العنوان «فارس» بني «شيطان»
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2007
مشاهدات 82
نشر في العدد 1757
نشر في الصفحة 13
السبت 23-يونيو-2007
السبت 16/6/2007م أعلن القصر الملكي البريطاني منح الكاتب سلمان رشدي صاحب رواية «آيات شيطانية» وسام «لقب فارس»، وهي درجة رفيعة من الأوسمة الملكية، تسمح لحاملها أن يسبق اسمه لقب «سير»، وتلك عادة سنوية للملكة أن تمنح بمناسبة عيد ميلادها مجموعة من الأوسمة، ولا ندري لماذا تأخرت الملكة شهرين هذا العام في منح أوسمتها في عيد ميلادها الذي يوافق شهر أبريل من كل عام، يبدو أنها أخرت الاحتفال هذا العام ليكون في عيد ميلاد «سلمان» الذي بلغ الستين عاماً يوم الثلاثاء 19/6/2007م، أي بعد انعقاد الاحتفال بيومين فقط، وذلك في حد ذاته تكريم آخر من الملكة للفارس الكبير السير «سلمان».
وكما أحدثت روايته «آيات شيطانية» التي أصدرها عام ١٩٨٩م ضجة كبرى في العالم الإسلامي، وزاد من صداها فتوى الإمام الخميني بإهدار دمه نظير سبابه الوقح للنبي -صلى الله عليه وسلم- أحدث تكريم السبت الماضي أيضاً ضجة، وإن لم تكن بالقدر نفسه.. و.. وفي كل الأحوال، فإن «الضجة» الأولى عام ۱۹۸۹م صنعت من «سلمان» الصعلوك المغمور نجماً يحتفي به الغرب في كل مكان، وجعلت منه -دون أن يقتل أو يموت- شهيد الفكر والإبداع عند العالم الغربي.
وأذكر أن العلامة الشيخ أحمد ديدات -يرحمه الله- وغيره من كبار الدعاة قد ذكر أن المسلمين مطالبون بأن يحدقوا فن «قلب الطاولة على عدوهم المتربص بهم»، بأن يلتقطوا أي حملة تشهير بالإسلام ونبيه ليحولوها إلى مناسبة لشرح مكثف وواع للإسلام ومبادئه، وتلك تكون مناسبة مناسبة جدًا.
أما أسلوب المظاهرات الغاضبة أو حرق الدمى فإنها لم تظهر حقًا، ولم تبطل باطلاً بقدر ما حولت «سلمان» أسف «الفارس سلمان» إلى بطل شهيد احتضنه الغرب.
الشيخ أحمد ديدات نفسه اتبع يومها أسلوب قلب الطاولة، وذهب عام ١٩٨٩م إلى لندن بعد ظهور رواية سلمان، وألقى واحدة من أشهر محاضراته أمام عدة آلآف، يومها طالب المسلمين بوقف المظاهرات، حتى يسمع الغرب صوت العقل والحجة والرد العلمي الإسلامي على ما قال سلمان، وتحدى ديدات -يرحمه الله- يومها قنوات التلفزة البريطانية أن تفسح له ثلث ساعة على الهواء ليطلع الجماهير الغربية، ولتسمع ملكة بريطانيا عما قاله سلمان عنها وعن مارجريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية في روايته، وأبرز الرجل ساعتها كتاباً صغيراً قام بتأليفه بعنوان: «شيطانية الآيات الشيطانية، وكيف خدع سلمان رشدي الغرب»، يحوي كل ما قاله سلمان رشدي عن الغرب وزعمائه، وفيه يصف الملكة إليزابيث ومارجريت تاتشر بأوصاف يعف أي قلم عن خطها، وقد تحدى الشيخ ديدات أي وسيلة إعلام بريطانية أو غربية أن تقرأ على مشاهديها نصوص عبارات سلمان رشدي عن الملكة وتاتشر، وغيرهما.
بل إن الرجل «ديدات» حاول أن ينشر إعلاناً مدفوع الأجر في الصحافة البريطانية يحوي نصوص كلمات سلمان هذه، لكن الصحافة البريطانية رفضت، وضاع صوت الشيخ ديدات وكتابه عن رواية سلمان وسط صخب المظاهرات والاحتجاجات في العالم الإسلامي، وتعتيم وسائل الإعلام من جانب آخر، واستقر الوضع عند الغرب كما أراده اللوبي الذي يصنع الأحداث، ويجسد الصورة، وفق رؤيته عند إبراز سلمان الرجل المفكر المبدع المعرض للقتل بسبب فكره، وجماهير مسلمة غاضبة تضيق بالفكر وحرية الرأي، وذلك عين ما تحاول الآلة الإعلامية الغربية تجسيده وترسيخه لدى الرأي العام خاصة إذا ما كانت القضية إسلامية.
نفس السيناريو تكرر مع الرسوم الكاريكاتيرية الدانماركية التي أهانت النبي صلى الله عليه وسلم، ومع تخرصات بابا الفاتيكان عن الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم، وإن كان بعداً جديداً قد حضر في ردود الفعل وهي ردود الفعل العلمية والفكرية عبر الدراسات والمحاضرات والمقالات التي ملأت الصحافة ووسائل الإعلام، وخرجت أيضاً من دور النشر.
والجدير بالتوقف قليلاً هنا هو النظر إلى أن قضية احتضان الغرب لسلمان رشدي وكل من على شاكلته بدرجات متفاوتة على الصعيد الفكري لا يمكن أن ينظر إليها بمعزل عن المشروع الغربي الاستعماري الشامل المتربص بالإسلام والمسلمين كعدو أول، فاحتضان سلمان وغيره لا ينفصل عن الحملة الإعلامية والفكرية والسياسية الحامية الوطيس في الغرب ضد الإسلام، واحتضان سلمان ومن على شاكلته لا ينفصل عن احتضان ساسة ومفكرين من بلادنا ضمن مشاريع التسويق السياسي أو التأهيل للديمقراطية للقيام بدور سياسي محدد مرتبط بالمصالح الغربية تحت شعار تشجيع الديمقراطية وخلافه.
واحتضان سلمان ومن على شاكلته لا ينفصل عن المخططات الغربية لصناعة طبقة سياسية واقتصادية تتحكم في مقاليد الحكم بالبلاد الإسلامية أو تمثل رقماً صعباً في مجتمعاتنا، وتخدم على السياسات والتوجهات الغربية ضد التوجه الإسلامي، واحتضان سلمان ومن على شاكلته لا ينفصل عن احتضان دحلان وتياره داخل الأراضي الفلسطينية لأهداف محددة ولأغراض معروفة، ومن ينظر حوله سيجد «دحلانات» كثيرة.
إذًا هو مشروع استعماري غربي مشبع بروح الحروب الصليبية، وله أهدافه المعلنة، وهو يتحرك في العلن دون إخفاء شيء، والمعالجة المثلى لهذا المشروع هي الالتفاف حول المشروع الإسلامي الفكري والحضاري والمقاوم، وهو قادر على الصمود بإذن الله، وقد حقق في هذا المجال إنجازات كثيرة في الثلث الأخير من القرن الماضي، رغم الضربات الموجهة إليه من كل «دحلان» في الداخل ومن كل سلمان، في الخارج.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل