; "فروض الكفاية" بين الفقه والسياسة | مجلة المجتمع

العنوان "فروض الكفاية" بين الفقه والسياسة

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2012

مشاهدات 71

نشر في العدد 2023

نشر في الصفحة 66

السبت 13-أكتوبر-2012

نسائم الربيع العربي تدعو بقوة إلى فتح النظرية الفقهية ونظام التفكير الفقهي بشكل عام على قضايا المجتمع وأوجاع الناس في هذه المرحلة التي تستقبل فيها شعوب أمتنا العربية والإسلامية حقبة جديدة في تاريخها وتجتهد لإعادة بناء قوتها على أساس مرجعيتها الإسلامية الحضارية. 

والموضوع الذي أتناوله في هذه السلسلة الجديدة من المقالات هو: علاقة الفرض الكفائي حسب معناه الأصولي، بالمسؤولية الاجتماعية والمشاركة السياسية، حسب معناها المعاصر المتداول. والإجابة التي أبحث عنها هي لسؤال يقول: ما نوع العلاقة التي يمكن أن تنشأ بين "فرض الكفاية|. وهو مصطلح أصولي. و"المسؤولية الاجتماعية" أو "المشاركة السياسية"، وهي مفهوم حديث الظهور في الدراسات الاجتماعية والسياسية؟ وكيف تتحقق هذه العلاقة في الممارسة العملية التي تعيشها مجتمعاتنا الإسلامية وهي في مرحلة تحول من أنظمة الاستبداد والفساد والفشل إلى أنظمة الحرية والإصلاح والنجاح؟ 

ما أثار هذا السؤال في ذهني هو ملاحظة لاحظتها أثناء استقراء الممارسات الاجتماعية للتكاليف الشرعية وتحولاتها التاريخية "لا النظرية" على اختلاف مستوياتها الواجب. المندوب. مباح مكروه حرام".. وهذه الملاحظة هي أن فرض الكفاية قد أخذ في أغلب الحالات شكلا مؤسسيا في التطبيقات العملية، بينما لم يأخذ "فرض العين" هذا الشكل المؤسسي إلا في حالات أقل كثيراً مما أخذ فرض الكفاية. 

لاحظت ذلك في وقائع الانتقال من "الاجتماع السياسي" للدولة السلطانية القديمة، إلى الاجتماع السياسي للدولة الوطنية الحديثة على مدى القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين. 

إن فرض الكفاية هو القسم الثاني من قسمي "الواجب"، حسب اصطلاح الأصوليين، أما القسم الأول فهو "فرض العين".. فالأصوليون يقررون أن الواجب أو الفرض، هو ما طلب الشارع فعله من المكلف "فرداً كان أو أكثر" طلبا حتما لازما ؛ يأثم تاركه، ويثاب فاعله. 

والواجب بهذا المعنى ينقسم إلى قسمين واجب عيني يتعين على كل فرد مكلف أن يقوم به، وواجب كفائي مطلوب أن يقوم به مجموع المكلفين ابتداءً؛ فإذا قام به بعضهم أثيبوا على قيامهم به، وسقط عن الباقين ولم يأثموا لعدم مشاركتهم في القيام به. 

وثمة أمثلة قديمة يتوارثها أغلب الأصوليين والفقهاء على السواء لبيان الفروق بين فروض العين مثل الصلاة المكتوبة، والصوم، وحج الاستطاعة ، وفروض الكفاية مثل: صلاة الجنازة، وغسل الميت وتشميت العاطس، ورد السلام، والإفتاء، وتعلم الحرف والصنائع. 

ومطارح أنظار النظار من الأصوليين والفقهاء في هذا الميدان قد تقاربت حينا، وتباعدت أحيانا، وخاصة في شأن قسمة "الواجب" إلى فرضي: العين والكفاية، وقد تجادلوا طويلا في أيهما أفضل من الآخر، وأيهما أحق وأولى بالتقديم أو التأخير، ومتى يصير فرض الكفاية فرض عين، ومتى يحدث العكس؟ وما سوى ذلك من بحوث دقيقة ومتعمقة، نجد كتب الأصوليين بها مترعة وقراءتها في جميع الأحوال نافعة وممتعة.. ولكنا لسنا بصدد استعراضها هنا ولا شأن لبحثنا بها. 

ما نود التنبيه إليه هو أن الثراء النظري الخاص بالمنهجية الأصولية التي ابتكرها العلماء المسلمون على اختلاف تخصصاتهم. لم يستفد منه علماء الاجتماع والسياسة المعاصرون، ولم يجعلوه مرجعية معرفية لبناء وتطوير منهجية للعلوم الاجتماعية المستحدثة؛ حتى تكون قادرة على الإجابة عن تساؤلات لا تزال غير مطروقة حول الدور الذي أسهمت به الممارسات الاجتماعية للتكاليف الشرعية. وليس التكاليف الشرعية المجردة. في إحداث درجات من التطور الاجتماعي والاقتصادي والتقني والحضاري بشكل عام.

لماذا- مثلا- ارتبطت معظم الفروض الكفائية بممارسات اجتماعية ذات طابع مؤسسي، بينما لم تأخذ معظم الفروض العينية هذا النمط المؤسسي؟ وما علاقة المسؤولية الجماعية التي ولدتها الفروض الكفائية بالمسؤولية الفردية للفروض العينية؟ 

مثل هذه التساؤلات توفر ميدانا فسيحا لتطوير العلوم الاجتماعية من منظور منهجي نابع من المرجعية المعرفية الإسلامية. ونأمل أن تتجه البحوث والدراسات في العلوم الاجتماعية وجهة البنى المؤسسية والممارسات الجماعية والفردية من منظور أصولي شرعي، وهي قيد التطبيق، لا أن تقتصر الدراسات كما هو حادث حاليا على النظر في تلك القضايا بشكل نظري مجرد. 

ما يهمنا هنا هو بيان علاقة "فرض الكفاية" بمفهوم المسؤولية الاجتماعية؛ ليس على مستوى التأصيل النظري فقط، وإنما أيضاً على مستوى الممارسة العملية كما تجلت في التجربة التاريخية لمجتمعاتنا الإسلامية. 

والإجابة التي نقترحها على السؤال الذي أثرناه هي: أن غلبة المؤسسية على الممارسة الاجتماعية للفروض الكفائية هي وثيقة الصلة بمفهوم "المجال العام" وتحولاته في الاجتماع السياسي الإسلامي، وفي القلب منه "المصلحة العامة" التي يجلبها أداء فرض الكفاية للمجتمع أو لجماعة منه، وكذلك بمفهوم المفسدة التي يدرؤها عن المجتمع أو عن جماعة منه". 

وأصل المؤسسية في فرض الكفاية نابع من أن الشارع لم يقصد "أشخاص" القائمين به، بل قصد وقوع الفعل "الكفائي" طلباً لما يترتب عليه من جلب مصلحة أو دفع مفسدة .. مثل هذا الطلب أو المقصد إنما يتحقق بكفاءة وفعالية كلما شارك فيه أكثر من شخص وبطريقة منظمة، ووفق شبكة من العلاقات التي عادة ما تنشأ بين أطراف المصلحة المجلوبة، أو المفسدة المدروءة. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل