العنوان إفلاس «اللائكية», في المجتمعات الإسلامية
الكاتب عبدالمجيد التجدادي
تاريخ النشر الجمعة 13-أبريل-2012
مشاهدات 66
نشر في العدد 1997
نشر في الصفحة 42
الجمعة 13-أبريل-2012
تميز تاريخ الفكر وما تولد عنه في العالم الإسلامي خلال القرون القليلة الماضية بميزة أساسية؛ ألا وهي التدافع ما بين قديم أصيل وجديد وافد غريب، وكانت الانطلاقة لذلك التدافع هى: تلك اللحظة التاريخية الرئيسة من تاريخ المنطقة الإسلامية في القرن التاسع عشر، حيث وقف المسلمون على واقع رقي وقوة الغرب مقابل تخلفهم وهوانهم، لقد كانت حملة الأطماع الاستعمارية الغربية بمثابة الرجة القوية التي هزت المنطقة لكي يكتشف أهلها أنهم كانوا - ولقرون عديدة - غارقين في سبات عميق جعلهم يندحرون إلى خلفية ركب الحضارة الإنسانية، وهو ركب أصبحت قيادته قلبًا وقالبًا قيادة أوروبية غربية بامتياز.
بعد حصول دول المنطقة على الاستقلال - أو حتى قبله - بدأت تتبلور الفروق الجوهرية بين دعاة المرجعية الإسلامية ودعاة المرجعية الغربية
القديم الأصيل يتمركز بالأساس حول المرجعية الإسلامية وقد اتخذ له في ظهوره أشكالا وتسميات مختلفة والجديد الوافد الغريب يتمركز حول المرجعية الغربية، وقد اتخذ له هو الآخر أشكالًا وتسميات مختلفة، ومن المفيد الانتباه هنا إلى أن الطرفين معًا كانا في حالة تماه في فترة معينة، بحيث إن الحركات الوطنية التي تبنت المقاومة كانت في رؤوسها وفي خطاباتها تجمع ما بين الطرفين معًا إلى حد يثير الالتباس، وهذا ما قد نمثل له من خلال مفردات خطاب الحركات الوطنية التي تجمع ما بين الجهاد والنضال والوطنية وترويج مقولة «حب الأوطان من الإيمان»، ونسبها إلى النبي والنفخ في مسألة الوطن إلى حد يظن السامع أن الوطنية قرينة الإسلام، وعموما كانت الحركات الوطنية تجمع بين ثناياها بين الشيء ونقيضه فهي في حربها الشرسة للتقاليد البالية والرجعية والتخلف يلتبس عليها الهدف فيصبح المستهدف من تلك الحرب المرجعية الإسلامية، مع العلم أن انطلاقة الحركات الوطنية في مجملها كانت انطلاقة سلفية بامتياز.
الالتباس الذي أشرنا إليه ستنقشع سحابته مباشرة بعد حصول دول المنطقة على الاستقلال «أو حتى قبله»، بحيث إنه بدأت تتبلور وتتجلى الفروق الجوهرية بين دعاة المرجعية الإسلامية ودعاة المرجعية الغربية ويمكننا التمثيل لهذا بانشقاق «المهدي بنبركة» عن حركة «علال الفاسي» في المغرب، وانشقاق «بورقيبة» عن حركة «الثعالبي» في تونس، غير أن الأكيد من خلال تطور الأحداث أن السلطة استقرت بيد دعاة المرجعية الغربية فيما يسمى بالتيار العلماني أو «اللائكي» «أو اللاديني»؛ وسيرت شؤون البلاد والعباد وفق تلك المرجعية بشكل فج من خلال تجربة تركيا «الكمالية» وتونس «البورقيبية»، أو بشكل مـوارب مراوغ من خلال تجارب باقي الدول الأخرى.
توظيف مختلف الأدوات
لقد وظف التيار «اللائكي» زمام السلطة الذي كان بين يديه لكي ينفذ بأفكاره إلى واقع المجتمعات الإسلامية في مختلف مجالات الحياة، وسخر لأجل ذلك النفاذ مختلف الأدوات التي أمكنه التحكم فيها، وكان الإعلام والتعليم والآداب والفنون في مقدمة تلك الأدوات؛ من خلال المذياع والتلفاز والمدارس والأدب والمسرح والسينما, وكان التيار «اللائكي» في عملية التمكين له تلك يعمل على واجهتين؛ الأولى: تتمثل في ضرب المرجعية الإسلامية من خلال الضرب في رموزها بما يشوه سمعتها ويجعلها محل تحقير ورفض، أو على الأقل محل حصار وتهميش؛ والثانية: تتمثل في تطبيع الناس مع السلوكيات التي تتنافى وتلك المرجعية وتؤسس للحياة اللائكية، وقد ساهم في هذا العمل على مدى العقود الماضية جمهور الإعلاميين والمعلمين والأدباء والفنانين.
عقود عمل فيها هؤلاء «من حيث يعلمون أو لا يعلمون» على محاولة بناء المرجعية اللائكية على حساب ما يبدو هدمه من المرجعية الإسلامية.
وظف «التيار اللائكي» السلطة لكي ينفذ بأفكاره إلى واقع المجتمعات الإسلامية في مختلف مجالات الحياة, وسخر لأجل ذلك مختلف الأدوات التي أمكنه التحكم فيها
التيار اللائكي والتيار الإسلامي مولودان شقيقان من رحم معاناة المجتمعات الإسلامية: الاستبداد والجهل والفقر والتخلف والهوان بين الأمم, وننتظر اليوم الذي يتألف فيه الجميع بعد أن يعترف كل طرف بفضل الآخر, قل الفضل أو كثر
لقد أنتجت الصناعة «اللائكية» أفرادًا يعانون من الفصام في تكوين شخصياتهم، بحيث إن حالة الالتباس التي أشرنا إليها تتكرر مرة أخرى في حياة الأفراد؛ فتتضارب مواقفهم ما بين الشيء ونقيضه تمامًا، ويمكن أن نمثل لهذا بأفراد عاديين تراهم يحرصون على ممارسة شعائر دينية معينة ثم هم في نفس الوقت يقترفون نهارًا جهارًا سلوكيات ممنوعة بصريح الدين أو حتى بالشخصيات العامة؛ فالرئيس العراقي «صدام حسين» بمرجعيته القومية «اللائكية» المعروفة يدعي «الجهاد» بعد غزوه للكويت، ويرفع لواء التكبير في العلم العراقي، ويحمل معه القرآن الكريم أثناء محاكماته، ويتكرر مشهد حمل القرآن الكريم مع نجل «حسني مبارك» «جمال» «بتوجهه «اللائكي» وبعدائه للتيار الإسلامي» أثناء محاكمته.
لقد كانت المرجعية الإسلامية أكبر الأهداف العدائية للتيار اللائكي طوال عقود حكمه منذ خروج الاستعمار، غير أنه ورغم كل معاول الهدم التي اشتغل بها، ورغم الإصابات التي أوقعها بقشرة تلك المرجعية فإن اللب بقي سليما معافى إلا في القليل النادر المهمل من الناس وهذا ما تبين بعد تجربة تركيا الكمالية» اللائكية الفجة؛ كيف انقلبت عليه لصالح المرجعية الإسلامية من خلال حزب «العدالة والتنمية»، وبعد تجربة تونس «البورقيبية» و«البنعلية» اللائكية الفجة؛ كيف انقلبت لصالح المرجعية الإسلامية من خلال حركة «النهضة»، ومصر والمغرب والكويت، وكل هذه التجارب وغيرها من التجارب المرتقبة تبين بجلاء إفلاس التجربة اللائكية» بالمجتمعات الإسلامية وأنها مجتمعات لا يمكنها بالمرة أن تجافي الدين وتعاكس مساره، وأن ما قد يطرأ عليها من مثل ما وقع بها في العهد «اللائكي» ليس سوى فترة طارئة سرعان ما تنجلي ويعود الناس إلى مأواهم الآمن الذي لا يثقون ولا يعتقدون بغيره.
لماذا حمل «صدام حسين » و جمال مبارك» المصحف في يديهما أثناء محاكمتهما ؟!
الإسلام هو الحل إن المجتمعات الإسلامية من خلال ما كشف عنه ما يعرف الآن بـ«الربيع العربي» تؤمن وتعتقد اعتقادًا جازما بأن الإسلام هو الحل»؛ وبالتالي، فإن أي توجه يريد إقصاء الدين من حياة الناس مآله الفشل كما فشل هؤلاء السابقون؛ وفي ذلك عبرة لكل حملة لواء «اللائكية» الآن القابضين عليها والعاضين عليها بالنواجد، وهم مدعوون بهذه المناسبة إلى التصالح مع معتقدات المجتمعات الإسلامية والاستسلام لإرادتها وقناعاتها التي لم تستطع عقود الاستبداد تحريفها، فالناس في المجمل يريدون من يسير بهم وفق منهج الإسلام، ويزيح عنهم نيران أحاسيس الذنب التي تلاحقهم إن هم ساروا وفق منهج يعارضه، أو إنهم يريدون بتعبير آخر من يداويهم من ذلك الفصام الذي كانوا يعيشونه ما بين متطلبات دينهم الذي يعتقدونه اعتقادًا راسخًا ومتطلبات واقعهم المفروض عليهم والمجافي لعقيدتهم.
غير أنه وبالمقابل نختم بالقول: إن ذلك التدافع الذي تم ما بين دعاة المرجعية الإسلامية ودعاة المرجعية الغربية كان في المجمل، على الرغم من الشوائب التي شابته، إيجابيا لصالح المرجعية الإسلامية، حيث إنه كان فرصة للتمحيص والمراجعة ولتنقية المرجعية الإسلامية من الكثير مما علق بها من الشوائب الطارئة التي كان يُعتقد إلى عهد قريب أنها من صميم الدين وما هي من الدين في شيء، وبهذا فإن التيار «اللائكي» والتيار الإسلامي إنما هما مولودان شقيقان من رحم معاناة المجتمعات الإسلامية؛ الاستبداد والجهل والفقر والتخلف والهوان بين الأمم, كلها أعداء، مشتركة وننتظر اليوم الذي يتألف فيه الجميع بعد أن يعترف كل طرف بفضل الآخر قل الفضل أو كثر، لكي ننهض ونلتحق بمقدمة الحضارة الإنسانية، وقيادتها من جديد لما فيه خير الإنسانية جميعًا.