العنوان »فاينانشيال تايمز»: «جورج بوش» عجل بسقوط الإمبريالية.. الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الإمبراطورية
الكاتب جمال خطاب
تاريخ النشر السبت 06-نوفمبر-2010
مشاهدات 56
نشر في العدد 1926
نشر في الصفحة 30
السبت 06-نوفمبر-2010
(*)
مؤرخ و كاتب بوسني مختص في العلاقات الدولية، يقيم حاليا في الولايات
المتحدة.
المصدر: antiwar.com
·
المشكلة الهيكلية
التي تواجه الإمبراطورية لا يمكن حلها بمسكنات أو وعود بالإصلاح والتغيير.
·
أمريكا سخرت عمليًا
من كل ما ادعت فيه البطولة لنفسها.. مثل حقوق الإنسان
والديمقراطية وسيادة القانون!
·
لمواجهة شبح
الهزيمة الطويلة الثقيلة لجأت الإمبراطورية إلى نوع من التبجح في إدارة أزماتها!
·
المقاومة كسبت
الحرب في العراق لكن واشنطن تتناسى ذلك وتركز حملة علاقاتها العامة على أفغانستان!
قد يكون ربيع عام ۲۰۰۳م هو ذروة
الإمبراطورية الأمريكية، ففي العام التالي مباشرة، حدث الفشل الذريع في غزو العراق
والذي يصفه الليبرالي الجديد «مايكل ليند» على صفحات صحيفة فاينانشيال تايمز
البريطانية، بعد أن يقرر بأن «جورج بوش» الصغير عجّل بسقوط الإمبريالية قائلًا: إن «الليبرالية الجديدة -مثل المحافظين الجدد- اعتمدت على سحر
القوة الأمريكية ولكن بدون استخدام القوات الأمريكية للأمم المتحدة أو حلف شمال الأطلسي
(ناتو) في المساعدة، وتبرير التدخلات الأمريكية،
فإن الاستراتيجية الطموحة لنشر الليبرالية الجديدة من خلال القوة الأمريكية كان
سيصبح مستحيلًا»..
ولمواجهة شبح الهزيمة الطويلة الثقيلة،
لجأت الإمبراطورية إلى نوع من التبجح في إدارة أزماتها.. فـــ «المقاومة» يفترض أنها قد كسبت الحرب في العراق، لكن
الإدارة الأمريكية تتناسى ذلك، وتركز حملة علاقاتها العامة على أفغانستان.
مضى زمن الأساطير
وقد كان حكام الإمبراطورية مقتنعين بأنهم
قادرون على التعامل مع الخسارة الأخلاقية بـ «أسطورة السلطة» (كما سماها البروفيسور مايكل فالهوس، أستاذ
الاستراتيجية في كلية الحرب البحرية في الولايات المتحدة الأمريكية)، لأن هذه
الأمور كانت مرتبطة بالإحساس بالقوة، ولكن
الإمبراطورية -على أي حال- قد أهدرت المال في نهاية المطاف، وأصبحت
على شفا الإفلاس!
فقد انفجرت فقاعة الرهن العقاري وانهارت
في عام ۲۰۰۸م، والأزمة المالية التي تلت ذلك الانهيار ما هي إلا بداية كساد هائل.. وحتى الإعلاميون الإمبرياليون الذين كرسوا
أنفسهم للدعاية للإمبراطورية -من أمثال «توماس فريدمان» في صحيفة «نيويورك تايمز» - يدقون نواقيس وفاة الإمبراطورية.
فقد كتب «إنجلهارت» مؤخرًا مقالًا قال فيه إن الولايات
المتحدة إمبراطورية في انحدار، فنحن نتحدث عن بطالة رهيبة لم يسبق لها مثيل في أي
مكان، ولا في أي اقتصاد في العالم، بلا أي أمل ولا أي مؤشر العودة أمريكا إلى سابق
عهدها في مجال توفير الأعمال المناسبة.. وحتى لو عاد زمان الأعمال الجيدة للإمبراطورية
-عاجلًا أو أجلًا- فأمامنا مشكلات أخرى كثيرة، من بينها مشكلات الشيخوخة، والبنية التحتية
المنهارة بجسورها المتداعية، وأنابيب الغاز المنفجرة.. هذه البنية التي لن تنفع معها جراحات
التجميل».
وبغض النظر عن الوجه الشجاع الذي يحاول
إمبراطورها «باراك أوباما» وجنرالاته أن يظهروا به، فإن المشكلة
الهيكلية التي تواجه الإمبراطورية لا يمكن حلها من خلال مسكنات أو وعود وآمال
بالإصلاح والتغيير.
ومضى عهد الهيمنة
ولن نفترض أن المناصرين والمدافعين عن
الإمبراطورية سوف يستسلمون، لكنهم سيعتبرون المرحلة الحالية مرحلة عابرة، وسوف
يصدعوننا بهذه الدعاية المضللة الممجوجة.. وسيقولون:
أما زال العالم يسعى إلى «الأمركة» أو تحقيق الحلم الأمريكي؟
وأليست أمريكا إمبراطورية خيّرة تحمي حقوق
الإنسان وتعاقب الأشرار وتنمي وتعزز الديمقراطية؟
وألا يحتاج العالم إلى قوة عظمى تجبر
الجميع على الالتزام؟
كلا بالطبع.. فكلما زادت وطأة الإمبريالية الأمريكية
زادت حدة المقاومة، وهذا هو فقط المنطق المعقول.. والذين يحلمون باستمرار الهيمنة الأمريكية
هم زبائن وعملاء الإمبريالية الذين يخشون أن يأتي اليوم الذي يحاسبون فيه على ما اقترفت
أيديهم وينكشفون أمام العالم ويضطرون للدفاع بأنفسهم عن أنفسهم!
وأمريكا لم تكن يومًا خيرة، وليست
إمبراطورية مطبوعة على حب الخير، لأن هذا شيء غير موجود وغير معقول عمليًا، ولا
حتى على المستوى النظري..
وقد سخرت أمريكا عمليًا من كل شيء ادعت فيه البطولة لنفسها، ابتداء بحقوق
الإنسان، وانتهاًء بالقانون، مرورًا بالديمقراطية.
هل يحتاج العالم فعلا إلى قوة عظمى تجبر
الجميع على الالتزام؟ ولنأت لمناقشة الاعتقاد الثالث الذي يمكن أن يؤدي
إلى معظم المصاعب، يقول «إنجلهارت»: لقد بالغنا كثيرًا في فكرة أن الولايات
المتحدة يجب أو يتحتم عليها أن تكون القوة الأبرز على ظهر الكوكب، والقوة المهيمنة
على العالم.. وقد أقنعنا أنفسنا
بأننا -لا نحن ولا العالم- يمكن أن نعيش بدون قوة مهيمنة.
والواقع أن تصور العالم بدون أمريكا سيصبح
في حالة من الفوضى والحروب ينتجه بالتأكيد خيال ذو خلفية منتمية الأفلام الرعب
بالتقنية الأسترالية غير القابلة للتصديق، فهل يمكن أن يحدث ذلك في الواقع؟!
إن وقائع التاريخ لا ترجح ذلك، فأغلب
مراحل التاريخ مرت بدون وجود قوة عالمية واحدة مهيمنة.. وبالرغم من ذلك، فإن ظاهرة الإمبريالية العالمية
المهيمنة في أواخر القرن التاسع عشر كانت نتيجتها المباشرة حمامات من الدم لم يسبق
له مثيل في القرن العشرين.
والخوف من أن تصبح روسيا أو الصين الإمبراطورية العالمية المنتظرة، أو «القوة المهيمنة» التي تخلف أمريكا، هو خوف لا مبرر له.. فلا يوجد في تاريخ الصين ولا في ثقافتها
ما يوحي بأنها تسعى إلى الهيمنة على العالم، وكذلك لا تسعى روسيا إلى السيطرة على
العالم أو البحث عن هيمنة أو تأثير عالمي.
فقد كان الاتحاد السوفييتي (سابقاً) هو الذي يسعى إلى ذلك الدور، انطلاقا من النظرية الشيوعية.. ولقد زالت الشيوعية، وزالت بزوالها تلك
الأطماع بسبب سقوط مفهومها الأممي الذي تعامل مع البشر وكأنهم أشياء مادية جامدة،
وقد عرف الروس والصينيون أخطار محاولة الهيمنة، والعاقل لا يُلدغ من جحر واحد
مرتين.
وهناك سبب آخر لعدم وجود إمكانية لظهور
قوة مهيمنة جديدة في الأفق، وهو أن
الإمبراطورية الأمريكية ذاتها فشلت في إدارة العالم.
فإذا كانت الولايات المتحدة -أغنى الإمبراطوريات عبر العصور على مدار
التاريخ المعلوم، وصاحبة القوة التي لم يغلبها أحد في مواجهة مباشرة- فشلت في الهيمنة على العالم، فإن أي
محاولة أخرى ستكون محاولة عقيمة، لأن الاستبداد تجارة فاسدة والبشرية دائمًا تقاوم
السيطرة المركزية.
لقد تم تأسيس الولايات المتحدة على شكل
وأسس جمهورية روما القديمة، ومثلما حدث لـ «روما» استسلمت أمريكا لإغراءات الاستعمار
والإمبريالية والتاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة، فقد تصحح الولايات المتحدة مسارها،
وقد تتحول إلى طريق أخرى حتى لا يصيبها ما أصاب الرومان القدماء.