العنوان (عقيدة المسيا «المسيح» عند اليهود)
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1988
مشاهدات 72
نشر في العدد 856
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 01-مارس-1988
إن قضية الإيمان
بمجيء المسيح في آخر الزمان هي من أهم القضايا التي تشغل بال التفكير التوراتي
والتلمودي، ويقول الدكتور جوزيف باركلي في كتابه "الأدب العبري": «إن
قضية المسيح فهي من أهم قضايا اليهود على الإطلاق».
والمسيح عند
اليهود هو الممسوح بالزيت.
وقد جاء في
العهد القديم، سفر صموئيل الأول الإصحاح 10، أن صموئيل النبي قام بمسح شاول
«طالوت» بالزيت وأعلنه ملكًا على إسرائيل، وهو المذكور في القرآن الكريم في سورة
البقرة. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن
بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ
أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ
الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ
طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ
أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ
اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ
وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ
لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ
سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ
تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم
مُّؤْمِنِينَ﴾ (البقرة:246-248).
ثم ذكر الله بعد
ذلك موقف بني إسرائيل من طالوت ونكوصهم وشربهم من النهر وعجزهم عن قتال جالوت
وقومه وكيف قتل داود جالوت. والقصة في سورة البقرة (246-251) بطولها. أما في العهد
القديم فيظهر شاول «طالوت» بصورة قبيحة ودنيئة حتى إن الله يقول حسب زعمهم: «لقد
ندمت عندما جعلت شاول ملكًا»! وتقوم حرب شعواء مليئة بكافة الوسائل الحقيرة
والخسيسة بين داود وشاول كما تزعم أسفار العهد القديم المحرفة.
وأخيرًا يصبح
داود ملكًا ويمسحه النبي أيضًا بالزيت ويكون بالتالي مسيحًا.
وتستمر مملكة
داود من عام 1010 قبل الميلاد حتى عام 923 عند وفاة سليمان عليه السلام.
وبانتهاء مملكة
داود تنقسم المملكة إلى دولتين متنافستين متحاربتين إحداهما في الشمال «إسرائيل»
والتي انتهت بغزو الآشوريين لها عام 721 قبل الميلاد، والثانية في الجنوب «يهوذا»
وعاصمتها أورشليم القدس والتي انتهت أيضًا بهجوم نبوخذ نصر «بخت نصر» عليها عام
598 قبل الميلاد وما أعقبه من نفي إلى بابل.
وفي مرحلة النفي
ظهرت الكتابات بكثرة عن موعد مجيء المسيح اليهودي الذي سيكون من نسل داود والذي
سيعيد دولة اليهود في فلسطين ويقيم بناء الهيكل المهدم وبواسطته سيحكم اليهود
العالم. وبعد ثورة باركوبيه الفاشلة سنة 135 م وقتل اليهود وتشريدهم ازداد تعلق
اليهود بالمسيا الذي سيأتي وينتقم لهم من العالم. وهو الذي سيجمع شملهم ويقيم
دولتهم العالمية (1).
وقد تكررت
نبوءات الأنبياء بقدوم هذا المسيح بدرجة ملأت معظم أسفار العهد القديم كما ملأت
أسفارًا عدة من التلمود البابلي بصورة خاصة. وعندما ظهر عيسى بن مريم عليه السلام
سخر منه اليهود وكذبوه ولعنوه - لعنهم الله - واتهموا أمه بالزنا وقالوا: إنها أتت
به من زناها بالجندي يوسف بانديرا قبل زواجها من يوسف النجار.
وهذه طامة أخرى
يأتي بها النصارى وهي أن مريم لما نفخ فيها روح القدس وحملت بعيسى أتاها خطيبها
يوسف النجار وعلم أنها قديسة وتظاهر بأنه تزوجها حتى لا يتهمها قومه اليهود
بالزنا.
وبما أن المسيح
في التوراة وأسفار العهد القديم من نسل داود، لذا قام كُتاب الإنجيل بكل غباء
بتركيب نسب لعيسى عليه السلام حتى أوصلوه إلى داود رغم زعمهم أنه ابن الله وأنه
الله وأنه ثالث ثلاثة، قاتلهم الله.
وجعلوا نسبه من
يوسف النجار إلى داود عبر سلسلة من الآباء يختلف عددها من إنجيل لآخر. وقد أفاض
الدكتور موريس بوكاي في ذكر اختلافات سلسلة النسب في كتابه: "القرآن والتوراة
والإنجيل والعلم". وهي اختلافات لا طائل تحتها لأن نسب المسيح الداودي لا يصح
أصلًا إذ إن عيسى عليه السلام خلقه الله معجزة بدون أب من مريم العذراء عليها
السلام.
بعض أقوال
اليهود في عيسى عليه السلام كما يذكرها القرآن الكريم:
لقد ذكر القرآن
الكريم بعض مفتريات اليهود على عيسى بن مريم وأمه مريم عليهما السلام.
قال تعالى يصف
أفعال اليهود ومفترياتهم على مريم وابنها عيسى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ
وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ
فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ
بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ
مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ
لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم
بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل
رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِن
مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (النساء:155-159).
وفي هذه الآيات
الكريمة فضح لأخلاق يهود وطباعهم القاسية فهي كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة.
وهم الذين يفتخرون بكفرهم وقتلهم الأنبياء. وهم الذين اتهموا مريم عليها السلام
بالزنا ثم قاموا بمحاولة قتل المسيح عيسى ابن مريم فنجاه الله منهم ورفعه إليه.
وشبه لهم فجعل يهوذا الإسخريوطي الخائن يظهر في ملامح المسيح فأخذ الجنود يهوذا
وهو يصرخ ويصيح كأي جبان، وصُلب واليهود عليهم لعنة الله يظنونه المسيح. ويسخرون
منه ويبصقون في وجهه ويضعون على رأسه تاجًا من الشوك ويضعون في يده سيفًا من الخشب
سخرية منه لأنه ادعى أنه المسيح حسب قولهم. والمسيح ملك يكون له تاج من ذهب وسيف
من ذهب. ولا يزال النصارى يصورون المسيح عليه السلام وعليه تاج من شوك وبيده سيف
من خشب وهو الأمر الذي حدث ليهوذا الإسخريوطي الذي جعله الله على صورة المسيح
عقابًا له على خيانته للمسيح مقابل جنيهات الذهب. وقد أوضح ذلك إنجيل برنابا الذي
رفضته المجامع الكنسية المتتالية لأنه يعلن أن المسيح لم يُصلب وإنما الذي صُلب هو
يهوذا الإسخريوطي الخائن. وأن المسيح ليس إلهًا ولا ابن الإله بل هو بشر مكرم
أرسله الله لقومه اليهود. وأن المسيح بشر بمجيء محمد - صلوات الله وسلامه عليه وعلى
آله.
لهذا كله فإن
إنجيل برنابا مرفوض من المسيحيين إلى اليوم. وقد طُبع طبعات متعددة في الآونة
الأخيرة.
وتوضح الآيات
الكريمة أن الله قد رفع عيسى عليه السلام وأنه سينزل إلى الأرض وسيؤمن به أهل
الكتاب جميعًا: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ
مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (النساء:159). أي
قبل موت عيسى عليه السلام بعد نزوله الأرض كما قال كثير من المفسرين. ومال بعض
المفسرين إلى أن الضمير في "موته" يعود على الكتابي حيث تظهر له حقيقة
عيسى عند موته فلا ينفعه ذلك الإيمان.
قصة ولادة عيسى
عليه السلام في القرآن الكريم:
وردت قصة ولادة
عيسى عليه السلام في سورة آل عمران وبتفصيل أكثر في سورة مريم. قال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ
فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا (16)
فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا
فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا (17) قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ
مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا (18) قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ
لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا (19) قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ
يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا (20) قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ
عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ
وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا (21) ۞فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا
قَصِيّٗا (22) فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ
يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا (23) فَنَادَىٰهَا مِن
تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا (24)
وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا
(25) فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ
أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ
إِنسِيّٗا (26) فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ
لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا (27) يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ
سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا (28) فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ
كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا (29) قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ
ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ
مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا (31)
وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا (32) وَٱلسَّلَٰمُ
عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا (33) ذَٰلِكَ
عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ﴾ (مريم:16-34).
وهذه القصة
العجيبة الفذة ليس لها نظير لا في الأناجيل ولا في غيرها. فحتى النصارى الذين
يؤلهون عيسى ويقولون تارة هو الله وتارة يقولون هو ابن الله وتارة يقولون ثالث
ثلاثة: الأب، الابن، الروح القدس، هؤلاء النصارى يزعمون أن يوسف النجار أعلن زواجه
بمريم عندما علم بحملها من الملاك بنفخ الروح فيها. ولا تظهر أي معجزات لعيسى في
ولادته. وإنما يذهب به يوسف النجار إلى مصر ولا يعود من مصر إلا وعيسى مع مريم فتى
يافع.
أما في القرآن
الكريم فتختلف وقائع القصة اختلافًا تامًا وجذريًا، وتظهر براءة مريم عليها السلام
منذ أول لحظة. ويصورها القرآن وهي ترتعب من لحظة المخاض: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ
إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ
نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ (مريم:23) خوفًا من اتهام قومها اليهود بالبهتان لها بالزنا
وهي الطاهرة المطهرة، ويلجئها المخاض إلى جذع النخلة فيتحدث إليها تحتها. وهنا
اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا﴾ على قولين: أحدهما أنه
عيسى عليه السلام، والثاني أنه جبريل عليه السلام. فاطمأنت نفسها وأخذت تأكل من
الرطب الجني الذي تساقط عندما هزت النخلة وأكلت وشربت. وأهمية الرطب في المخاض أن
فيه مواد تساعد على الطلق قريبة من مادة الأوكسيتوسين التي تفرزها الغدة النخامية
للمساعدة في الطلق وتقلصات الرحم، وفيه مادة سكرية تساعد على إطلاق الطاقة
المطلوبة لعملية الوضع. وفيه مواد تساعد على إفرازات الأمعاء وتنظيفها، وهي أمور
كلها في منتهى الأهمية لحظة الطلق.
ثم يحدثنا
القرآن الكريم عن هذا الطفل المولود الذي جاءت به تحمله ونرى أعين القوم فزعة
مروعة بما فعلته مريم وأصابع الاتهام تشير إليها والألسنة الحداد تعلن: ﴿قَالُوا
يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ ويستمر التقريع: ﴿يَا أُخْتَ
هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.
لم ترد مريم
عليها السلام بل أشارت إلى الصبي وتعجب القوم منها: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ
قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (مريم:29). فإذا
المعجزة الفريدة التي لم يتحدث عنها إنجيل من الأناجيل العديدة، فإذا الذي في
المهد يتكلم بأفصح عبارة وأجلى بيان وأقوى حجة:
﴿قَالَ إِنِّي
عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي
مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ
حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا *
وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ
حَيًّا﴾ (مريم:30-33).
يا لها من كلمات
من صبي مولود يرتجف لها السامع بعد مرور ألفي عام من الزمان؛ فكيف بمن شاهدها
وسمعها وحضرها!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل