نجح السلطان عبد الحميد إلى حدٍّ كبير في تحقيق أهدافه من الخطوط الحديدية، ولكن الأحداث ومجريات الأمور كانت أكبر من أن يتلقاها ويصدها وحده، فلم تكن المشكلات الداخلية وحدها، بل المشكلات الخارجية، وتفكك أوصال الدولة الإسلامية وتقاعس أهلها، وهجمة أوروبا الطامعة، كلها سهام موجهة إلى قلب الخلافة الإسلامية.

ولو كان سهمًا واحد لاتقيته *** ولكنه سهم وثان وثالث

([1]) السلطان عبد الحميد مذكراتي السياسية 127 بتصرف.

([2]) السلطان عبد الحميد مذكراتي السياسية 81 و144.

([3]) السلطان عبد الحميد مذكراتي السياسية 135.

([4]) مقدمة مذكرات السلطان عبد الحميد 8 للدكتور محمد حرب.

الرابط المختصر :