; إفلاس السياسة الأمريكية في التعامل مع الملف العراقي | مجلة المجتمع

العنوان إفلاس السياسة الأمريكية في التعامل مع الملف العراقي

الكاتب عامر الحسن

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1998

مشاهدات 61

نشر في العدد 1314

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 25-أغسطس-1998

● السياسية الأمريكية الحالية توحي بأن الولايات المتحدة لا تريد حل المشكلة العراقية.. وإنما تريد الهيمنة العسكرية على المنطقة وتبرير بقاء موازنتها العسكرية العالية بعد الحرب الباردة.

يدل اندلاع التوتر بين العراقيين والأمم المتحدة مجددًا، على قدرة صدام على استغلال ثغرات السياسة الأمريكية في المنطقة والمزايدة عليها الصالح بقائه، فعملية التسوية لا تزال متعثرة- حسبما المحلل السياسي الأمريكي ستيفن زلز- بسبب تعنت نتنياهو، وعجز إدارة كلينتون عن الضغط عليه، واستمرارية تسلح إسرائيل نوويًّا، في الوقت الذي تطالب فيه واشنطن الدول العربية بنزع أسلحة الدمار الشامل، ضمن هذا الإطار يجد صدام مساحة واضحة للمناورة تطيل من أمد وجوده، وتزيد معاناة شعبه، وشعوب الدول المجاورة.

وبالإضافة لإفلاس سياسة الإدارة الأمريكية تجاه صدام منذ انتهاء حرب الخليج في 1991م فإن صدام يستفيد أيضًا من تراكمات السياسة الأمريكية السابقة، والتي اتسمت بالسلبية واللامبالاة تجاه ما كان يقوم به، كانت السياسة الأمريكية وقتئذ منشغلة بـ«الخطر الإيراني» على المصالح الأمريكية في الخليج، وسعت في سبيل تحقيق ذلك لدعم العراق، فيما المساعي الأمريكية الحالية تتجه للمصالحة مع إيران- خاتمي.

وعندما قام صدام في مارس 1988م بمذبحة حلبجة وراح ضحية الأسلحة الكيماوية 5000 مدني كردي، لم تكتف إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رياجن بتجاهل الحدث، وإنما نسبت الجريمة لإيران، وعندما كشف مراسل شبكة ABC تشارلز جلاس مطلع 1989م عن مواقع الأسلحة الكيماوية في العراق، نفت الخارجية الأمريكية صحة هذه الحقائق، ومات الموضوع، والطريف- حسبما ملاحظة جلاس- أن الإدارة الأمريكية تتكلم اليوم عن تلك المواقع نفسها التي بثها في برنامجه، ونفت واشنطن صحتها سابقًا.

وكانت لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس قد أعدت في 1988م تقريرًا دللت فيه بالأرقام عن تورط صدام في جرائم إبادة الأكراد، وطرح السناتور كليبرون بل قانون الإبادة للضغط على النظام العراقي، لكن إدارة الرئيس السابق بوش أبطلت مفعول القانون.

وكانت الولايات المتحدة تعلم بأن لدى صدام أسلحة كيماوية، من خلال وثائق وتقارير الأمم المتحدة في 1986م و1978م، والتي أكدتها الاستخبارات الأمريكية والمسؤولون الأمريكيون الذين زاروا اللاجئين الأكراد في تركيا، ولم تكن واشنطن غير مهتمة بتسلح العراق فقط، وإنما ساعدته وباعت له العديد من المعدات العسكرية التي يحتاجها لتطوير أسلحة الدمار الشامل، حيث قامت الشركات الأمريكية في الثمانينيات- بتشجيع من الإدارة الأمريكية- بإمداد صدام بجميع المواد التي يحتاجها لتسلحه النووي والبيولوجي، ومعدات أخرى تصل قيمتها إلى بليون دولار لتطوير صواريخه وأسلحته النووية.

وفي 1994م كشفت إحدى لجان الكونجرس عن أن عددًا من الشركات الأمريكية الحاصلة على تصريحات من وزارة التجارة الأمريكية قامت بشحن كميات من المواد البيولوجية للعراق لاستعمالها في أغراض عسكرية، وأن فرق التفتيش «يونيسكوم» قامت بتدمير بعضها، وتشير تقارير أخرى إلى أن فرق التفتيش كانت تعلم مسبقًا مواقع الأسلحة الكيماوية والبيولوجية في العراق، لا بسبب وجود أقمار صناعية أمريكية للتجسس على المنطقة فحسب، وإنما لأن واشنطن نفسها هي التي كانت تمد العراقيين بالأسلحة.

كانت قوة العراق العسكرية في أواخر الثمانينيات تفوق قوته الحالية، فقد قامت «يونيسكوم» بتدمير 38 ألف سلاح كيماوي، و480 لترًا من المحاليل الكيماوية، و48 صاروخًا، وست طالقات للصواريخ، و30 رأسًا صاروخيًّا لحمل مواد كيماوية وبيولوجية، فيما صرح رئيس بعثة فرق التفتيش في أواخر 1997م بأن «يونيسكوم» تمكنت من الكشف عن 817 من أصل 819 صاروخًا روسيًّا طويل المدى، وتراجعت قدرات القوات العسكرية العراقية إلى ثلث ما كانت عليه قبل حرب الخليج، حيث تقلصت فاعلية القوات الجوية والبحرية.

وقد استطاع صدام الاستفادة من انقسام الآراء في مجلس الأمن حول الطريقة المثلى للتعامل مع الملف العراقي، وبخاصة بين المحور الفرنسي- الروسي- الصيني مقابل المحور الأمريكي- البريطاني، وفيما يرجع محللون فتور المجتمع الدولي من الانجرار للخيار الأمريكي العسكري، إلى رفض الولايات المتحدة دفع ما عليها للأمم المتحدة، ويصل إلى 1.6 بليون دولار، يؤكد آخرون بأنه يعود لفشل واشنطن في التدليل على جدوى الخيار العسكري، وبخاصة أن ضرب العراق لن يضمن تدمير جميع أسلحة الدمار الشامل التي يخفيها في المواقع المدنية.

وفي المنطقة العربية مارست واشنطن ضغوطًا للقبول بالخيار العسكري، لكن الغالبية رفضته لعدم وجود مبرراته، حيث تغيرت مشاعر الشعوب العربية والإسلامية تجاه التداعيات الإنسانية بسبب الحصار، ووصول حزب الليكود الإسرائيلي للسلطة، حيث لم تكتف الإدارة الأمريكية بعجزها عن الضغط على الإسرائيليين لوقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية والقدس، وإنما تتجاهل جهود إسرائيل الواضحة لتسليح نفسها نوويًّا.

ولا زالت الإدارة الأمريكية تسلح إسرائيل، وتقدم لها المعونات العسكرية لتعزيز قدراتها على الاحتلال من دون أدنى تنديد بممارسات الحكومة الإسرائيلية المخالفة لقرارات الأمم المتحدة، وقرارات أوسلو.

أمريكيًّا.. تنامت تيارات الرفض الشعبية لسياسة الإدارة الأمريكية في التعامل مع العراق، وكان أبرزها ما حدث في جامعة أوهايو بمدينة كولومبوس خلال الندوة التي نسقتها شبكة CNN مع الإدارة الأمريكية إبان الأزمة الأخيرة في فبراير الماضي، حيث نشب شغب في القاعة ضد طروحات وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، واضطرت الشبكة الأمريكية إلى وقف بث العديد من الأسئلة المحرجة تجنبًا للمزيد من التأثير السلبي على الرأي العام الأمريكي، واضطرت أولبرايت لتبني خطاب آخر، لا يعتمد في شرعيته على الرأي العام، كما هو الوضع التقليدي في الدول الديمقراطية، وإنما على «المصالح الوطنية للولايات المتحدة» التي تحددها الإدارة الأمريكية فقط.

وكان باعتقاد أمريكا أن الحصار سيستفز العراقيين للثورة على النظام، لكنه على العكس أضعف من فرص المقاومة السياسية والعسكرية.

ويطرح المحلل الأمريكي ستيفن زلز بدائل للسياسة الأمريكية التي «أفلست»- على حد تعبيره- في حل أزمة العراق، مؤكدًا على أن مجرد التهديد الأمريكي «الشعارتي» بإسقاط صدام، وتعليق رفع الحصار برحيله، لا يعطي صدام مبررًا لعدم التعاون من المجتمع الدولي فحسب، وإنما «الشرعية» لتصنيع المزيد من أسلحة الدمار الشامل دفاعًا عن وجوده، ولن يكون لدى صدام ما يخسره إن لم يتعاون مع فرق التفتيش، لأنه يعلم مسبقًا بأن النتيجة ستكون واحدة، وهي عدم رفع الحصار إلا بعد الإطاحة به.

ويقترح زلز على الولايات المتحدة أن تدعم أولًا رفع الحصار تدريجيًّا، متى ما طبق صدام جميع قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بحرب الخليج، مع الإبقاء على الحصار العسكري، وثانيًّا تطالب دولًا مثل إسرائيل تطبيق قرارات الأمم المتحدة أيضًا، لئلا تعطي مبررًا لصدام وغيره بعدم التعاون مع المجتمع الدولي، وثالثًا أن تدعم سياسة شاملة وعادلة لتخليص المنطقة من أسلحة الدمار الشامل، مما يعني بالضرورة أن تكف الولايات المتحدة عن تصدير الكيماوي والبيولوجي للمنطقة عبر طائراتها وسفنها المتواجدة في الخليج، وتضغط على إسرائيل بجدية لتفكيك برنامجها النووي.

ويضيف بأن أمريكا هي الدولة الوحيدة التي ترفض الاعتراف بوجود علاقة عضوية بين قضايا أمن الخليج، وعملية التسوية في المنطقة، ويتوجب على واشنطن الضغط على نتنياهو لتنفيذ بنود أوسلو فيما يتعلق بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية، والتوقف عن بناء المستوطنات في القدس الشرقية، والإعلان عن الدولة الفلسطينية، وأن تفهم بأن تعنت رئيس الحكومة الإسرائيلية يعطي صدام أكثر من مبرر للتمرد على قرارات الأمم المتحدة، وتحقيق مكتسبات شعبية في هذا المضمار، فيما يشير معارضون عراقيون إلى أن صدام كان يرغب في أن تقصف الولايات المتحدة العراق، كي يستطيع إلقاء اللوم عليها لاحقًا في تدمير البلد، محققًا بذلك مكتسبات إضافية.

لذا لم تنساق الإدارة الأمريكية بسرعة هذه المرة لتصعيد موقفها مع النظام العراقي باتجاه العمل العسكري، وإنما تبنت خطابًا آخر يدخل الأمم المتحدة في المعادلة، ويخمن مراقبون أمريكيون بأنه ليس لدي واشنطن حاليًّا نية لخوض حرب مع صدام لأجل فرق التفتيش، ولا سيما أن روسيا لن تصوت في مجلس الأمن على ذلك، لكن الأهم لانشغال الإدارة الأمريكية بأحداث انفجار السفارتين الأمريكيتين في كينيا ومشكلات كلينتون الداخلية.

استمرار الولايات المتحدة في اتباع سياستها الحالية تجاه العراق، والتي أثبتت فشلها، يوحي كما يعتقد البعض بأنها لا تريد إسقاط صدام وحل المشكلة العراقية للأبد، وإنما تريد الهيمنة العسكرية على المنطقة، وتبرير بقاء موازنتها العسكرية العالية بعد الحرب الباردة، فطالما بقي صدام في الحكم، كان لأمريكا مبرر قوي للتواجد عسكريًّا في هذه المنطقة المهمة استراتيجيًّا واقتصاديًّا، سيما مع عدم وجود قطب دولي منافس، كما كان الحال في فترة الحرب الباردة، ويدق بعض المحللين الأمريكيين ناقوس الخطر من نتائج التعويل على هذه السياسة مستقبلًا؛ لأن أمريكا لن تستطيع دعم وجودها هناك للأبد، ولا بد من أن تترك المنطقة عاجلًا أو أجلًا، وبالتالي يتحتم عليها من الآن التفكير في منظومة أمنية جديدة- غير سياسة الاحتواء المزدوج- تستوعب الوضعين العراقي والإيراني، وتحفظ مصالحها في المنطقة.

ويقترح المحلل الأمريكي جراهام فوللر لتحقيق ذلك، أن تشرك أمريكا معها بقية القوى المهمة كالصين والاتحاد الأوروبي في دفع «فاتورة حساب» الدفاع عن أمن الخليج، ولا تتحمل وحدها عبء هذه الأتعاب، فيما يقترح آخرون ضرورة الاعتماد على القوى الإقليمية نفسها- بخاصة دول مجلس التعاون- في الدفاع عن الخليج عبر بناء الثقة المشتركة ومواثيق تعاون عسكرية، وترتيب «البيت الداخلي»، ولن يكون الأمر صعبًا- حسب هؤلاء المحللين- نظرًا لتغير طروحات السياسة الخارجية الإيرانية من تصدير الثورة إلى التعاون مع الخليجيين، وذلك منذ وصول خاتمي للسلطة العام الماضي.

الرابط المختصر :