; إفريقيا هذه القارة الجائعة! من ينقذها؟ | مجلة المجتمع

العنوان إفريقيا هذه القارة الجائعة! من ينقذها؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1986

مشاهدات 60

نشر في العدد 785

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 30-سبتمبر-1986

  • القارة الإفريقية تحتضر أمام سمع الدنيا وبصرها ولا تجد من يغيثها.
  • إفريقيا غنية بثرواتها لكنها تحتاج إلى رجال مسلحين بالإيمان والعلم وحب الإنتاج.
  • الاستعمار لم يرحل عن إفريقيا إلا بعد أن حطم اقتصادها ونهب ثرواتها التي قامت عليها النهضة الصناعية في أوروبا.
  • منذ سنة كانت أخبار المجاعة في إفريقيا قد احتلت واجهات الصحف الغربية والعربية.. وإذا بالشريط الذي يصور الموت الأسود الذي يصيب الحياة في مختلف أنحاء القارة يتصدر نشرات التلفزيون والتقارير السياسية المختلفة.

    حيث ضرب الجفاف مساحات شاسعة من إفريقيا وانتشرت المجاعة والأمراض مع الجفاف الذي ظل يضرب القارة منذ عدة سنوات وإفريقيا هي قارة المستقبل بالنسبة للمسلمين.

    السودان والجفاف:

    ضرب القحط والجفاف غربي السودان في مناطق كردفان ودارفور بشكل لم تشهده المنطقة من قبل.. وأصبح السودان موزعًا بين لاجئين يتدفقون عبر الحدود من تشاد (40 ألف تشادي) ومن أوغندا بمعدل (75 – 120)‏ لاجئا يوميًا.. ومن إرتيريا ومن إثيوبيا.. وبين شعبه الذي نكبه الجفاف وأصابته المجاعة.

    الجوع وإثيوبيا:

    البلد الذي يمزقه الصراع ويحكمه التجبر والظلم.. فقد تنفست شعوب إثيوبيا وشعب إرتيريا وتيجراي وارومو بعد سقوط أسد يهوذا الأول هيلاسلاسي، ولكن فرحته لم تتم فقد جاء منفستو بجرائم جعلت الناس تذكر محامد هيلاسلاسي!

    ‏ولا يهم حكام إثيوبيا أن تجوع شعوبهم.. بل ‏والمساعدات التي تقدم للجائعين يستخدمونها للحرب.. أو يبيعونها في السوق السوداء.. ففي تيجراي وحدها مات خلال هذا العام 17 ألفًا بسبب الجوع. وفي إرتيريا الأوضاع أسوأ بكثير.. وفي إثيوبيا هناك ستة ملايين يتضورون جوعًا ‏وينتظرون الموت!

    وفي دول الساحل الإفريقي:

    موريتانيا، والرأس الأخضر، غامبيا، النيجر، تشاد، فولتا العليا، السنغال ومالي، هذه الأقطار التي يطلق عليها أقطار الساحل والتي يسكنها أكثر من ثلاثين مليون نسمة أكثرهم من المسلمين.. تعيش اليوم كارثة حقيقية فقد شحت الأمطار وانخفضت نسبتها من 300 مم في السنة إلى أقل من مائة.. وتصحرت الأراضي ففي الخمس عشرة سنة الماضية تحول أكثر من أربعة ملايين هكتار من الأرض الصالحة للزراعة إلى صحراء.. وأثر ذلك على الأنهار فارتفعت ملوحتها، وعلى الحيوانات فهاجرت أو نفقت.

    ‏وفي جنوب القارة:

    في موزمبيق وزيمبابوي وتنزانيا.. الأمر يتفاقم يومًا بعد يوم.. منذ ثلاث سنوات على التوالي.

    الصوماليون والموت:

    فالقضية فيه مزدوجة: قضية الجفاف والمجاعة وقضية هجرة الصوماليين من أوغادين الذين تطحنهم آلة إثيوبيا الحربية.. فيموت من يموت.. وتبتلع رمال الصحراء البقية ولا يصل إلى الصومال إلا كل ذي حظ عظيم.

    هذه هي القصة باختصار.. قصة القارة السوداء التي تحتضر أمام سمع الدنيا وبصرها.. ومما يزيد من آلام المحتضر أنه لا يترك أن يموت بسلام.. بل وتقرع أسماعه فلسفات الغربيين وادعاؤهم الرغبة في المساعدة.. وهذه تشبه إلى حد بعيد ظلمة القبر التي تنتظر المحتضرين.

    هذه هي المجاعة في إفريقيا التي يعتقد البعض أنها بداية القصة.. والحقيقة أنها الفصل الأخير في القصة المأساة.

    في البداية - كان الاستعمار الأوروبي الذي دخل إلي إفريقيا كما دخل غيرها من البلدان فوجدها أرضًا بكرًا غنية، فسال لعابه ولم يقبل أن يعاملها كبقية أرض الله التي نكبت به.. بل وأراد أن يستعبد شعبها رقيقًا يبيعه في أسواق النخاسة في أميركا وأن يستغل أرضها وثرواتها ومعادنها فينهبها نهبًا كاملًا.. ويقطع أوصالها فيربط كل قطعة صغيرة بإحدى عواصمه فأنت اليوم تستطيع أن تسافر من أي عاصمة أوروبية إلى هذه العاصمة الإفريقية أو تلك، ولكنك بصعوبة بالغة تستطيع أن تسافر من عاصمة إفريقية إلى أخرى.. أعطاها استقلالها بعد أن حطمها.. وترك فيها آثارًا وحشية لا تستطيع إفريقيا تجاوزها بعشرات السنين.

    السيد «سلومو برمو» سكرتير عام اللجنة القومية لإنشاء مجتمع التنمية في النيجر يقول: «إن مجتمع النيجر كان يعيش في السابق بكل انسجام وتفاهم بين كل أطرافه، ولكن الاستعمار أدخل الفوضى، وسد أمامه كل أسباب التنمية وعرقل مسيرته خلال ستين سنة.. وأورثنا قوانين وأساليب وأنظمة لا تنسجم معنا ولا مع واقعنا.. لقد أظهر لنا أن الاقتصاد ينبغي أن يكون رأسماليًا أو شيوعيًا.. وبالتجربة أدركنا فشل النظامين».

    إفريقيا غنية بثرواتها:

    إن من يزور إفريقيا ويطلع على أرضها وعلى غاباتها العملاقة وعلى خيراتها الوفيرة وعلى أنهارها المتدفقة وعلى شلالاتها الرائعة وعلى ثرواتها التي لا تنضب وعلى معادنها الاستراتيجية ليعجب كيف تجوع هذه القارة.. كيف تشقى لينعم غيرها بخيراتها.. فإفريقيا تضم في أرضها 90% من احتياطي الكروم في العالم و25% من الإنتاج العالمي من المنجنيز وأكثر من 90%‏ من موارد الكوبالت و30%‏ من إنتاج الفناديوم، وتعد القارة منتجًا رئيسيًا للنحاس والحديد والقصدير.

    وفي ميدان المعادن الاستراتيجية ففيها أكثر من 35%‏ من احتياطي اليورانيوم و25%‏ من الإنتاج العالمي للبريليوم ونحو 80% من التيتانيوم وأكثر من 50%‏ من الذهب و40%‏ من البلاتين و93% ‏من ماس الزينة 98%‏ من الماس الصناعي.. هذا بالإضافة إلى البترول الذي يتدفق من معظم أنحاء القارة.

    إن من يطلع على إفريقيا الأرض الخصبة والأنهار المتدفقة والمعادن الوفيرة ليستغرب كيف لم تقم في هذه البلاد صناعات زراعية ومعدنية تجعلها في المرتبة الأولى من بلدان العالم.. هذه هي جريمة الاستعمار واستكانة الشعوب الإفريقية.

    هذه بعض فصول المأساة في إفريقيا التي تسبب المجاعة بين سكانها فيموتون على دفعات.. تأتي بعد ذلك منظمات التبشير الدولية فتقدم بعض المساعدات التي إن وصلت لم تشبع فكيف إذا سلمت للحكومات ولم تصل!

    إن قضية المجاعة في إفريقيا قضية ذات جوانب متعددة تعتمد على مخاطبة الأصالة في إفريقيا وتحريك القدرات الكامنة فيها والاعتماد على النفس قبل الغير.

    ويمكن أن نقترح بعض الحلول للمنظمات الإسلامية التي ترغب جادة في مساعدة إفريقيا على تجاوز أزمتها.

    اتجاهات لحل المأساة

    1‏- بناء الإنسان:

    قد يصعب الحديث عن الشخصية الإفريقية في ظل المجاعة والموت الأسود الذي يدمر الزرع والضرع، ويقضي على الأخضر واليابس.

    إن بناء المسجد الذي تؤدى فيه الصلوات، وتقام فيه حلقات العلم، ويوعى فيه الشباب، ويفهمون أن المسلم قوي فلا يجوز أن يستسلم للمستعمر أو للموت، وأن المسلم عزيز لا يجوز أن يستسلم للمذلة أو الهوان، وأن المسلم الإفريقي ينبغي أن ينطلق إلى الأرض يزرعها وإلى المياه التي تصب في البحر فيستخدمها وهو سيحتاج في مسيرته هذه إلى المساعدة وعلى الجمعيات الإسلامية والحركات الإسلامية أن تقدمها له عند ذلك سعيًا وراء بناء الشخصية الإسلامية الإفريقية.

    2-‏ إنشاء مراكز للتدريب:

    إن إنشاء مراكز للتدريب في مناطق تحددها الدراسات الميدانية، أمر ضروري لرفع مستوى الأداء.. ولوضع المساعدات في مواضعها والاعتماد على‏ المنظمات الإسلامية العاملة في‏ مختلف البلدان الإفريقية هو الطريق الصحيح في هذا المجال.. ولقد رأيت منظمة راقية في غامبيا تأخذ الأرض الموات من الدولة وتستصلحها وتوزعها على المحتاجين ليأكلوا من ثمرة جهدهم.. وليطوروا أنفسهم ولترتفع رؤوسهم فقد أصبحوا أعضاء منتجين يستطيعون مساعدة الآخرين.. ورأيت مركزًا آخر في مالي يفعل شيئًا قريبًا من ذلك.. إن التصور في أن يحمل الرجل معه بضعة آلاف من الدولارات ليوزعها في بلد سكانه عدة ملايين.. ويشرف بنفسه على عمله.. فقد أرهق نفسه ولم يفعل أكثر من تقديم سندويشة إلى جائع.. لا تقدم ولا تؤخر.

    إن المنظمات الإسلامية النشيطة الصادقة في البلدان الإفريقية تستطيع أن تقوم بهذا الجهد.. قد تخطئ فتتعلم والقضية قضيتها أولًا وأخيرًا.. وما عمل المنظمات الإسلامية الخارجية إلا المحرك والمنشط والمساعد لهذه الفروع.

    في مراكز التدريب هذه.. نعلم المرأة أن تعمل ونعلم الطفل أن يقرأ ونعلم الرجل أن يفلح ونعلم المدرس أن يقضي على الأمية وننشئ لجانًا اجتماعية واقتصادية ووطنية.. بهذه الطريقة فقط نستطيع أن نقيم المساعدات على أساس صحيح غير مرتجل أو متسرع.

    3-‏ محاربة التنصير:

    ‏والتنصير أو ما يطلقون عليه التبشير ينتظر الكارثة تحل بالشعوب فيسرع لاستثمار الكارثة.. فإذا كانت حرب سرق الأطفال لينصرهم..‏ وإذا كانت مجاعة بنى مدرسة أو مستشفى فالتنصير قبل المساعدة، ويسوع قبل الطعام أو الشراب.. الأمر الذي يستدعي من الحركات والجمعيات الخيرية الإسلامية أن تنشئ المدارس والمستشفيات وتأخذ الطلبة النابهين من هؤلاء فترسلهم للجامعات ليواصلوا رسالة العلم والعمل بعيدًا عن التبشير والتنصير الذي لولاه لما نكبت البلدان، ولا وصلت إلى ما وصلت إليه.. وإن الكتاب الإسلامي يجب أن يحظى باهتمامات المسلمين.. فمؤسسات التبشير والتنصير تبسط الكتب وتوزعها مجانًا، والمسلمون لا يكادون يجدون ما يقرأون.. وهل سوى الجهل نصيب أمة لا تقرأ؟ والجهل أساس كل البلايا!

    4-‏ المشاريع الأساسية الحيوية:

    ‏يجب الاهتمام ببعض المشاريع الأساسية الضرورية للحفاظ على الحياة في البلاد المنكوبة مثل:

    ‏- غرس الأشجار في المناطق التي ابتلعتها الرمال.

    - إنشاء حواجز من الكثبان لحماية الأرض الصالحة للزراعة.

    - ‏حفر الآبار للشرب والزراعة.

    - إنشاء السدود على الأنهار للاستفادة من المياه.

    ‏- الاهتمام بالثروة الحيوانية وتنميتها وإيجاد أسواق لتصديرها.

    - ‏التقليل من قلع الأشجار واستخدامها كوقود الأمر الذي يضعف التربة ويصحرها.

الرابط المختصر :