; إعادة إعمار الأمة | مجلة المجتمع

العنوان إعادة إعمار الأمة

الكاتب علاء سعد حسن

تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2003

مشاهدات 63

نشر في العدد 1547

نشر في الصفحة 36

السبت 19-أبريل-2003

من أهم واجبات الدعاة والمصلحين اليوم إعادة إعمار الأمة الإسلامية على المستوى النفسي والتربوي بعد هذه الحرب الغاشمة التي صبت بالتأكيد في سلسلة الحملات الغربية على المنطقة..

فالأمة الإسلامية لا تهزمها حرب ولا تقنيها غزوة ولا تديل حضارتها هجمة من الهجمات مهما كانت شراستها، ولتن أفلت شمس حضارتها حينًا فكأنما تغيب عند الغروب لتشرق من جديد في اليوم التالي أبهى ما يكون الشروق.. ولقد تميزت الأمة الإسلامية- عبر تاريخها الطويل الممتد إلى أربعة عشر قرنًا من الزمان- بالقدرة على مواجهة الأزمات وتخطي المحن وإعادة رفع الراية الموشكة على السقوط فما تكاد تسقط دولة للإسلام أو تنهار أو يتجرأ على قداستها الأعداء حتى يرفع راية المجد رجال آخرون في تعاقب حثيث كتعاقب النهار والليل.

 حملت الراية دولة الخلافة الراشدة ثم بنو أمية ثم العباسيون ثم الأيوبيون ثم المماليك، فالعثمانيون.. والإسلام لا ينتصر بطريقة خيالية تعتمد على المعجزة والخوارق، وإنما يقوم على قواعد من الجهد البشري، إنه عطاء بشري متواصل على منهج الله تعالي يباركه الله وينميه فيتحقق النصر ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ (محمد:۷)، إن الملائكة لا تتنزل إلا على مدارج من المجاهدين وقواعد من العاملينالمخلصين ولو أراد الله تعالى لنصر دينه بلا جهد ولا جهاد. السيرة العطرة مواقف أدميت فيها الأمة وأصابها القرح من أشهرها يوم أحد وغزوة مؤتة ويوم الرجيع وبئر معونة، وفي كل حادثة من هذه سالت دماء وارتفعت أرواح شهداء إلى السماء وظن الناس أن الإسلام قد تراجع فإذا به ينطلق من جديد أصلب عودًا وأقوى صعودًا وأكثر ثباتًا وأعز مكانة، فما تلك العوامل التي تنهض بالأمة سريعًا من كبوتها لتحلق في سماء المجد؟

 نستشف بعض هذه العوامل من السيرة النبوية العطرة في إجمال شديد:

1- الاتصال الدائم بالله تعالى، عبادة وخشوعًا وخضوعًا واستنصارًا، فهو المستعان وإليه

المشتكى، ولقد ظل النبي ﷺ يقنت في الصلاة بعد بئر معونة شهرًا[5] يستلهمه النصر ويستمد منه العون ويشكو إلى ربه القبائل الغادرة.

2- تنزل القرآن الكريم معقبًا على الأحداث ومداويًا جراح النفوس ومربيًّا ومصححًا للأخطاء ومقومًا للمسيرة، فيتربى المسلمون عليه ويتلقونه تلقي الأرض الظمأى للغيث المبارك، وإذا كان القرآن الكريم قد انقطع نزوله، فإنه لم تنقطع أخبارنا فيه، فلنعد إليه ولنراجع أنفسنا ونقوم مسيرتنا في ضوء آياته البينات، لنعد إلى سور آل عمران والتوبة والحجرات والأحزاب ونعرض مسيرة عملنا الإسلامي والدعوي عليها، ونضع أيدينا على أهم مواطن الداء والعلل والأخطاء ونؤمن إيمانًا جازمًا أن القرآن الكريم فيه تشخيص الداء وتقديم الدواء. 

3- وجود النبي ﷺ المربي والمعلم والقائد بين المسلمين يوجههم، ويرفع الهمم ويصحح الأخطاء ويشحذ العزائم ومن رحمة الله تعالى بالأمة ومن أسباب استمراريتها وعوامل بقائها أن حفظ الله سنة نبيه وسيرته العطرة حفظًا يكاد يجعلنا نتتلمذ على يديه وإن لم نره ففي السنة والسيرة مواقف مشابهة لما نحن فيه، وحلول نبوية وتوجيهات كريمة لو أحسنا الرجوع إليها والاستفادة منها لسرنا على خطى خير الأنام في التربية والتوجيه والتخطيط والبناء. 

4- العودة الصادقة إلى الله تعالى، عودة المراجعة والتقويم ومحاسبة النفس على مستوى الفرد والجماعة، مع اليقين الكامل بأن الاعتراف بالداء وتشخيصه هو أول طريق الشفاء وأن ما أصابنا هو من عند أنفسنا ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ (آل عمران:١٦٥).

5- العهد الصادق والعزم الأكيد على رفع الراية ومواصلة العمل، فإن الأمة المجاهدة لا تعرف الهزيمة. إنها إن تراجعت تكر، فيصدق فيها قوله ﷺ: هم الكرار إن شاء الله[6] وإلا فهل عرف التاريخ البشري جيشًا مكلومًا يطارد جيشًا منتصرًا حتى يقر من أمامه إلا في حمراء الأسد بعد أحد[7] (۳)!

 ٦- الاعتزاز المطلق بالانتساب إلى دين الله ودعوته هو ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ (المنافقون:۸). فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في سواه اذلنا الله، ولقد كانت العزة بالله حال المسلمين في أحلك ساعات المحنة «الله أعلى واجل».

الإسلام دين لا ينتصر بالخوارق، لكنه ينتصر بتقديم جيل خارق للعادة لا يكسر الباطل عزمه وإن أسقط سيفه.

إن معجزة الإسلام الخالدة أجيال من البشر تحمل منهج القرآن وهدي الرسول الكريم لتقيمه على الأرض وهي مقومات الأمة الخالدة الصالحة للصعود والاستمرار والعلو والازدهار.


 

(1)  - فقه السيرة للبوطي ١٩٨.

(2)  - البوطي ۳۷۲.

(3) - البوطي ۱۸۸.

 

 

في مرآة الوجع.. قانا ([1]) وأخواتها!

سمير عطية

في مرآة الذاكرة، وعبر أنوار العيون التي تحدق في نزيف الحلم المقدسي.. عبر هدير من الغضب وصمت يمزق السكون في الأعماق... عبر جرح يمضي وآخر يجيء.. عبر أم تخرج من رحم الوجع، وأخرى تولد مع الثبات.

تعود ذكرى «قانا» هذه الأيام، وخريطة الدماء تمتد عبر تضاريس القصائد العربية، توقظ المتنبي في أرض الرافدين، وتستنهض شوقي في كنانة النيل، تبحث عن شبيه بأبي القاسم الشابي في تونس الخضراء تلك التي لونت قصائدنا بالإباء عبر الشام والجزيرة واليمن نرى رايات الشعراء ترفرف، وتلهج قوافيهم باللهب الذي يغلي في الصدور.

 قانا تعود في مرآة القلوب، وفي شرايين ممتدة تنزف وتنزف، ولذا لا تعجب أن عدت أقرأ عليك قصائد الرثاء.

هو ذات القلم الذي لهثنا خلفه لنكتب شيئًا من رثاء الجراح في جنين، ورعفة الآه في رفح، وسيول من «الأبيات» المتهدمة في نفوس الشعراء من البصرة مرورًا بكربلاء وليس انتهاء ببغداد الرشيد.. لذا لا تسألني عن أشعاري الجريحة اليوم بل تمعن جيدًا في هذا اليراع الذي في يميني و..:

«اسأله عن قانا وعن صبرا التي... عادت إلينا في ثياب أخريات».

بقي أمرُ مهم يتوجب علينا أن نقف عنده، ربما لا يتسع المقام للخوض فيه بتوسع، لكن الأمر يقتضي أن تُذكِّر بأن الشاعر لا يستطيع في خضم التمسك بحبل الأمل المتين والإيمان بالصباح الآتي، ولا يملك أن يخفي أوجاعه الشعرية ودموع قوافيه وهي تنتحب في محطة من محطات الأنين:

جَفتْ ينابيعُ القصائد، آه يا أسفار بَابل
 وتَكَسرَ اللحنُ الجميلُ عَلَى شَجُيرات البَلابل
 وقوافلُ الحقد القَديم تَجيء إِذْ تُمضي قوافل
 وطنٌ يُكَبلُ بالسلاسل كي يموت على المقاصل
كُراسةُ الأطفالِ في قانا تُبعثرُها القَنابل
 والأم تبحثُ في رُكام الدار عَنْ آثار راحلْ
 والحُلمُ حاصرهُ البُكا، والنَّارُ أحرقت السَنابل
 ما عادتْ النجماتُ ترقُصُ كل ليلِ في الجَداول
نَمشي فَتُدمينا الجراحُ على دروبك يا مَنازل
 ونَخوضُ في بَحْرِ الدما والليلُ يعتقل المَشاعَل
 لَمْ يَبْقَ منْ وطني سوى أشلاَء في أَيَدي القبائل
 وحُطامُ أَشْرعة على ميناء هاتيك السواحِل
قانا، دموعٌ لليتامى ألفُ آه للتواكل
 قانا، حقولٌ أجدبتْ ماتتْ بها كُل الأيائل
 قانا، ملايينُ الحروف تضيعُ في وَرَق الرسائَل
 قانا، جَماجم إخوتي، شُربَتْ بها خَمْرُ المحَافَلْ
 قانا، مواويل النحيب تعيش في شفة المُقَاتَل
 والشمسُ في قانا تصبح صباحنا في الأرض زائل
 في كُل يوم دَمعَة حيرى وليس لها مُماثل
 ماتت عناقيدُ الكروم على عناقيد الزلازل

[1] - وقعت مجزرة قانا يوم 18 أبريل 1997م حين لجأ أطفال ونساء وشيوخ من جنوب لبنان إلى مقر للأمم المتحدة حماية من القصف الصهيوني فطاردتهم الطائرات الصهيونية وقتلتهم في «الملاذ الآمن الأممي».

الرابط المختصر :