; «فتح» النار مازالت تحت الرماد | مجلة المجتمع

العنوان «فتح» النار مازالت تحت الرماد

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الجمعة 20-أغسطس-2004

مشاهدات 61

نشر في العدد 1614

نشر في الصفحة 17

الجمعة 20-أغسطس-2004

       لا أميل إلى الرأي القائل بانتهاء العاصفة التي ضربت «السلطة» الفلسطينية، ومن ثم فشل مؤامرة إطاحة عرفات فالمكونات الطبيعية لهبوب عواصف أخرى مازالت موجودة، كما أن نار الخلافات والصراعات مازالت تحت الرماد، وبمعنى آخر فحالة الفساد والإفساد الضاربة في جنبات السلطة مازالت مزمنة ولم يتم علاجها لسبب بسيط، هو أن الطبيب المطالب بالعلاج هو نفسه المريض، بل ربما يكون أكثر المرضى بؤسًا. وعلى الجانب الآخر فالثائرون أو المطالبون بالإصلاح -كما يطلق عليهم- لم يتغير موقفهم ومازالوا على ثورتهم وربما يعيدون الكرة مرات أخرى، لكني أزعم أن التوقف عند ما جرى بين قادة السلطة (فتح) على اعتبار أنه صراع بين جناح حاكم فاسد وجناح إصلاحي ثائر هو تبسيط محل للمشهد، ولا يعدو أن يكوم مسًا خفيفًا للحقيقة دون تجلية كامل تفاصيلها، ومن البدهي أن نقرر أن فساد السلطة يزكم الأنوف كما أن جبروت القيادات الأمنية فيها يرسم صورة مزرية ومقززة للسلطة ذاتها، وهذا أمر مشهور ويعلمه القاصي والداني منذ سنوات، كما نقرر أن تعامل عرفات مع هذا الفساد والجبروت لم يختلف عن تعامل الحكومات والأنظمة الدكتاتورية في بلادنا العربية، وهو المكافأة بدلًا من المحاكمة، والتثبيت والترقية بدلًا من الإزاحة والعقاب، وكنا نتمنى أن يختلف موقف عرفات عن مواقف الحكومات والأنظمة هذه؛ لأنه ببساطة لم يملك دولة بعد، ولا يملك سيادة حتى على الكرسي الذي يهتز من تحته، فكيف إذا امتلكت السلطة دولة وسيادة؟ ماذا ستفعل بالناس إذًا؟! وعلى الجهة المقابلة نقرر -أيضًا- أن تيار المعارضة الذي فجر أحداث العنف فيه مخلصون شرفاء يسعون بحق إلى الإصلاح، ويريدونها سلطة نظيفة تكون عنوانًا ناصعًا لمرحلة الكفاح من أجل تحرير الوطن، لكن المتحكم في هذا التيار، ويملك مفاتيحه هم أشد خطرًا من المفسدين، وليس خافيًا أن العقيد محمد دحلان بدا على مسرح هذه الأحداث كقائد يسهم بنصيب وافر في تحريك العنف والثورة على السلطة أو على عرفات، وليس خافيًا أن دحلان هذا يملك جيشًا كبيرًا يتعدى العشرة آلآف مقاتل يغدق عليهم أموالًا طائلة، وليس خافيًا أيضًا أن دحلان يشكل مع محمود عباس (أبو مازن) أخطر محور في السلطة، وفي فتح يمكن -إن قدر له الإمساك بالقرار الفلسطيني- أن يصفي القضية الفلسطينية في وقت قياسي لصالح المشروع الصهيوني.

       ومحور دحلان أبو مازن هذا صناعة صهيونية قلبًا وقالبا، ويقوم على هندسة حركته الطرف الصهيوني بدعم أمريكي منقطع النظير، وبما يجعله يلعب بكل الأوراق الممكنة لصالحه، ورقة فساد قيادات السلطة، ورقة الغضب الشعبي في الشارع الفلسطيني من ممارسات القيادات الأمنية النرجسية، ورقة الضغط الدولي لإزاحة عرفات، ورقة الخوف الدولي وبعض الخوف العربي من سيطرة حركات المقاومة على الساحة الفلسطينية، كل هذه الأوراق يجري التلاعب بها ومحاولة استثمارها للتمكين لهذا المحور عبر النفس الطويل، إنها أشبه بحرب الاستنزاف مع تيار عرفات والتي من المحتم أن ينتصر فيها الأطول نفسًا، والأصلب عودًا سياسيًا وأمنيًا، ومن هنا فإن ما جرى -وإن كان قد هدأ- لا يعدو أن يكون بروفة شبه نهائية أو هو أشبه بضربة استنزافية لمعسكر عرفات ستعقبها -لا شك- ضربات أخرى بشعارات أخرى وبمبررات مختلفة، وستكون نتيجتها مزيدًا من التمكين لمحور دحلان أبو مازن، وربما يكون من التسطيح للأمور الظن بأن المطلوب العاجل هو إزاحة عرفات وتنصيب دحلان بمحوره فيسلم مفاتيح القضية للصهاينة، وإنما الذي يبدو أن المطلوب هو إحداث فوضى عارمة على صعيد السلطة تقوض بنيانها، وتأتي على أركانها حتى يجد قادة السلطة (عرفات وتياره) في الشارع بلا سلطة أو مقر أو إسناد عربي، وفي ظل هذه الفوضى، تتقدم أطراف بدفع أمريكي لإعادة رسم المواقع وإعادة تأهيل السلطة بواقع وشكل جديد تكون فيه الكلمة -أو على الأقل- الكلمة الأولى لمحور دحلان، لكن هل يمكن أن يمر هذا السيناريو بسهولة على الشعب الفلسطيني وعلى تيار المقاومة الكبير الذي أصبح يشكل مع الشعب المقاوم جدارًا صلبًا وعريضًا ومتجذرًا في الأرض والساحة الفلسطينية؟ إن الذين يخططون لصهينة وأمركة السلطة الفلسطينية لم يدرسوا جيدًا شخصية الفتى والمرأة والشيخ، بل والطفل الفلسطيني الذي فرض عليه الاحتلال أن يعيش تمرينًا يوميًا في المقاومة والقتال، يبدأ من الصباح وينتهي عند صباح اليوم التالي، وهكذا السنوات، هل يمكن لهذا النوع من البشر أن تطوعه سلطة عميلة، أو يحتويه محور متصهين، أو يغريه بالتنازل عن إقامة دولة أي ترغيب أو ترهيب؟! هذا على صعيد المواطن العادي فكيف بتيار المقاومة الذي نضج في كل الميادين؟ لا خوف إذا على القضية، ولا خوف على فلسطين بإذن الله.

الرابط المختصر :