العنوان «عالم» يمشي على يديه!
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 05-أبريل-2008
مشاهدات 96
نشر في العدد 1796
نشر في الصفحة 17
السبت 05-أبريل-2008
ما الذي يمكن أن نطلقه على دولة تعد نفسها متحضرة إذا وجدناها تنادي بالشيء وعكسه في الوقت نفسه، وترفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان في حالة ثم تبتلع شعاراتها في حالة أخرى.
لقد بتنا في العالم الإسلامي نتلقى رسائل شبه يومية من الغرب عبر أحداث متعددة مفادها أننا- كمسلمين- أينما كنا لسنا ضمن المعنيين بمدونة حقوق الإنسان، ولا ندخل تحت طائلة قوانين الشعارات المعبرة عن ذلك، ولهذا فإننا نتابع يوميًا من الأحداث ما يؤكد أن نظرة الغرب إلينا تعني أن دماءنا لا تعدو أن تكون ماء لا قيمة لها ولا تستحق كلمة اعتذار، حقيقية.. مجرد اعتذار!.
وقد تابعنا ذلك مع حادث مقتل فتاة رفح المصرية على أيدي قناصة صهاينة، وقبلها حوادث مماثلة، ثم بعد ذلك مقتل أحد المصريين داخل مجرى قناة السويس على أيدي حراس السفينة الأمريكية.. نعم.. اعتذر الرئيس بوش هاتفيًا للرئيس مبارك، وأعلن عن فتح تحقيق في الحادث، لكننا لم نعرف بعد مصير هذا التحقيق وسلامة إجراءاته ودور الجانب المصري المعتدى عليه فيه.
تلك أمثلة بسيطة يقابلها إبادة شعوب بأكملها، والحالة هي الحالة لا كلمة اعتذار من الجزار ولا كلمة احتجاج من الضحية... فهل سمعنا عن كلمة اعتذار من الإدارة الأمريكية عن إبادة مليون عراقي وتشريد خمسة ملايين وتيتيم ستة ملايين آخرين... ولماذا يكلف الجزار نفسه عناء ذلك وهو لم يسمع كلمة احتجاج من المالكي وحكومته؟!
ونشاهد يوميًا- تقريبًا- ومنذ نكبة فلسطين، عام ١٩٤٨م مذابح وقتل فردي وجماعي لشعب فلسطين، ولكن.. بدلًا من رد العدوان أو الاحتجاج عليه صرنا نشاهد اجتماعات السلام، على وقع ارتكاب المجازر الصهيونية. حتى في الصين... يهتز العالم اليوم احتجاجًا على ما يجري بحق البوذيين عبدة بوذا في إقليم التبت ويسعى العديد من الزعماء في الغرب للاتصال أو اللقاء مع الدلاي لاما زعيم التبت للإعراب عن مساندتهم لعبدة بوذا.. بينما يرزح أكثر من أربعين مليون مسلم في إقليم سنكنجيان الصيني تحت آلة القهر والمطاردة والسجن والقتل والتجريد من أبسط الحقوق الإنسانية، دون أدنى التفات من الغرب راعي حقوق الإنسان، اللهم إلا بعض الأسطر القليلة التي تذر بها منظمات حقوق الإنسان الرماد في عيوننا كل عام في تقاريرها السنوية بل وأدهى من ذلك، فإن حوادث الاحتجاج والتظاهر التي يشهدها إقليم التبت منذ عدة أشهر كان المسلمون هم ضحيتها الكبرى فقد قام المتظاهرون في مدينة لاسا، عاصمة الإقليم بحرق مسجد المدينة -رغم أن المسلمين ليسوا طرفًا في القضية.. بل إن المحلات التجارية والسيارات التي يمتلكها مسلمون تعرضت للنهب والحرق والتخريب.. ولا أعتقد أن أحدًا منا سمع أو شاهد ذلك في وسائل الإعلام الغربية التي تركز أضواءها على التبت، مصورة للعالم وقوعهم وحدهم تحت مقصلة حقوق الإنسان في الصين.. دون الإشارة للمسلمين.
تساءلت لماذا التبت الذين يصورهم الإعلام الغربي على أنهم ضحايا حقوق الإنسان؟ ولماذا يرتكبون كل هذه الانتهاكات بحق المسلمين في إقليمهم؟! لكني وجدت الإجابة عندما علمت أن (أقلية هو) المسلمة التي تعيش في الإقليم ويبلغ تعدادها مليوني مسلم تتحكم في مفاصل التجارة بالإقليم، حيث يدير أفرادها تجارة المواد الغذائية ومحلات الجزارة والمطاعم ومحلات بيع الهواتف النقالة وأجهزة الصرف الآلي.
والأهم.. أن الإقليم يشهد صحوة إسلامية واضحة، فقد أعلنت أكثر من ثلاثة آلاف أسرة إسلامها كما أشهر أكثر من ٢٠٠ ألف شخص إسلامهم بعد العثور على وثائق تاريخية تشير إلى أصولهم الإسلامية.. وتؤكد الوثائق أن التبت كانت مملكة مستقلة، وقد حكمها ملوك من المسلمين لفترات طويلة، وكانت لهم علاقات قوية مع دولة الخلافة الإسلامية.. كما تؤكد الوثائق أن العرب استقروا في هذه المنطقة وعقدوا مصاهرات مع سكان هذه البلاد ونشروا فيها اللغة العربية (موقع المسلم ٢٠٠٨/ ٣/ ٢٩ م).
ترى.. هل تبين السبب وراء إهمال الإعلام والدوائر الغربية لما يجري بحق المسلمين في الصين وتركيز الأضواء على عباد بوذا؟! إنها استراتيجية الإعلاء والتمجيد والاحترام لكل ملة ونحلة- حتى عبدة الشيطان- إلا الإسلام.. المطلوب تغييبه من على وجه الأرض.. لأنه العدو!
وإلا فبماذا يمكن أن نفسر مساندة الدوائر الغربية على كل المستويات لنشر الرسوم المسيئة للنبي، ثم بث فيلم فتنة، المفتري على الإسلام، ثم الإقدام على تحويل رواية آيات شيطانية، إلى مسرحية سيتم عرضها قريبًا في ألمانيا تحت ذريعة حرية الرأي بينما تقوم وزارة الداخلية الفرنسية بإقالة السيد، برونوجيج، نائب مديرية سانت الواقعة جنوب غربي فرنسا، لإقدامه على نشر مقال على موقع إلكتروني قال فيه إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي يقتل فيها قناصة فتيات لدى خروجهن من المدرسة.. ثم سخر في نفس المقال قائلًا إن السجون الإسرائيلية يتوقف التعذيب فيها يوم السبت بحكم القانون الديني.
ماذا لو كتب الرجل عن محرقة غزة، وسلاسل المجازر التي يمتلئ بها سجل الصهاينة الأسود؟
وما السيد، برونو، إلا أحد ضحايا حرية الرأي فقد سبقه كثيرون، أولهم المفكر الكبير رجاء جارودي، وكان آخرهم المهندس فينسن رينوار لأنه وزع كتابً ينفي حدوث الهولوكوست ضد اليهود إنه حقًا نظام عالمي يمشي على يديه!