; إقامة أجهزة المخابرات على الطريقة المستوردة | مجلة المجتمع

العنوان إقامة أجهزة المخابرات على الطريقة المستوردة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-نوفمبر-1988

مشاهدات 118

نشر في العدد 891

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 15-نوفمبر-1988

● دولة الخلافة المرتقبة ستهدم بإذن الله جميع أجهزة المخابرات التي أقیمت لقهر الأمة والتجسس عليها.

● إقامة أجهزة المخابرات مخالفة للأحكام الشرعية، والحاكم الذي يقيمها يكون ظالمًا للرعية وغاشًّا لها ومضيعًا لمصالحها.

منذ الزمن الاستعماري بُلي المسلمون في بعض البلاد العربية بأجهزة سرية كانت تتعامل مع المستعمر بشأن نقل المعلومات عن المواطنين، وقد استمر ذلك حتى الآن، ولا سيما عند من تسلطوا على رقاب الأمة دون رضا منها ولا اختيار فحكموها بالقهر والجبروت، لا بحسن الرعاية، ولا بحكمة التدبير، فكان حكمهم حكم تسلط  لا حكم رعاية، يسوسون الأمة سياسة عداء، لا سياسة راع إلى رعيته، وقد جعلوا من حكمهم حكمًا بوليسيًّا ، فأقاموا أجهزة مخابرات ضد الأمة وسلطوها على رقاب الناس وأرزاقهم، وجعلوها السلطة المهيمنة داخل السلطة، كشأن الدول الشيوعية لتحفظ لهم عروشهم وكراسيهم، ومنحوها صلاحية مراقبة الناس والتجسس عليهم وملاحقتهم واعتقالهم وتعذيبهم ومعاقبتهم، وجعلوا بيدها الإذن بالتوظيف وإعطاء الجوازات، فلا يتوظف أحد في دوائر الدولة أو في المؤسسات العامة أو شبه العامة، ولا يحصل على جواز سفر إلا إذا كانت راضية عنه. 

● حكم شرعي

إن إقامة أجهزة للمخابرات على هذه الطريقة المستوردة من الشرق والغرب على الرعية لا تجوز في دين الله لأن أجهزة المخابرات هي أجهزة تجسس، فهي تتجسس على الناس وتراقبهم وتلاحقهم، وتتفحص أخبارهم، وتتابع حركاتهم وسكناتهم، لذلك كان عملها تجسسًا، ومن يقُم به يكن جاسوسًا. والإسلام يحرم التجسس على المسلمين كما يحرم أن يكون المسلم جاسوسًا على أخيه المسلم سواء أكان التجسس لنفسه أم لغيره. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (الحجرات: 12). فالآية تنهى الذين آمنوا عن سوء الظن بالناس، وعن التجسس عليهم، وهذا نهي عام يشمل كل تجسس على المسلمين سواء أكان التجسس لنفس المتجسس أو لغيره. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحَسسوا ولا تجَسسوا». ويقول: «يا معشر من آمن بلسانه، ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته». 

فهذه الأحاديث تحرم كذلك على المسلمين أن يتجسسوا على إخوانهم المسلمين، وتحرم عليهم أن يتتبعوا عورات المسلمين، وتهددهم بأن من يتتبع عورات المسلمين فإن الله سيتبع عوراته وسيفضحه. كما وردت أحاديث تحرم العمل في أجهزة المخابرات للتجسس على المسلمين. فقد روى المسور بن مخرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها في جهنم، ومن كسا ثوبًا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله في جهنم». وكما يحرم التجسس على المسلمين فإنه يحرم التجسس على أهل الذمة، لأنهم رعايا كالمسلمين لهم ما للمسلمين من الإنصاف، وعليهم ما على المسلمين من الانتصاف، وقد أعطيناهم ما أعطيناهم لتتساوى دماؤنا ودماؤهم، وأموالنا وأموالهم. والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال: «من أذى ذميًّا فقد آذاني». والذمي في دار الإسلام مخاطب بتطبيق أحكام الإسلام على نفسه إلا فيما يتعلق بالعقائد والعبادات والمطعومات والملبوسات والزواج والطلاق.

● التجسس على الكفار المحاربين

والآية والأحاديث وإن كانت عامة في حرمة التجسس، إلا أن التجسس على الكفار الحربيين -سواء أكانوا حربيين حقيقة أو حكمًا- فإنه مستثنى من عموم الآية والأحاديث؛ لورود أحاديث أخرى خصصت تحريم التجسس بغير الكفار الحربيين. أما الكفار الحربيون فإن التجسس عليهم ليس حرامًا، وعلى الدولة أن تنشئ جهازًا خاصًّا للتجسس عليهم؛ وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أرسل من يتجسس له على أعدائه الكفار من قريش ومن غيرهم.

● كل المسلم على المسلم حرام

أما أجهزة التجسس على الرعية ففيها إيذاء، والإسلام يحرم تعذيب الناس وإيذاءهم، قال عمر ابن الخطاب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تعذبوا الناس، فإن الذين يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله يوم القيامة». وقال عليه الصلاة والسلام: «صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس...» الحديث. كما أن الإسلام يحرم الاعتداء على حرمات المسلمين وكراماتهم وأموالهم وأعراضهم وهتك حرمات بيوتهم، قال عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه». وقال وهو يطوف حول الكعبة: «ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك ماله ودمه وأن لا يظن به إلا خيرًا». وقال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». وقال في وجوب حرمة البيوت: «لو أن امرأً اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينيه، ما كان عليك من جناح». وعن سهل بن سعد الساعدي أن رجلًا اطلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جحر في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومع النبي مذراة يحك بها رأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو علمت أنك تنظر لطعنتك بها في عينيك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر». وقال: «من أدخل عينه في بيت أخيه من غير إذن منه فكأنما دمره». فكل هذه الأحاديث تدل على تحريم جميع ما تقوم به أجهزة المخابرات ضد المسلمين.

● إفساد الناس

وإن إقامة هذه الأجهزة تفسد الناس، ولهذا فإن من يتجسسوا على المسلمين، أو من يقبلوا أن يعملوا للتجسس على المسلمين يتجردوا من جميع القيم الرفيعة روحية كانت أو خلقية، أو إنسانية، ولا يتورع الواحد منهم أن يتجسس على أعز أصدقائه أو على أقرب الناس إليه. كما أنهم يستعملون في تعذيب الناس أفظع أنواع القسوة والوحشية والإيذاء دون أن يطرف لهم جفن، ومنهم من يتلذذ بتعذيب الناس وبصراخهم من شدة الألم.

 والتجسس على الأمة يفسدها ويذلها، ويقتل فيها الجرأة وروح النضال، مما يجعلها لا تجرؤ على أن تعلن عن رأيها بصراحة، أو أن تطالب بحقوقها المهضومة، أو ما تراه صوابًا، وهذا ما يجعلنا نرى المسلمين اليوم في جميع البلاد الإسلامية عربية وغير عربية لم يجرؤوا على أن يخرجوا مؤيدين للانتفاضة في الضفة وغزة، ومن تجرأ منهم وحاول الخروج للتأييد جوبه من السلطات بالقمع الوحشي الذي لا يقل وحشية عن قمع إسرائيل للانتفاضة، وكذلك كان الحال سنة ۱۹۸۲ عند الغزو الإسرائيلي الوحشي للبنان. وهكذا فإنهم أذلوا الأمة وقتلوا روح الجرأة والنضال فيها، قتلهم الله وأذلهم.

والرسول صلى الله عليه وسلم قد بين أن الحاكم إذا تجسس على الناس أفسدهم، فعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم». وعن راشد بن سعد عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم». وإن أجهزة المخابرات تمنع المسلمين من القيام بفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك من أشد المحرمات، فأجهزة المخابرات تحول بين الناس وبين محاسبة الحكام على ظلمهم، وتمنعهم من التغيير على الحكام إذا قصروا في رعاية شؤون الناس، أو إذا خالفوا الأحكام الشرعية، أو حكموا بغير ما أنزل الله.

● الحاكم والأمر بالمعروف

مع أن محاسبة الحكام هي من أهم أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد اعتبرها الرسول صلى الله عليه وسلم من أفضل الجهاد، حيث قال: «أفضل الجهاد كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر». وجعل من يقتل في سبيل محاسبة الحكام مع سيد الشهداء حيث قال: «سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله». وقد أخذها الرسول على من بايعهم في العقبة، كما روى عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب وكان فيما أخذ علينا أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم». وقد نهى الناس عن أن تمنعهم هيبة الحاكم أو الناس من قول الحق إذا علموه، حيث قال: «ألا لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه». وقد أقسم الرسول صلى الله عليه وسلم على المسلمين بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ويأخذوا على يد الظالم و يرغموه على اتباع الحق، حيث قال: «كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق إطراء أو تقصرنه على الحق قصرًا». 

كما توعد بالعقاب قبل الموت لمن لم يغيروا على الحاكم الذي يعمل فيهم بالمعاصي وهم قادرون على ذلك، حيث قال: «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه فلا يغيرون، إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا».

وهكذا فإن هذه الأحاديث والعشرات غيرها تأمر المسلمين بمحاسبة الحكام والتغيير عليهم وحملهم على اتباع الحق، وتتوعدهم بالعقاب والعذاب إن لم يقوموا بذلك، بينما أجهزة المخابرات تعمل على عكس ذلك تمامًا، فإنها تمنع المسلمين من محاسبة الحكام، ومن التغيير عليهم مهما ارتكبوا حتى تحفظ لهم عروشهم وكراسيهم، فكان عملها هذا من أشد المحرمات ومن أكبر الآثام.

خاتمة

ومن ذلك كله يتبين مقدار خطورة إقامة أجهزة مخابرات على الأمة، ومقدار مخالفة ذلك للأحكام الشرعية. كما يتبين أن الحاكم الذي يقيمها يكون ظالمًا للرعية، وغاشًّا لها ومضيعًا لمصالحها ومسيئًا في رعاية شؤونها، ومقصرًا في إحاطتها بنصحه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «الظلم ظلمات يوم القيامة». ويقول: «ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم، إلا حرم الله عليه الجنة». ويقول: «ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل الجنة معهم». ويقول: «اللهم من ولِي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فأشفق عليه».

ودولة الخلافة ستهدم بإذن الله جميع أجهزة المخابرات التي أقيمت لقهر الأمة والتجسس عليها، وسوف لا تُبقي لها أثرًا، وستجعل المسلمين يتنفسون الصعداء من كابوس المخابرات الرهيب، وستترك لهم أن يعبروا عن آرائهم وعن محاسبتهم للحكام بمنتهى الصراحة، حتى تعود الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).

 

الرابط المختصر :