العنوان إلى أين تسير العلاقات التركية الأمريكية بعد قمة “الناتو”؟
الكاتب د. سعيد الحاج
تاريخ النشر الخميس 01-يوليو-2021
مشاهدات 64
نشر في العدد 2157
نشر في الصفحة 36
الخميس 01-يوليو-2021
ثمة تناقض كبير بين مسمى العلاقات التركية الأمريكية وحقيقتها على صعيد السياسات والخطاب
ليست هناك رؤى موحدة بين تركيا وحلفائها الغربيين بكثير من قضايا السياسة الخارجية خاصة المتعقلة بالشرق الأوسط
بقاء الملفات العالقة واستمرار هوّة الثقة بين البلدين أمر متوقع بالنظر للخلافات الكبيرة بهذه الملفات وأهميتها
اتفاق الجانبين على إرساء حوار ثنائي تخوضه المؤسسات المعنية أمر يحمل إيجابية نسبية
د. سعيد الحاج
أقيمت، في 14 يونيو الماضي، قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بمقر الحلف في بروكسل، وهي أول قمة يحضرها الرئيس الأمريكي الجديد «جو بايدن»، ما طبعها بطابع خاص لجهة مستقبل الحلف وعلاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع حلفائها الأوروبيين.
ولكن لقاء الرئيس الأمريكي بنظيره التركي «رجب طيب أردوغان» كان له أهمية خاصة، وكان حديث الدوائر السياسية والإعلامية في تركيا لفترة طويلة، بالنظر للتوتر الذي يصبغ العلاقات بين البلدين مؤخراً وطبيعة الملفات التي وضعت على أجندته.
ثمة تناقض كبير بين مسمى العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية وبين حقيقتها على صعيد السياسات والخطاب، فالبلدان هما القوتان الأكبر في حلف شمال الأطلسي، وبينهما علاقات تحالف متجذرة تعود لعشرات السنين، ورفعاها في تسعينيات القرن الماضي إلى مستوى «الشراكة الإستراتيجية»، لكن الواقع يقول بشيء آخر مختلف تماماً؛ فالخطاب الأمريكي تجاه أنقرة يزخر بالتهديدات والعقوبات، وخطاب الأخيرة تجاهها حافل باللوم والعتب.
انتهت الحرب الباردة منذ ثلاثين عاماً، وانفرط معها العقد الناظم للعلاقات بين تركيا وحلفائها الغربيين، وخصوصاً الولايات المتحدة، فتراجعت أهميتها بنظرهم وبحثت هي عن سياسات مستقلة نسبياً تحقق لها مصالحها.
لم تعد هناك رؤى موحدة تجمع تركيا معهم في كثير من قضايا السياسة الخارجية، ولا سيما تلك المتعقلة بمنطقة الشرق الأوسط، كما توسعت جداً الهوة بين الجانبين في السنوات القليلة الأخيرة بسبب سياسات أنقرة وخطابها وشخصية رئيسها التي لم تعد على هواهم، وفي المقابل؛ نسجت تركيا مع روسيا علاقات متنامية ظهرت معها وكأنها أقرب لها من الولايات المتحدة والغرب.
اليوم تبدو الملفات الخلافية الشائكة أكثر من تلك التوافقية بين أنقرة وواشنطن؛ حيث تأخذ الأولى على الأخيرة دعمها للمنظمات «الكردية» الانفصالية التي تصنفها هي كمنظمات إرهابية بسبب علاقاتها مع حزب العمال الكردستاني، وعدمَ تعاونها معها في ملف التنظيم الموازي أو جماعة «كولن» المتهم بالوقوف خلف الانقلاب الدموي الفاشل، في عام 2016م، والمقيم على الأراضي الأمريكية، إلى جانب بعض الملفات الأقل أهمية وحساسية.
في المقابل، تأخذ الولايات المتحدة على تركيا تقاربها مع روسيا، وشراءها منظومة «S400” الصاروخية الدفاعية منها، وخرقها سابقاً لعقوباتها على إيران، وبعض الملفات الأخرى.
وبنتيجة كل ذلك، يتهم بعض المسؤولين الأتراك الولايات المتحدة بدعم المحاولة الانقلابية في عام 2016م، وتتهمها أنقرة بالإضرار بأمنها القومي من خلال سياساتها السورية، وقد أوقفت عدة أشخاص بين مواطنين أمريكيين وعاملين في الممثليات الأمريكية على أراضيها بتهم ترتبط بدعم الإرهاب.
وعلى الجانب الآخر، فرضت واشنطن على أنقرة عقوبات اقتصادية وأخرى طالت بعض وزرائها ومسؤوليها، وأخرجتها من مشروع مقاتلات “F35”، وانحازت نسبياً لخصمتها اليونان في ملف شرق المتوسط خلال رئاسة “ترمب”، وهو مسار يبدو أن إدارة “بايدن” مستمرة به، بل لعلها أضافت لذلك أبعاداً أخرى مقلقة أكثر لتركيا.
قمة "الناتو"
هذه الأرضية المتوترة في العلاقات بين البلدين أضيف لها إشارات سلبية كثيرة من إدارة «بايدن» تجاه تركيا عموماً و»أردوغان» على وجه التحديد؛ ذلك أنه إضافة لتصريح «بايدن» الشهير خلال حملته الانتخابية بضرورة دعم المعارضة التركية لإسقاط «أردوغان»، فقد أخّر أيضاً لفترة طويلة اتصاله بنظيره التركي بعد تنصيبه، وجاء الاتصال الهاتفي اليتيم بينهما عشية استخدامه مصطلح «إبادة جماعية» لتوصيف أحداث العام 1915م بخصوص الأرمن، كأول رئيس أمريكي يفعل ذلك في قضية بالغة الحساسية لأنقرة.
كما أن إدارته وضعت صفقة «S400” المنتهية بين تركيا وروسيا عقبةً كأداء أمام العلاقات مع الأولى، مهددة بعقوبات إضافية عليها ولا سيما ضمن قانون “كاتسا” (مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات)، وأكّدت إخراجها من مشروع “F35” الذي تعدُّ شريكة فيه لا مجرد شارٍ لها، كما استثنى وزير الخارجية الأمريكي “بلينكن” أنقرة من جولته في المنطقة على هامش العدوان “الإسرائيلي” الأخير على القدس وغزة.
وفي ظل هذه الظروف السلبية، أتى لقاء الرئيسين “بايدن”، و”أردوغان” في بروكسل، وهو ما يفسر تركيز تركيا الشديد على ضرورة إنجاحه أو على أقل تقدير تجنب أي أزمة أو خلاف كبير خلاله.
ويبدو أن حرص تركيا على ذلك ساهم في خطاب أكثر هدوءاً وودِّيَّة مع “الناتو” وواشنطن؛ فقد أكد “أردوغان”، في كلمته أمام القمة، التزام بلاده برؤية الحلف، مذكّراً بأنها القوة العسكرية الثانية فيه، وضمن أكثر 5 دول مشاركة في عملياته، وأكثر 8 دول مساهمة مالية في ميزانياته.
وهو أمر انسحب على لقائه بـ”بايدن”؛ حيث أبدى تفاؤله بمخرجاته قبل انعقاده، ثم أكد بعد اللقاء أنه سيفتح مرحلة جديدة في العلاقات بين الجانبين، مؤكداً أنه لا مسائل لا يمكن حلها بين الدولتين، في المقابل؛ وصف الرئيس الأمريكي اللقاء بـ”الإيجابي والبنّاء”، مشيراً إلى استمرار الحوار مع تركيا من خلال اللجان ذات الاختصاص.
فما الذي يعنيه كل ذلك على صعيد مستقبل العلاقات الثنائية؟
مستقبل العلاقات
سيكون من المبالغة القول: إن اختراقاً كبيراً قد حصل في العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة بمجرد لقاء الرئيسين، لكن يمكن استخلاص أن البلدين تجاوزا احتمالات الدخول في أزمة جديدة، وأذابا الجليد بينهما، وأسَّسا لحوار ممكن بينهما على المدى القريب.
لكن الملفات الخلافية بين البلدين ما زالت على حالها، ويبدو أن كلاً من «بايدن»، و»أردوغان» قد تمترس خلف مواقف بلاده المعروفة منها، وهو ما أكّده الأخير بنفسه في لقاءات إعلامية بعد القمة، قائلاً: إنه أعاد على أسماع «بايدن» موقف بلاده من صفقة «S400” الروسية.
والحقيقة أن بقاء الملفات العالقة وكذلك استمرار هوّة الثقة بين البلدين كان أمراً متوقعاً بالنظر للخلافات الكبيرة في هذه الملفات وأهميتها بالنسبة للجانبين؛ إذ لم يكن سهلاً أن يحل لقاء على هامش قمة “الناتو” (وليس لقاء مرتباً مسبقاً في واشنطن أو أنقرة حتى) الإشكالاتِ الكبيرةَ بينهما، التي ترتبط بالنسبة لكليهما بالأمن القومي، كلّ من وجهة نظره الخاصة.
ما يعني أن صفقة “S400”، ومقاتلات “F35”، والدعم الأمريكي لقوات سورية الديمقراطية، ومماطلتها في ملف “كولن”، وغيرها من القضايا العالقة ستبقى خلافيةً بين البلدين، ولم تَلُحْ حتى اللحظة أي إشارات على تغير جوهري لدى أيٍّ من الطرفين إزاء أيٍّ منها.
لكن اتفاق الجانبين على إرساء حوار ثنائي تخوضه المؤسسات المعنية وذات الاختصاص أمر يحمل إيجابية نسبية، من باب أنه يتناغم مع المطالب التركية في الحوار من جهة، ومنهجية “بايدن” المعلنة في مأسسة سياسات بلاده الخارجية من جهة أخرى.
وعليه، يمكن القول: إن العلاقات التركية الأمريكية دخلت في مرحلة تهدئة بعد مستوى التوتر المرتفع بينهما في الفترة الأخيرة، وإن تركيا ستكون في الفترة المقبلة أقرب لحلفائها التقليديين في الغرب، وهو مسار كانت قد بدأته مع نهاية العام الماضي لعدة أسباب.
فمن جهة، كان انتخاب “بايدن” دافعاً لها ولبعض القوى الإقليمية الأخرى لإعادة النظر في بعض سياساتها وتوجهاتها، ومن جهة أخرى فهي حريصة على تجنب أي أزمات إضافية مع الولايات المتحدة وحلف “الناتو” والاتحاد الأوروبي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة المتأثرة بجائحة “كورونا” وقريباً من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة في البلاد، كما أن عام 2020م شهد انخراطاً تركياً في عدة قضايا ونزاعات، وتريد أنقرة حالياً تهدئة مسارات سياستها الخارجية دعماً لاقتصادها واستثماراً لهذا الانخراط الذي آتى أكله في بعض القضايا، مثل ليبيا وأذربيجان.
لكن ذلك لا يعني أن مهمة أنقرة مع واشنطن ستكون سهلة، بل ستبقى العلاقات مع الأخيرة على إشكالاتها وستحتاج منها جهداً كبيراً في تجنب الأزمات، فضلاً على أن التقارب مع الغرب سيثير حفيظة روسيا المنخرطة مع تركيا في أكثر من ملف وقضية، ما قد يرتب تحديات إضافية على تركيا في بعضها، وفي مقدمتها سورية وليبيا، وهو ما ظهرت بعض مؤشراته مؤخراً.