العنوان إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة: (496)
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1980
مشاهدات 141
نشر في العدد 496
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 09-سبتمبر-1980
الإمام محمد بن عبد الوهاب
الحلقة الخامسة والثلاثون
يبدأ
وبعد أن بين الإمام محمد عبد الوهاب أصول دعوته ولخصها وهذبها وبعد أن اتبع بيان القواعد التي على أساسها يتعامل ويدعو الناس بعد ذلك كله خطى خطوة هامة، إن دلت على شيء فإنما تدل على حنكة ودربة وفهم لأسس الدعوة التي ينتظر منها أن تتعامل مع جماهير الناس على اختلاف مشاربهم وتصوراتهم:
فلم يواجه الناس مباشرة بحملهم بالقوة أو بالمغالاة في تسفيه معتقدهم، رغم أنهم قالوا في الرجل ما قالوا فإنه اتبع أسلوب عرض معتقده ملخصًا بشكل جيد مجردًا عن النقاش والجدل وبشكل يخاطب تصورهم للإسلام وللواقع ويعرض تصور الشيخ لهذا الإسلام والواقع، وكان هذا الأسلوب بمثابة خطوة الإنذار والإعلان والبيان قبل المواجهة والصدام وهي خطوة نجدها في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده معلوم مشهور، فلا بد من البيان والإعلان قبل الدخول في أي صدام أو في محاولة تغيير تحتاج إلى تغيير، حتى إذا دخل مرحلة الجهاد والنزال تكون حينئذ مرحلة جاءت في حينها ومكانها الذي لا يحمل صاحبها مسؤولية ما يتبع ذلك.
ولقد خطى الإمام محمد بن عبد الوهاب هذه الخطوة وبنجاح ملموس، ونستطيع إبراز ذلك في اختيار بعض رسائله الهامة التي كان يبعثها إلى من يريد دعوتهم، وسنختار رسالة من رسائله إلى أهل القصيم حين سألوه عن دعوته ورسالتين عامتين إلى المسلمين ففي رسالته إلى أهل القصيم يقول:
بسم الله الرحمن الرحيم
1- يبدأ ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة:
أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره.
ثم يبين صفات الله:
ومن الإيمان بالله، الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، على لسان رسوله «ص». من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا الحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه، لأنه تعالي لا سمي له ولا كفوء له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلًا وأحسن حديثًا فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، قال:
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون وَسَلَامٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الصافات: 180-182(
-3ثم يبين فرقة أهل السنة وأنها وسط:
والفرقة الناجية وسط، في باب أفعاله تعالى بين «القدرية» و«الجبرية»، وهم وسط في باب وعيد الله بين «المرجئة» و«والوعيدية»، وهم وسط في باب الايمان والدين بين «الحرورية» و«المعتزلة»، وبين «المرجئة» و«الجهمية»، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله بين «الروافض» و«الخوارج»٠
4- ثم يبين اعتقاده في القرآن:
وأعتقد أن القرآن كلام الله، منزل، غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده: نبينا محمد «صلى الله عليه وسلم».
5- ثم اعتقاده في القدر:
وأؤمن بأن الله تعالى فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن قدرته ولا يصدر إلا عن تدبيره ولا محيد لأحد عن القدر المحدود ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور.
٦- ثم اعتقاده في البعث والحساب:
وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي «صلى الله عليه وسلم»، مما يكون بعد الموت، فأؤمن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة عزلا، تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ (سورة المؤمنون: 102-103)٠ وتنشر الدواوين، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله.
7-ويبين حوض النبي وشفاعته:
وأؤمن بحوض نبينا محمد «صلى الله عليه وسلم». بفرصة القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل آنيته عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وأؤمن بشفاعة النبي «صلى الله عليه وسلم». وإنه أول شافع وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي «صل الله عليه وسلم». إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشفَعونَ إِلّا لِمَنِ ارتَضى﴾ (سورة الأنبياء:28) وقال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِۚ﴾ )سورة البقرة:255) وقال تعالى: ﴿ وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾ (سورة النجم:26) وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (سورة المدثر:48).
8- ثم يبين الصراط والجنة والنار ورؤية الله:
وأؤمن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم، يمر به الناس على قدر أعمالهم. وأؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان. وأؤمن أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته٠
٩- ويبين إيمانه بالنبي «صلى الله عليه وسلم» والصحابة:
وأؤمن بأن نبينا محمدا «صلى الله عليه وسلم». خاتم النبيين والمرسلين ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، وأن أفضل أمته، أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتقي، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة رضي الله عنهم.
وأتولى أصحاب رسول الله وأذكر محاسنهم وأترضى عنهم وأستغفر لهم وأكف عن مساويهم وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم، مسلمًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة الحشر:10).
١٠- ثم يبين كرامة الأولياء:
واترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء، وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئًا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله.
١١- ثم يبين أنه لا يكفر مسلمًا بذنب:
ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار، إلا من شهد له رسول «الله صلى الله عليه وسلم». ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام.
١٢- ثم يبين فرض الجهاد:
وأرى الجهاد ماضيًا مع كل إمام، برًا كان أو فاجرًا. وصلاة الجمعة خلفهم جائزة، والجهد ماض منذ بعث الله محمدًا «صلى الله عليه وسلم». إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل.
١٢- ويبين وجوب طاعة الأئمة:
وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة، وجبت طاعته وحرم الخروج عليه.
14- وموقع أهل البدع:
وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة٠
15-وأنواع الإيمان وشعبه.
وأعتقد أن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها: شهادة أن لا إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق.
16- والأمر بالمعروف:
وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الظاهرة.
فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال لتطلعوا على ما عندي، والله على ما نقول وكيل.
ولا شك أن هذه الرسالة تعبر أصدق تعبير عن عدة أمور هامة لا بد من أن يبينها الداعية الحصيف فهي تبين:
أولا: عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب التي يدعو الناس لها والتي هي صلب الدعوة وسببها، فيبين أنه لا يبتدع فرقة ولا جماعة خارجة عن خط السلف الصالح بل إنه يجدد لتلك الفرقة الناجية وأنه على ما كان عليه النبي «صلى الله عليه وسلم» حين أشار صلى عليه وسلم للفرقة الناجية بقوله «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي».
ويبين بعد ذلك مصداق هذا الاعتقاد وتطبيقاته فيبين اعتقاد أهل السنة في صفات الله تبارك وتعال وفي القرآن الكريم والقدر والبعث والحساب وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم والصراط والجنة والنار ورؤية الله واعتقاده بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم وفضل صحابته، واعتقاده بكرامة الأولياء٠
ثم يبين ثانيًا: موقفه من الناس هل هم كفار أم عصاة ومتى يستحقون التكفير ومتى يستحقون صفة العصيان٠
وبيانه لذلك بيان لتصوره عن منتسبي الإسلام في زمانه وأنه لم يبتدع أمرًا زائدًا عن حدود الشرع في هذا الحكم وحيثياته.
ثم يبين ثالثًا: طريقة الشروع لدعوة الناس وحملهم على صراط الله المستقيم وتصحيح عقائدهم، وأن أسلوب الجهاد بكل أنواعه ومراحله هو طريقه ومنهجه.
ثم يبين رابعًا: إنه يلزم نفسه طاعة أولي الأمر وبوجوب السمع والطاعة لهم.
ثم يبين خامسًا: مفاصلته وهجره لأهل البدع والأهواء٠
ثم يبين سادسًا: إن كل ما يقوم به إنما هو تصديق للإيمان الصحيح الذي هو
قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان... ويريد من الناس أن يكونوا على
ذلك. ثم يختم رسالته: بإنه يرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأي منكر بعد انحراف الناس عن العقيدة السليمة!!
وقد جاءت هذه الرسالة دقيقة شاملة يعرض الإمام من خلالها العقيدة الصحيحة ويناقش في نفس الوقت في كل جزئية انحراف الناس ومخالفتهم، ويبين صلى الله عليه وسلم كما يوجبه القرآن الكريم٠
وهاك رسالته إلى المسلمين عامة في الجزيرة وخارجها
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فاعلموا رحمكم الله أن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الناس بشيرًا ونذيرًا مبشرًا لمن اتبعه بالجنة ومنذرًا لمن لا يتبعه بالنار، وقد علمتم إقرار كل من له معرفة أن التوحيد الذي بينا للناس هو الذي أرسل الله به رسله، حتى كل مطوع معاند يشهد بذلك وأن الذي عليه غالب الناس من الاعتقادات في الصالحين وفي غيرهم هو الشرك الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (سورة المائدة:72) فإذا تحققتم هذا، وعرفتم أنهم يقولون لو يترك أهل العارض التكفير والقتال كانوا على دين الله ورسوله، ونحن ما جنناكم في التكفير والقتال لكن ننصحكم بهذا الذي قطعتم أنه دين الله ورسوله إن كنتم تعلمونه وتعملون به إن كنتم من أمة محمد باطنًا وظاهرًا وأنا أبين لكم هذه بمسألة القبلة أن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته يصلون والنصارى يصلون ولكن قبلته صلى الله عليه وسلم وأمته بيت الله، وقبلة النصارى مطلع الشمس فالكل منا ومنهم يصلي ولكن اختلفنا في القبلة، ولو أن رجلًا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقر بهذا، ولكن يكره من يستقبل القبلة، ويحب من يستقبل الشمس أتظنون أن هذا مسلم، وهذا ما نحن فيه فالنبي صلى الله عليه وسلم بعثه الله بالتوحيد، وأن لا يدعي مع الله أحد لا نبي ولا غيره، والنصارى يدعون عيسى رسول الله، ويدعون الصالحين يقولون ليشفعوا لنا عند الله فإذا كان كل مطوع مقرا بالتوحيد فاجعلوا التوحيد مثل القبلة واجعلوا الشرك مثل استقبال المشرق مع أن هذا أعظم من القبلة، وأنا أنصحكم لله وأنخاكم لا تضيعوا حظكم من الله، وتحبون دين النصارى على دين نبيكم فما ظنكم بمن واجه الله وهو يعلم من قلبه أنه عرف أن التوحيد دينه ودين رسوله وهو يبغضه ويبغض من اتبعه، ويعرف أن دعوة غيره هو الشرك، ويحبه ويحب من اتبعه أتظنون أن الله يغفر لهذا؟ والنصيحة لمن خاف عذاب الآخرة، وأما القلب الخالي من ذلك فلا والسلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل