; «فتح»... من التساكن إلى التصارع | مجلة المجتمع

العنوان «فتح»... من التساكن إلى التصارع

الكاتب إبراهيم أبو الهيجا

تاريخ النشر السبت 06-مارس-2004

مشاهدات 60

نشر في العدد 1591

نشر في الصفحة 19

السبت 06-مارس-2004

لا يمكن أن تكون الأزمة في حركة فتح مجرد حدث عادي فلسطيني، لأن الحركة ليست مجرد فصيل تاريخي على الساحة الفلسطينية بل إنها القابضة على زمام القرار بالسلطة الفلسطينية، ولذا فالبحث في أزمة فتح الداخلية مهم في ضوء أن انعكاساتها لا تقف عند المناكفات الداخلية بل تتعداها إلى فرز جديد في الساحة الفلسطينية، وبالتالي كمؤثر على القضية الفلسطينية برمتها... 

محطات وأزمات

أولًا: حقبة النشوء والثورة ١٩٦٥-۱۹۹۳

لقد مكنت الدعوة إلى الكفاح المسلح لتحرير فلسطين حركة فتح سنة ١٩٦٥ من سرعة الانتشار وقوة الحضور، وتبدى الفعل العسكري كبديل واقعي وعملي أكثر استقطابًا من الجدل الفكري ولكن الغياب التهديفي لدى الحركة أفرز أزمات متوالية داخلية سنة ۱۹۷۲ بعد تبني الحركة «للدولة الفلسطينية العلمانية»، وسنة ١٩٧٤ بعد تبني «البرنامج المرحلي لتحرير فلسطين»، تلاه انشقاق في سنة ۱۹۸۳ بعد «القبول بقرارات مجلس الأمن المعترفة بإسرائيل»

ثانيًا: حقبة السلطة والثروة «أوسلو»۲۰۰۱ - ۱۹۹۳

امتازت هذه الحقبة بثلاث أزمات:

أ- تمركز الصلاحيات بيد مؤسسة الرئاسة كنتيجة للقوة الدستورية والتنظيمية القائمة على الشرعية التاريخية التي يتمتع بها ياسر عرفات.

 ب- ازدواجية الصلاحيات وتضارب القرارات بين أجسام ومؤسسات «منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وحركة فتح» مما خلق تشابكًا ثلاثي الأبعاد.

ج- انتقال حركة فتح من الثورية إلى السلطوية أحدث أضرارًا في فهم فتح لذاتها وفهم الشعب الفلسطيني لها...

أفرز كل ذلك أزمة قيادة فلسطينية دائمة الاضطراب، لا يضبط قرارها عمل مؤسسي، بل هي أقرب لمحاكاة نفوذ وإرضاء شخوص ومراكز قوى يلعبها ويمسك خيوطها الرئيس ياسر عرفات رئيس حركة فتح والمنظمة وكذلك السلطة.

 ثالثًا: حقبة توارث السلطة والثروة «ما بعد أوسلو» ٢٠٠١

عجل في بروزها عدة معطيات:

 أولًا: احتمالية تغييب أو غياب عرفات بفعل عامل السن والصحة أو الاستجابة للضغوط الأمريكية والصهيونية لتغيير القيادة الفلسطينية، ولاشك أن إبقاء عرفات محاصرًا ومعزولًا يفتح شهية الكثيرين لوراثته بين متقرب من الأمريكان طامع بالدعم وآخر متين لنهج المقاومة مدركًا أنه السبيل الوحيد لحماية فتح من التشظي.

 ثانيًا: تآكل السلطة، إما نتاج العجز المالي أو في حال فرض حلول أحادية صهيونية أو في حال التورط باتفاقات أمنية جديدة تجعلها في مواجهة مع حركات المقاومة.

ثالثًا: فقدان اليسار الصهيوني للحلول الدنيا التي تلامس ما راهنت حركة فتح على تحصيله ولعل وثيقة «جنيف» تؤكد أن الحلول الممكنة إسرائيليًا مستحيلة التطبيق فلسطينيًا، وهذا يحصر حركة فتح في خيار إما التساوق التام مع المطالب الصهيونية للحفاظ على امتيازاتها أو الانخراط الكلي في فاعليات المقاومة.

رابعًا: تصاعد قوة حركة حماس ورغم صحة مؤشرات ذلك وأسبابه الموضوعية إلا أنه يستخدم الآن لتخويف السلطة لتسريع التغيير داخل حركة فتح لصالح التساوق التام مع مشاريع الإجماع الصهيوني.

اللاعبون في الداخل

أولًا: قوة ياسر عرفات:

مازال عرفات يتمتع بقوة شعبية ومكانة تاريخية عززتها الضغوط الصهيونية والأمريكية عليه، رغم أنها أضرت بمصداقيته الدولية وأفقدته السيطرة جزئيًا على أدواته الأمنية والمالية، وهو رغم جراحه إلا أنه مازال المسيطر والأقوى في لعبة التصارع التي تستهدف أساسًا صلاحياته وزعامته وسيسعى مستقبلًا لتأكيد قبضته من خلال عدة إجراءات تتعلق بهيبة السلطة واحترام قراراته، رغم اضطراره مستقبلًا لإجراء إصلاحات تنظيم حركة فتح ولو شكلية.

 ثانيًا: قوة محمد دحلان:

يعتمد العقيد محمد دحلان المناكف المعسكر الرئيس عرفات على علاقات دولية وقدرة مالية وسيطرة على جهاز الأمن الوقائي في غزة والمؤشرات الإعلامية تحمله الكثير من الأحداث المتركزة في قطاع غزة أمثلة «المظاهرات المنددة ببعض أعضاء اللجنة المركزية بيان الاستقالة الوهمي، الاعتداء على مقرات الشرطة والاستخبارات»، لكن «دحلان» الذي تشيع الدوائر الصهيونية الثقة بقدرته على تسلم غزة بعد رحيل قواتها، تحوم الشكوك حول قدرته الكلية لعدة أسباب منها:

1- الدعم الأمريكي والإسرائيلي يضر به بدل أن ينفعه لدى الشارع الفلسطيني، بل إن هذا الدعم لا يمكن الاعتماد عليه جديًا.

 2- قوة «دحلان» محددة في جغرافيا محدودة من قطاع غزة، ومرهونة بقدرته على تلبية مطالب اقتصادية واجتماعية، لا يقوى عليها.

3- القوى الإسلامية والوطنية الأخرى لن تناصره وستقف ضده -ولو شعبيًا - إذا ما تبين أن سيطرته تعني وقف مقاومتها وقمعها.

4- دحلان لاعب مهم، ولكن المتنافسين ضده كثر في غزة، أما في الضفة فإن قوته أضعف واللاعبون أكثر وربما أهم.

ثالثًا- قوة كتائب شهداء الأقصى:

 تتمتع هذه القوة بوزن معنوي وشرعي أقوى من الأجهزة الأمنية كونها تقاوم الاحتلال من جهة وكون شبابها من الثائرين على النهج التقليدي في حركة فتح، ولكن هذه القوة تعاني من إشكالات تحول دون تمتعها بقوة ضاغطة بسبب تعدد مجموعاتها وضعف تمويلها وعدم اتفاق السلطة مع كل عملياتها، ونجاح السلطة في السيطرة على بعض فاعلياتها بما ينسجم مع الموقف السياسي والقبول الدولي وعليه فإن هذه القوة تحظى بالقوة المعنوية دون شك إلا أن أداءها مرتبط بالمقاومة وهي رغم تشتتها ترصد كقوة لصالح مؤسسة الرئاسة، وفي حالة غياب عرفات، فإن هذه القوة سيحاول كل طرف استمالتها لصالحه ليؤكد وطنية أهدافه، ونظرًا لتشتت هذه القوة فإن جزءًا لا بأس به منها سينخرط في لعبة التصارع وجزءًا آخر سيحاول إنهاء التصارع الداخلي من خلال عمليات نوعية ضد الاحتلال.

رابعًا: قوة تنظيم حركة «فتح»

تعاني هذه القوة من تماهي قرارها مع السلطة وارتباط رجالاتها بمؤسساتها، بالإضافة إلى غياب رموزها بفعل السجون، ولذا فقدت هذه المؤسسة الكثير من قدرة تأثيرها، ورغم الأصوات الكثيرة المنادية فيها بالتغيير وضرورة تفعيل مؤسساتها إلا أن أصواتها موزعة بين طامع بالسلطة وحريص على الحركة، وحتى الإصلاحات المتوقعة فيها فإنها ستبقى شكلية ولن تصل للحدود الجوهرية مما يرشح توزعها في حال استفحال الأزمة وتأكد غياب عرفات لصالح محاور مختلفة أو انزواء البعض أو التحاق آخرين بركب الحركات الأخرى، ورغم كل ذلك فإن هذه المؤسسة من الممكن أن تكون فاعلة في حالة انخراطها كلياً بالمقاومة ورضاها بقيادة جماعية فلسطينية، أما تمسكها بالسلطة والتسوية وإنصاف المقاومة فسيكون دون شك عامل فتنة دائمًا لها ومرضًا فقط لبعض فنائها.

خامسًا: قوة الأجهزة الأمنية:

تبقى هذه القوة مؤثرة على الرغم من ضرب بناها وتعددها بل وتضاربها، لأنها قوة تضم في جنباتها كوادر حركة فتح الذين يملكون السلاح والمال، ويتعزز ولاء هذه الكوادر لصالح هذه الأجهزة في ضوء الضعف الذي تعاني منه البنية الحركية، وستبقى هذه القوة في حوزة ونفوذ مؤسسة الرئاسة رغم تأكل السيطرة التامة عليها. ولكن في حال استفحال الأزمة وغياب «الرئيس عرفات» فإن هذه القوة ستتوزع بين محاور كثيرة تحاول استمالتها.

فاعلية هذه القوة أكبر في غزة بعكس الضفة نظراً لكون القوات في غزة مازالت منظمة ومسلحة. بينما في الضفة فالظروف مختلفة مع تشتت جغرافيتها وقلة سلاحها والغلبة هناك ستكون للولاء الحركي على الولاء العسكري.

 سادسًا: قوة الجغرافيا والقبيلة:

يؤثر الثقل الجغرافي والوزن العائلي بشكل أكبر على حركة فتح أكثر من غيرها من الحركات الفلسطينية، وهذه القوة رغم أهميتها في التحشيد الشعبي للمؤسسة الحركية إلا أنها ستكون عاملاً مغذيًا للتصارع الفتحاوي الداخلي، بما يبقى التصارع ذاهباً في مطالبه إلى أقصى الحدود.

المؤثرون في الخارج

أولًا: القوى والحركات الفلسطينية المقاومة:

 هذه القوى رغم تناقضها الحاد مع مشروع التسوية، وما تمثله حركة فتح من منافس سياسي فإن مصلحتها تقتضي دون شك الحرص على دفع حركة فتح نحو مشروع المقاومة، وعدم السماح لسقوطها في الاتساق مع التسوية الذي يريده الاحتلال والأهم أن هذا التصارع لن تقف أضراره عند الحدود الحركية، بل إن تشابك العلاقات الاجتماعية في فلسطين، يسمح له بالاتساع والمساس بالجميع.

 ثانيًا: الدور العربي وتحديدًا المصري:

 ساهم الدور المصري في تأكيد بقاء عرفات وهذا أكد فاعلية مصر لدى حركة فتح، ولعل مطالبة مصر «عرفات» قبل أسابيع فقط بإجراء تغييرات في حركة فتح وضبط أكثر للأجهزة الأمنية، يدلل على الخوف المصري من تداعيات التصارع الفتحاوي، ولكن ستكون الخشية الحقيقة أن يكون التحرك المصري تحركه نوازع التنظيم السلس لزعامة بديلة عن عرفات تمارس دورًا أكثر إشكالًا منه في مسار التسوية والدور العربي المطلوب بما فيه المصري هو الحفاظ وحدة الموقف الفلسطيني، لأنه يصب حتماً في المصلحة العربية.

 ثالثًا: الدور الصهيوني الأمريكي:

يعد هذا الدور فاعلًا في إذكاء وتعجيل التصارع الفتحاوي وكل ما يطمح إليه هو الحفاظ على الوضعية الحالية بما يبقى السلطة كعون مدني مع شلل أمني ودون قدرة على قطع العلاقة تمامًا مع لعبة الاحتلال بالتسويات الوهمية، وهى الآن بإذكائها للمناوشات داخل المعسكر الفتحاوي، والتخويف من قوة حماس في غزة تريد تحضير الأرضية للفوضى أو الفتنة الفلسطينية... التي إما أن تبقى متطاحنة على حالها أو يخرج منها زعيم قوي مسيطر يتساوق مع مطالبها ويزين الحلول الأحادية وكأنها إنجازات وطنية، وهنا مكمن الخطر.

 الأفق

لقد أثبتت حركة فتح قدرة على التوحد على قاعدة المقاومة ولاشك أن معاناتها وتفاعل انقساماتها وتجاذباتها بدأت فعليًا بعد اتفاقية أوسلو وسلخها عن واجبها التحريري الجوهري وعودتها لصيغ جديدة من أوسلو سيؤكد انقساماتها نهائيًا، وفي حال غياب أو تغييب عرفات، فإن إشكالية الوراثة ستكون على أشدها ما لم تعمل هذه الحركة على توضيح أهدافها ووسائلها قبل تحديد قيادتها والوارثين لها، وإن لم تفعل ذلك من تلقاء نفسها فإنها حتمًا منقسمة بين مقاومة فاعلة أو تسوية متطرفة في تنازلاتها.

(*) كاتب وباحث فلسطيني 

الرابط المختصر :