; ١٤٣١ عامًا هجريًّا! | مجلة المجتمع

العنوان ١٤٣١ عامًا هجريًّا!

الكاتب نوال السباعي

تاريخ النشر السبت 16-يناير-2010

مشاهدات 72

نشر في العدد 1885

نشر في الصفحة 40

السبت 16-يناير-2010

  • مقارنة درجة اهتمام الإعلام العربي والإسلامي بكل من العامين الهجري والميلادي تكشف الوهن الحضاري بعد أن ارتدينا عباءة الآخرين وتخلينا عن هوية أمتنا.
  •  في مستهل عامنا الهجري الجديد الضائع بين أعوام الآخرين نحن بحاجة إلى وقفة تأمل صادقة فيما آلت إليه أحوال أمتنا الإسلامية.

لم يشكل هذا الرقم أية إشكالية للكثير منا ، ولم يقفوا عنده مجرد وقفة تفكير أو حساب، هذا الرقم اليتيم المضيع الذي يمثل حساب تقويم حياة، وتاريخ أمة تنزف قهرا وهي تبدو - وأقول تبدو - وكأنها في نزعها الأخير.

 عجبت أن يحتفل في بعض دول العالم الغربي ببداية العام الصيني الجديد، وأن تنقل كل قنوات الإعلام الغربية أنباء احتفال اليهود بعامهم العبري، وفي نفس الوقت يتم إهمال ذكرى حادثة الهجرة التي يعترف التاريخ - تاريخ خصومنا – بأنها الأكثر أهمية في تاريخ البشرية جمعاء.

تاريخنا الذي ملَّ منَّا ومللنا منه، والذي أصبحنا اليوم عبئا عليه ، متطفلون على موائد الآخرين، نحتفل بأعوامهم، نقلد اختراعاتهم المقدسة – التجارية، ندخل قرونهم التي تبدأ وتنتهي بغزو أرضنا وانتهاك عرضنا ودك حصوننا !.

هل نحن أمة ميتة؟! أصبحنا عالة على عالم يمور بالحياة والحركة ونحن جاثمون على كنوز الأرض نستمد منها آخر سبب للتشبث بالوجود بين أمم الأرض اليوم؟

 إجراء مقارنة سريعة وشاملة بين حجم الاهتمام العربي الإعلامي العام بالعام الميلادي والعام الهجري، تنبئنا عن درجة الوهن الحضاري التي نعيشها اليوم، وعن الهوة السحيقة التي سقط فيها معظم الذين نصبوا أنفسهم ناطقين باسم هذه الأمة وهم يحاولون ارتداء عباءات الآخرين متخليين عن هوية أمتهم وبصماتها وربما لونها وجنسها. ١٤٣١ عام تعني في عمر الحضارات اليوم.. شبابًا وحضورًا وأملا وامتدادًا، ولكن وللأسف الشديد فإن الأمة الأكثر شبابًا في تاريخ الحضارات اليوم هي الأمة التي بدا وكأن التعب قد سرى في أوصالها ونفوس أبنائها إلى درجة تخليهم حتى عن الوقوف الجاد احترامًا لذكرى بدء تسجيل تاريخهم المجيد الذي ما عاد له من صدى في حياتهم المليئة بالأصوات والضجيج والفوضى. 

الوهن الحضاري أصاب الأمة سياسيًا واجتماعيًا وإنسانيًّا بالفعل، ولكنه - وعلى الرغم من ذلك - لم يستطع النيل من روحها ولا من عقيدتها ولا من رغبتها في الوقوف على قدميها من جديد، كما أنه لم يؤثر على قدرتها العجيبة على الاستفادة من آليات التجديد الذاتي الذي تتمتع به من دون بقية أمم الأرض الشيء الذي يشهد له التاريخ والذي تذكره الجغرافيا والذي تخشاه جموع المتربصين بثرواتنا الهائلة التي قد تنقلب بين عشية وضحاها إلى أسلحة عمار إنساني شامل للإنسانية إن استطاعت هذه الأمة أن تأتي من الموت مرة أخرى، كما اعتادت أن تفعل دوما لتعيد كتابة التاريخ باللون الأخضر، ولتحمل رسالتها الخالدة للإنسانية التائهة المعذبة التي تغرق اليوم في التوحش والتصحر وشهوة امتصاص الدماء.

أمة حية

في مستهل هذا العام الهجري الجديد الضائع بين أعوام الآخرين التي نسبنا أنفسنا إليها وانتحبنا على فراقها، واحتفلنا، مع المحتفلين بها، في مستهل هذا العام نحن بحاجة حقيقية للوقوف وقفة تأمّل هادئة فيما آلت إليه أحوال هذه الأمة، وهل ننتمي إلى هذه الأمة؟ وهل مازلنا نريد الانتماء إليها؟ وما شروط ومقومات هذا الانتماء؟ وقبل ذلك وبعده إننا في حاجة ماسة إلى تحديد هوية هذه الأمة اليوم في مطلع القرن الحادي والعشرين الميلادي الذي بدأت ولادته بأحداث هائلة هزت العالم –ومازالت– وهي على علاقة وثيقة بهذه الأمة التي بلغت اليوم ١٤٣١ عاما وهي ما تزال في ريعان شبابها، يشهد على ذلك احتلالها لصدر الأحداث الأهم والأخطر في حياة البشرية اليوم سلبًا أو إيجابًا وتشهد على ذلك كل إحصائيات أعداد الشباب والمواليد فيها، وتشهد على ذلك الأعداد غير الطبيعية من المقبلين على الاستشراق والاستغراب والإسلام في مختلف أنحاء العالم، وتشهد على ذلك مع كل هذه الشواهد مؤشرات أسواق العملات وأسعار البترول والغاز الطبيعي في العالم.

أمة شابة ولكنها لا تتمتع بالشباب فحسب، بل تتمتع بحيوية هي موضع حسد التاريخ وحقد الجغرافيا، وانتقام الأدب والفن والثقافة حية على الرغم من سيادة ثقافة الموت بين شبابها حية على الرغم من انتشار اليأس والإحباط بين صفوف أبنائها المحرومين من أدنى درجات الخدمات الإنسانية في حياتهم، حية على الرغم من الاستبداد الذي ينتشر أفقيًا وعموديًا في جميع شرائح وجودها السياسي والاجتماعي والأسري، أمة حية قائمة تتحدى وتصارع الموت فى كل مكان يصر الموت على الزحف فيه إليه .

حية على الرغم من السرطان الذي أصاب قلبها، حية على الرغم من اجتماع الأكلة إلى قصعتها، حية على الرغم من الوهن والهوان اللذين يلفانها .

اسألوا المسجد الحرام يلم ويجمع العشاق من كل فج عميق، أتوه يجددون ولاءهم لهذه الأمة وهذا التاريخ، اسألوا رمضان المصرّ عاما بعد عام على إثبات نظريته الخاصة عن وجود هذه الأمة وشبابها وحياتها وحيويتها وقدرتها على البقاء والثبات والاستمرار.

 اسألوا «ياسين» الطفل المغربي الصغير بسنواته الست والذي ولد وعاش كل حياته في مدريد، والذي ذهب يحاول فتح باب بيته ذات فجر وقد حمل حقيبته على ظهره بعد أن حشى فيها أشياءه الخاصة، فلما أن هبت أمه من نومها فزعة وسألته: إلى أين أنت ذاهب يا ياسين؟ قال: إلى القدس، أساعد أطفالها في رمي الحجارة!.

اسألوا كل مصري ولبناني وعراقي وسعودي ويمني وصومالي عن هذه الأمة وعن تاريخها وعن حياتها وحيويتها، لتجدوا لحمة وسدة زاخرة بالحياة والإرادة والأمل. ١٤٣١ عاما من الحياة ومن القدرة الهائلة على التجديد الذاتي وابتلاع الغرباء.

 ١٤٣١ عاما من التاريخ بحلوه ومره.. براياته البيضاء وأيامه السوداء، تاريخ اسألوا عنه «ابن كثير الدمشقي»، واقرؤوه مرارا وتكرارًا حتى تعرفوا هوية هذه الأمة التي حشرها البعض ستين عاما في متاهات الشعارات، وادعاءات الثورات وركوب الموجات وقمع الشعوب، وشنق الأحرار وسجن كل من سولت له نفسه قول كلمة يعتقدها حقا، أو همزة أو لمزة يخفف بها عن نفسه عناء القهر ، أو نكتة يحلي بها مرارة أيام الصبر.

١٤٣١عاما من الهجرة المستمرة نحو الغد، نحو المستقبل، نحو العطاء، نحو التغيير هجرات هائلة أحدثت في حياة البشرية انقلابات إنسانية وحضارية بالغة التأثير، وذلك على الرغم من وهننا الحضاري في بعض الأحيان، وتعبنا وارتكاسنا وتنكبنا عن حمل الرسالة حينا، واستسلامنا لمن تفرعن علينا أحيانًا.

بصمات واضحة

١٤٣١ عاما لا تعني الكثير في حياة الوجود التي تحسب بآلاف الملايين من الأعوام، ولكنها على غاية من الأهمية في تاريخ الوجود الحضاري الإنساني الذي تركت فيه هذه الأمة بصماتها واضحة على كل شيء في هذه الحياة وفي حياة الإنسانية اليوم، وذلك على الرغم من تعطش الإنسانية إلى هذه اليد التي لم تعرف منها إلا بصمتها الحضارية، تعطشها إلى التعرف عليها إلى كشف الزيف عن التشويه اللاحق بها تعطشها إلى الخير ينصب منها ينبوع عطاء لا ينضب.

 إنه عام هجري جديد يأتينا في زمن محنة وقهر واحتلال وسقوط، سقطت بغداد، وتسقط الحواري والشوارع المؤدية إلى القدس، وسقطت الشعارات التي حكمتنا بالحديد والدم والنار ستين عاما، سقط الثوار والرفاق، وانكشفت الأقنعة عن كل الوجوه، واكتشفنا ضياع أموال الأمة، وضياع قرن من حياة الأمة، وضياع الهدف الرئيس من وجود هذه الأمة، ونحن نعيش اليوم أعلى مرتبة من مراتب انتشار صحوة هذه الأمة على هامش انتفاضة أهل الرباط في فلسطين المقدسة، وصدقوني .. إن هذه الصحوة المتعطشة إلى قيادة وترشيد وتوجيه، وتلك الانتفاضة المقدسة الموصولة بحبل من الله وحبل من قلوب المؤمنين بهذه الأمة.. صدقوني إن هذه الصحوة وهذه الانتفاضة هما أكبر علامة فارقة اليوم لهذه الأمة، لوجودها، وحيويتها، وقدرتها على الوقوف على قدميها مرة أخرى، لتثبت للتاريخ أنها أمة لا يمكن أن تموت هذا ما يقوله التاريخ، وهذا ما يؤكده الإنسان، وهذا ما يخيف الآخرين الذين لا نكرههم ، ولا نريد أن نكرههم، وليست لدينا القدرة على كراهيتهم كل ما في الأمر أنهم أتونا غازين وذهبنا إليهم مهاجرين، دعموا قتلة أنبيائنا وأطفالنا في القدس، فذهب منا إليهم من أرهبهم وهز كيانهم حوار أليم ونزاع لن تنهيه قوة الجيوش ولا استكبار القوة في الأرض، حوار مع ١٤٣١ عامًا من حضارة قاهرة بالكلمة والحق وثبات الإنسان وقدرته المذهلة على التغلب على ثقافة حب الموت، لأنه وحده الذي ينتمي إلى أمة طالما طلبت الموت لتوهب لها الحياة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل