; إفريقيا والأزمات المتكررة .. إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان إفريقيا والأزمات المتكررة .. إلى أين؟

الكاتب محمد البشير أحمد موسى

تاريخ النشر السبت 15-يوليو-2006

مشاهدات 70

نشر في العدد 1710

نشر في الصفحة 34

السبت 15-يوليو-2006

  • معظم الحروب تدور في دول أو مناطق ذات أغلبية مسلمة كالسودان والصومال وتشاد وشرقي الكونغو وفي شمال ساحل العاج 

  • تجار الأسلحة والماس والبترول يؤججون الحروب بدعم غربي لترويج تجارتهم 

  • الدول الغربية هي السبب الرئيس فيما آلت وتؤول إليه الأحوال في القارة

تحت شعار «الاندماج الإقليمي» انعقدت قمة الاتحاد الإفريقي في العاصمة الجامبية أوائل يوليو الجاري، إلا أن النزاعات المتكررة التي تجتاح القارة دائمًا تكون أحد الأسباب التي تحول دون مناقشة القضايا الأساسية التي تعاني منها القارة، فالأزمات المتكررة في إفريقيا ليست محصورة في الأزمات العسكرية أو الحروب، وإنما هناك أزمات صحية وأزمات اقتصادية وبيئية.

ومع أن القارة السوداء تبلغ مساحتها ۳۰.۳ مليون كيلومتر مربع، وتشكل خمس مساحة اليابسة، وتتعدد فيها الأنهار والبحيرات، ويتنوع فيها المناخ والطقس، إلا أنها مع ذلك تعاني من أزمة مجاعة طاحنة، وأزمات الجفاف والتصحر، التي تشكل - مع عوامل أخرى مثل الحروب المتكررة في طول القارة وعرضها - مصدرًا لعدم الاستقرار، وتنتقل هذه الأزمة كل عام إلى جزء من أجزائها،  لذا فإن كثيرًا من دول القارة تعتبر الأكثر فقرًا والأكثر فسادًا في العالم، حيث يعيش معظم سكان القارة - والذي يقدر بـ (۷۲۰) مليونًا - على خط الفقر أو دونه، وإن الملايين من أبنائها مهددون بالموت جوعًا في عدد من بلدانها بسبب تلك الحروب والأزمات الأخرى!

الأزمات الإفريقية: منذ مؤتمر برلين١٨٨٤ - ۱۸۸۵م الذي احتفل فيه الغربيون بالقضاء نهائيًا على الحضارة والرفاهية التي يعيشها المسلمون عامة وسكان القارة على وجه الخصوص بدا الدور الغربي واضحًا في تأجيج الأزمات، فمنذ أن دخل الإسلام القارة الإفريقية عاش أهلها في أمن وأمان، شهدت دول القارة وممالكها أزهى تواريخ حضارتها ونهضتها الاقتصادية والفكرية العلمية إبان القرن التاسع الميلادي إلى أواخر قرن الثامن عشر.

خلال هذه المدة تكونت دول وممالك أفريقية تفوق الدول الغربية في نهضتها الاقتصادية والعسكرية والعلمية، التي كانت تعاني في تلك الحقبة أسوأ فترات تاريخها لحد ملامحها ما كانت تعانيه من حروب أهلية الماحنة فيما بينها.

وفي هذا الصدد يقول الباحث إبراهيم طرخان في كتابه «إمبراطورية برنو الإسلامية» عند حديثه عن مملكة كانم الإسلامية في وسط إفريقيا: إن الأسلحة والتجهيزات العسكرية التي كان يتميز بها جنود المملكة في تلك الفترة لم تكن توجد حتى لدى الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب منها الشمس!

هذه الحضارة الزاهية في ممالك مثل مالي وسنار وكانم وغيرها، كانت غائبة عن معظم الأوروبيين، ولم تصلهم معلومات دقيقة عن القارة إلا عبر كتابات المؤرخين المسلمين، على رأسهم الإدريسي الذي ألف كتابه «نزهة الشتاق» عام ١١٥٤م، وترجم إلى اللاتينية في عام ١٦١٩م في عهد ملك صقلية « روجر». 

هذا بالإضافة إلى كتابات المسعودي والحسن بن الوزان «ليو الإفريقي»، وغيرهم، وبناء على هذه المعلومات بدأت حركة الاكتشاف واستعمار واستغلال القارة الإفريقية في مؤتمرهم أعلاه، حيث اعتبرت القارة الإفريقية أرض المستقبل بالنسبة لهم بعد تلك الحروب الشرسة التي دارت رحاها فيما بينهم، وتم تحويل تلك الممالك الحديثة في القارة إلى دويلات صغيرة، كل دويلة تتبع إحدى الدول الغربية، وتم كذلك - بعد الاستعمار والاستعباد واستغلال الخيرات - تزوير تاريخ إفريقيا، ونقلت آلاف المخطوطات القيمة إلى متاحفهم في برلين وباريس وغيرهما.

يقول الباحث فيليب كارتن: إن الصورة التي طبعت في أذهان الأوروبيين عن إفريقيا وسكانها بدأت تتبلور منذ الرحلة الأولى التي قام بها الرجل الأبيض إلى شواطئ غرب إفريقيا، وكان ذلك في القرن الخامس عشر، وترسبت هذه الصورة بشكل ثابت عندما بدأت تجارة الرقيق في القرن السابع عشر، فقد تبع ذلك استغلال فكري وعقائدي واقتصادي مارسه الرجل الأبيض على مر السنين وحتى اليوم بدون انقطاع!

م

الدولة

تاريخ الحرب

بعض الأسباب الرئيسة

أعداد القتلى

1

الجزائر

1954-1962-1992

الصراعات الداخلية على الحكم، البترول والغاز، ومصالح القوى الخارجية

٧٠٠٠٠

2

السودان

1983

البترول، اليورانيوم، مصالح دولية

١٨٠٠٠٠٠

3

أنجولا

1975-2002

ألماس، البترول، والعاج وغيرها من المواد

٥٠٠٠٠٠

4

الكونغو برازفيل

1993-2000

البترول، الماس، مصالح دولية

١٠٠٠٠

5

الكونغو الديمقراطية

1993

مصالح القوى الغربية ،الماس ،البترول ،اليورانيوم ،العاج، الذهب، النحاس وغيرها

٢٥٠٠٠٠

6

بوروندى/رواندا

1993

الماس، الذهب ،البترول، مصالح دولية

٢٠٠٠٠٠٠

7

تشاد

1966-1982-1990-2005

الحروب الأهلية والصراع على الحكم، البترول ،اليورانيوم، مصالح خارجية

٦٠٠٠٠٠

8

كاميرون/نيجيريا

1992

البترول

١٠٠٠

9

ليبيريا

1989-1998

تصفية عرقية للمسلمين، الماس، الذهب، المطاط، وغيرها من المعادن

١٧٥٠٠٠

10

ساحل العاج

2002

العاج، البترول، الكاكاو، مصالح دولية

٢٠٠٠٠

11

سيراليون

1989-1999

الماس، الذهب، تصفية للمسلمين من قبل العميل تايلور

٩٠٠٠٠

السياسة الاستعمارية

هذه الدويلات تم تقسيمها عمدًا في مؤتمر «برلين» ووفقًا لقاعدتهم المشهورة «فرق تسد» ففرقوا وسادوا ، وما زالت تعاني القارة من أثر هذا التقسيم العشوائي إلى يومنا هذا! ويدعي البعض أن دول القارة فشلت في الحقبة التي تلت الاستعمار في الستينيات من القرن الماضي في تكوين دولة حديثة على الطراز الغربي، وأن الأفارقة لم يستطيعوا الحفاظ على الدولة التي تركها لهم المستعمر! ولكن الحقيقة أن القارة استعمرت في الستينيات بطريقة مغايرة عما كان عليه الاستعمار في القرن الثامن عشر، بل إن هذه السياسة الاستعمارية تغيرت وأخذت شكلًا آخر من أشكال الاستعمار في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، عبر أطروحات العولمة والديمقراطية والشركات العابرة للقارات، فأصبح أمثال بوب دينار والمخابرات الفرنسية والبريطانية والبلجيكية وغيرها من الجهات الغربية تقيم دولًا وتزيل أخرى، وتشعل حروبًا وتوقف أخرى، وما الحالة الصومالية الأخيرة إلا دليل واحد على ذلك، عندما اجتمع الأوروبيون في الأمم المتحدة لتحديد موقفهم من المحاكم الشرعية دون أخذ رأي الدول الإفريقية أو حتى دول الجوار! فالدول الغربية هي السبب الرئيس فيما آلت وتؤول إليه الأحوال في القارة، فعلى مدار أربعين عامًا شهدت القارة حروبًا متتالية تنتقل من دولة إلى أخرى، والدولة التي لم تعان حروبًا عسكرية عانت حروبًا اقتصادية وأزمات صحية، حيث شهدت القارة منذ عام ١٩٦٦ حتى أواخر القرن الماضي أكثر من ستين حربًا، وشهد عام ١٩٩٦م أكثر من عشرين نزاعًا، شارك فيها أكثر من خمسة عشر بلدًا، تسببت في وفاة أكثر من نصف جميع الوفيات المتعلقة بالحروب على نطاق العالم، حيث شهدت الكونغو وحدها أشرس تلك الحروب، ويمكن أن تصنف ضمن الحروب العالمية، حيث شاركت معظم دول القارة وخارجها في هذه الحرب.

وحاول بعض الرؤساء الغربيين تغيير بعض السياسات بسياسات أخرى للتقليل من حدة معارضة شعوبها وأنها حريصة على استقرار وتقدم القارة الإفريقية، فدعا قادة الدول الثماني الصناعية إلى إسقاط ديونها المستحقة على الدول الأكثر فقرًا في العالم ومنها أربع عشرة دولة إفريقية، ولكن أيضًا تم تكبيلها مرة أخرى بطريقة مغايرة عبر تقديمها ما أسمتها «القروض الميسرة» وذلك في ٦ يونيو ٢٠٠٥م إلا أن هذه الخطوات لم تغير من وضع دول القارة، فما زالت الأسلحة بشتى أنواعها تدخل القارة من الدول الغربية والشرقية، وعلى رأسها أوكرانيا، ويمكن أن تحصل على سلاح في أقل من ساعة في بعض المناطق، ولكن لا يمكن أن تجد ما تسد به رمق الجائع!

ضحايا الحروب

ومن الملاحظ أن معظم الحروب الدائرة في القارة تدور في مناطق الأغلبية المسلمة أو في دول إسلامية كالسودان والصومال وتشاد، وشرقي الكونغو ذات الأغلبية المسلمة، وكذلك في شمالي ساحل العاج ذات الأغلبية المسلمة أيضًا، وأن هذه الحروب كلما أزفت على الانتهاء من خلال الاتفاقيات والمبادرات الإصلاحية ثارت مرة أخرى عبر تجار الأسلحة والألماس والبترول كما في الحالات المذكورة أعلاه.

وكذلك من الملاحظات المهمة أنه كلما اقترب المسلمون في إحدى الدول من السيطرة على مقاليد الحكم أسرع الغرب وحلفاؤه للحيلولة دون ذلك، كما في الأحداث التي جرت في ساحل العاج!

وهكذا انتهت هذه القمة من حيث بدأت، أو كما تنتهي كل القمم ببعض الاحتفالات والمجاملات الدبلوماسية والصور التذكارية، فقضية دارفور ما زالت تراوح مكانها وتم التمديد للقوات الإفريقية إلى نهاية العام فقط كحل نهائي لهذه الأزمة المفتعلة، وكذا الحال لقضايا ساحل العاج، والكونغو، والصومال، والتنمية المستدامة وغيرها لم يصل القادة إلى قرارات أو برامج عمل يمكن أن تغير قليلًا من الصور القائمة للقمم الإفريقية. 

ووسط هذه القضايا الشائكة غاب شعار القمة «الاندماج الإقليمي »، ليحل محلها شعارنا المعتاد «الحروب الإفريقية والأزمات المتكررة» ولكن بإضافة جملة أخرى إليها: إلى أين!

 ويظل الجدول المبين في اطراد إن لم يتدارك عقلاء القوم في القارة الأخطار التي تحدق بهم من كل جانب، وهذا فيض من غيض من الحروب التي شهدتها القارة منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا.

الرابط المختصر :