العنوان المجتمع التربوي:العدد1595
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 03-أبريل-2004
مشاهدات 67
نشر في العدد 1595
نشر في الصفحة 54
السبت 03-أبريل-2004
أبو بكر الصديق نموذجًا في الأحداث الجسام.. تُعرف أقدار الرجال
توفيق علي
كانت وفاة الرسول ﷺ ابتلاء عظيمًا.. وبعدها ظهرت شخصية الصديق كقائد فذ لا نظير له
بسعة علمه وقوة حجته أقنع الأنصار بأن يكونوا وزراء معينين وجنودا مخلصين كما كانوا في عهد النبي ﷺ
كان موفقا في بعث أسامة وقتال المرتدين.. فاجتاز بالأمة مرحلة من أخطر المراحل وأشدها حساسية.
مرت الأمة الإسلامية بأحداث جسام كانت الواحدة منها كافية للقضاء على الإسلام، ولولا حفظ الله ورعايته وولايته للأمة الإسلامية ثم جهد الرجال الذين اصطفاهم الله من بين خلقه ليحفظ بهم دينه لعادت الأمة إلى الجاهلية مرة أخرى. ومن هذه الأحداث الجسام ما حدث بعد وفاة النبي من مصائب عظيمة وابتلاءات شديدة.
ومن هذه الأحداث ما حدث في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه: لقد بدأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه خلافته بمجموعة من الهزات العنيفة، والمشكلات الحادة، فأعانه الله على حسن الثبات والتثبيت ووفقه الله إلى حسن الحل والعلاج الملتزم بالكتاب والسنة.
ولنتناول هذه المشكلات وكيف وفق الله عز وجل أبا بكر الصديق رضي الله عنه:
أولًا: وفاة الرسول ﷺ
لما سمع أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخبر أقبل على فرس من مسكنه بالسُنح حتى نزل، فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله ﷺ. أي قصده وتوخاه ـ وهو مغشى بثوب حبرة فكشف عن وجهه. ثم انكب عليه فقبله وبكي، ثم قال بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي عليك فقد متها (۱).
وخرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعمر يتكلم فقال: أجلس يا عمر، وهو ماض في کلامه في ثورة غاضبة، فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الناس خطيبًا، فقال ، بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أما بعد فإن من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا هذه الآية ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٤) فنشج الناس بيكون(٢)
قال عمر : فو الله ما إن سمعت أبا بكر تلاها فهويت إلى الأرض ما تحملني قدماي وعلمت أن رسول الله قد مات(۳)
قال الإمام القرطبي رحمه الله: «هذه الآية دليل على شجاعة الصديق وجرأته، فإن الشجاعة والجرأة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي فظهرت شجاعته وعلمه، قال الناس: لم یمت رسول الله، منهم عمر، وخرس عثمان، واستخفى علي واضطرب الأمر فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسُنح(٤)
وبهذه الكلمات القلائل، واستشهاد الصديق بالقرآن خرج الناس من ذهولهم وحيرتهم، ورجعوا إلى الفهم الصحيح رجوعًا جميلًا، فالله هو الحي وحده الذي لا يموت. وأنه وحده الذي يستحق العبادة وأن الإسلام
باق بعد موت محمد» (٥).
كان موت رسول الله مصيبة عظيمة وابتلاء شديدًا، ومن خلالها وبعدها ظهرت شخصية الصديق كقائد للأمة فذ لا نظير له ولا مثيل (٦).
فقد أشرق اليقين في قلبه وتجلى في رسوخ الحقائق فيه فعرف حقيقة العبودية والنبوة والموت، وفي ذلك الموقف العصيب ظهرت حكمته، فانحاز الناس إلى التوحيد، وما زال التوحيد غضًا طريًا، فما إن سمعوا تذكير الصديق لهم حتى رجعوا إلى الحق.
تقول عائشة رضي الله عنها ،: «فوالله لكان الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس فما يسمع بشر إلا يتلوها »(۷).
قالت أيضًا: «ولقد بصر أبو بكر الناس الهدى، وعرفهم الحق الذي عليهم»!!..
ومن هذا الموقف العظيم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه نخرج بطائفة من الدروس البليغة:
١. أثر التربية العظيمة والإيمان الثابت في أعظم المحن التي يتزلزل لها الأبطال وأعاظم الرجال.
٢. إن البشر إلى فناء، والعقيدة إلى بقاء، ومنهج الله للحياة مستقل في ذاته عن الذين يحملونه ويؤدونه إلى الناس من الرسل والدعاة على مدار التاريخ.
٣. لا يجوز للأمة الإسلامية أن يهز كيانها سقوط قيادة باستشهاد أو اعتزال أو عزل؛ لأن العاصم لها من الفتنة هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ثانيًا، أبو بكر وسقيفة بني ساعدة
يقول عمر بن الخطاب: «وقد كان من خبرنا حين توفي رسول الله ﷺ أنه تخلف علي والزبير رضي الله عنهما، ومن كان معهما، في بيت فاطمة بنت رسول الله .
وتخلف عنا الأنصار بأجمعهم في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت له يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار!
فانطلقنا إليهم في سقيفة بني ساعدة، فلقينا رجلان صالحان، وهما عُويم بن ساعدة و معن بن عدي، فقالا لنا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟
فقلت: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. فقالا لنا: لا عليكم ألا تقربوهم، وأقضوا أمركم.
فقلت: والله لنأتينهم. فجئناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا هم مجتمعون فيها، وبينهم رجل مزمل يتغطى بثيابه.
فقلت: من هذا؟
فقالوا: سعد بن عبادة.
فقلت: ماله؟
قالوا: هو وجع مريض! ولما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله عز وجل بما هو أهله، ثم قال:« أما بعد: فنحن أنصار الله عز وجل وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط وجماعة منا، وقد جاءت جماعة منكم معشر المهاجرين يريدون أن يختزلونا من أصلنا، ويأخذوا حقنا، ويخرجونا من هذا الأمر»!
فلما سكت أردت أن أتكلم، وقد هيأت وأعددت في نفسي مقالة أعجبتني أرد بها على كلام خطيبهم، وأقولها بين يدي أبي بكر.
وقد كنت أداري منه بعض الحدة، وكان هو أعلم وأوقر مني، فقال لي أبوبكر على رسلك! لأنه كان يريد أن يتكلم. فكرهت أن أغضبه، وكان أعلم مني وأوقر.
وتكلم، ووالله ما ترك من كلمة أعجبتني في إعدادي إلا قالها في بديهته أفضل مما كنت سأقولها.
وكان مما قال: «أما بعد: فما ذكرتم من خير فأنتم أهله، ولكن لم تعرف هذه إلا لهذا الحي من قريش لأنهم أوسط العرب نسبًا ودارا.
وقد رضيت لكم وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح».
فلم أكره مما قاله أبو بكر غير هذه الكلمة، «والله لئن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك لي إثم أحب إلى من أنا أتأمر على قوم فيهم أبو بكر».
وفي رواية للإمام أحمد بن حنبل «....فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئًا أنزل في الأنصار ولا ذکره رسول الله من شأنهم إلا ذكره، وقال: ولقد علمتم أن رسول الله ﷺ قال: لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار واديًا لسلكت وادي الأنصار، ولقد علمت يا سعد (سعد بن عبادة الخزرجي) أن رسول الله قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، وهاجر الناس تبع لفاجرهم، قال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء» (۸). وكان مما احتج به أبو بكر الصديق على الأنصار قوله: إن الله سمانا (الصادقين) وسماكم (المفلحين) إشارة إلى قوله تعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:٨-٩).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾(التوبة: ١١٩).
فتذكرت الأنصار ذلك وانقادت إليه.
وبهذه الكلمات النيرة التي قالها أبوبكر الصديق اقتنع الأنصار بأن يكونوا وزراء معينين وجنودًا مخلصين، كما كانوا في عهد رسول الله وبذلك توحد صف المسلمين.
من أهم الدروس:
١. ثناء أبي بكر الصديق على الأنصار ببيان ما جاء في فضلهم من الكتاب والسنة.
والثناء على المخالف، منهج إسلامي يقصد منه إنصاف المخالف وامتصاص غضبه وانتزاع بواعث الأنانية في نفسه ليكون مهيأ لقبول الحق إذا تبين له.
٢. الزهد في الإمارة والحرص على وحدة الصف قال رضي الله عنه:
والله ما كنت حريصًا على الإمارة يومًا ولا ليلة قط وكنت راغبًا ولا سألتها الله عز وجل في سر ولا علانية، ولكني أشفقت من الفتنة، ومالي في الإمارة من راحة، ولكن قلدت أمرًا عظيمًا مالي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله عز وجل، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني (٨).
٣. قيامه باستبراء نفوس المسلمين من آية معارضة لخلافته واستحلفهم على ذلك فقال: أيها الناس اذكروا الله، أيما رجل ندم على بيعتي لما قام على رجليه، فقام علي بن أبي طالب ومعه السيف فدنا منه حتى وضع رجلًا على عتبة المنبر والأخرى على الحصى وقال: والله لا تقيلك ولا تستقيلك، قدمك رسول الله فمن ذا الذي يؤخرك؟ (۱۰).
٤.إن سرعة اختيار الخليفة التي لم تتجاوز ساعات قلائل بعد وفاة النبي رسول الله ﷺ ليدل دلالة واضحة على قوة هذا الصف وسلامته وانصهار لحمته.
وكلما كان الصف ضعيفًا ممزقًا، كان اختيار القيادة عسيرًا وأحداث الأمم والجماعات تثبت صدق ما تقول.
5. والناظر في تاريخ الأمم والجماعات، يلاحظ أن اختيار القيادة بين الأقران يعتبر من أعقد الأمور، وفي أكثر النظم ديمقراطية نجد أن الاختيار يأخذ وقتًا طويلًا حتى ينجلي الأمر، وسقوط القيادة المفاجئ كثيرًا ما يوقع الصراع بعد ذلك وتتحكم مراكز القوى فيها وقلما يصل الأكفاء بعد سقوط القيادة، وأما إذا كانت القيادة تاريخية وكانت عبقرية فالصراع يكون أشد.
ثالثًا: أبو بكر الصديق وانفاذ جيش أسامة:
اقترح بعض الصحابة على الصديق أن يبقي الجيش وقالوا: إن هؤلاء جُل المسلمين والعرب كما ترى قد انتفضت بك، فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين (۱۱).
ولكنه رضي الله عنه وقف خطيبًا وخاطب الصحابة قائلًا: والذي نفسي أبي بكر بيده: لو ظننت أن السبع تخطفتني لأنفذت بعث أسامة كما أمر رسول الله، ولو لم يبق في القرى غيري لأنقذته» (۱۲).
ولقد كان الصديق موفقًا فيما عزم عليه من بعث أسامة، مخالفًا بذلك رأي جل المسلمين، لأن في ذلك أمرًا من رسول الله، وقد أثبتت الأيام سلامة رأيه وصواب قراره إلى أن اعتزم تنفيذه.
أثر جيش أسامة على هيبة الدولة
قال هرقل وهو بحمص بعدما جمع بطارقته: هذا الذي حذرتكم فأبيتم أن تقبلوا مني قد صارت العرب تأتي مسيرة شهر فتغير عليكم ثم تخرج من ساعتها، فقال أخوه (يناط): فبعث رباطًا (جندًا مرابطين) تكون بالبلقاء، فبعث رباطًا واستعمل عليهم رجلًا من أصحابه فلم يزل مقيمًا حتى تقدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر.
ثم تعجب الروم بأجمعهم وقالوا : ما بال هؤلاء يموت صاحبهم ثم أغاروا على أرضنا؟
وأصاب القبائل العربية في الشمال الرعب والفزع من سطوة الدولة.
حقًا لقد كان إرسال جيش أسامة نعمة على المسلمين إذ أمست جبهة الردة في الشمال أضعف الجبهات. ولعل من آثار هذه الجبهة في وقت الفتوحات أن كسرها كان أهون على المسلمين من كسر جبهة العدو في العراق، كل ذلك يؤكد أن أبا بكر كان في الأزمات من بين جميع الباحثين عن الحل أثقبهم نظرًا وأعمقهم فهمًا.
ويوضح أبو هريرة رضي الله عنه هذه النعمة قائلًا: « والله الذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر قد استخلف لما عبد الله، وأقسم على ذلك ثلاث مرات.
فقيل له : لماذا يا أبا هريرة؟
قال: إن رسول الله وجه جيش أسامة إلى الشام فلما نزل بذي خشب وقبض رسول الله ارتدت العرب حول المدينة.
فاجتمع أصحاب رسول الله إلى أبي بكر وقالوا له يا أبا بكر رد جيش أسامة كيف توجههم إلى الروم وقد ارتد العرب؟ فقال أبو بكر: والله الذي لا إله غيره لو جرت الكلاب أرجل أزواج رسول الله، ما رددت جيشًا وجهه رسول الله، ولا حللت لواء عقده رسول الله!
ولما سار جيش أسامة إلى الشام صاروا، كلما مروا بقبيلة من العرب قال أفرادها: لولا أن المؤمنين أقوياء في المدينة لما خرج من عندهم هذا الجيش!
و خافت تلك القبائل وتخلت عن مواجهة المسلمين في المدينة.
وهذا فضل الثبات على منهاج رسول الله كما فعل الصديق (تاريخ ابن كثير (3٠٥,٣٠٤/٦).
من أهم الدروس:
۱.إن من سنن الله الثابتة في الأمم أن أيامها لا تبقى ثابتة على حالة، بل تتغير وتتبدل، وقد أخبر بذلك سبحانه وتعالى: ﴿و تلك الأيام تداولها بين الناس﴾ (۱۳).
قال الرازي في تفسيره: «والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا قضاؤها، فيوم يحصل فيه سرور له، والغم لعدوه، ويوم آخر بالعكس من ذلك ولا يبقى . شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها». (١٤)
٢. إن الصديق يعلم الأمة إذا نزلت بها الشدة وألمت بها المصيبة أن تصبر، فالنصر مع الصبر، وألا تيأس من رحمة الله ﴿رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (الأعراف).
٣. أن أمر الدين مقدم على كل شيء. فإن وفاة رسول الله لم تشغله عن بعث أسامة.
٤. اتباع أمر النبي في السراء والضراء، فقد بين رضي الله عنه أنه عاض على أوامر رسول الله بالتواجد، ومنقذها مهما كثرت الأخطار واشتدت الصعاب.
٥. قال الإمام ابن حجر تعليقًا على رأي الأكثرين حول وفاته: إن الأقل عددًا قد يصيب ويخطئ الأكثرية، ولا يتعين الترجيح بالأكثرية وخلاصة القول أن تأييد الكثرة لرأي ليس دليلًا على إصابته».
٦. الحرص على الأجر: فمشيه رضي الله عنه مع أسامة وهو راكب دعوة للاعتراف بإمارة أسامة ورفع الحرج عن صدور الجيش.
٧.دور الشباب في حملة رسالة الإسلام، وأنهم هم وقود المعركة، فالدعوة التي لا تعني بشبابها وتهتم بتربيتهم وتزج بهم في غمار المعركة مع الباطل حسب ما تقتضيه المصلحة العامة، أني لها أن تستمر وتصمد، وتثبت حتى نهاية الطريق!
رابعًا: أبو بكر الصديق وقتال المرتدين:
أشار بعض الصحابة، ومنهم عمر رضي الله عنه، على الصديق بأن يترك مانعي الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، ثم هم بعد ذلك يزكون، فامتنع الصديق عن ذلك وأباه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما توفي رسول الله وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه حق الإسلام وحسابه على الله؟ فقال أبوبكر والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا، الأنثى من ولد المعز، كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها. وفي رواية والله لـ منعوني عقالًا . الحبل الذي يعقل به البعير. كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه.
قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر، فعرفت أنه الحق (١٦).
ثم قال عمر بعد ذلك: والله لقد رجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة جميعًا في قتال أهل الردة.
وهكذا كان رأي أبي بكر في حرب المرتدين رأيًا سليمًا، وهو الرأي الذي تمليه طبيعة هذا الموقف لمصلحة الإسلام والمسلمين، وأي موقف غيره سيكون فيه الفشل والضياع والهزيمة ولولا الله ثم هذا القرار الحاسم من أبي بكر لتغير وجه التاريخ وتحولت مسيرته ورجعت عقارب الساعة إلى الوراء والعادات الجاهلية تعيث في الأرض فسادًا (۱۷).
لقد تجلى فهمه الدقيق للإسلام وشد غيرته على هذا الدين، وبقاؤه على ما كان عليه في عهد نبيه في الكلمة التي فاض بها جنانه ونطق بها لسانه، وهي الكلمة التي تساوي خطبة بليغة طويلة وكتابًا حافلًا، وهي قوله عندما امتنع كثير من قبائل العرب أن يدفعوا الزكاة إلى بيت المال أو جحدوها مطلقًا وأنكروا فرضيتها قد انقطع الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي؟!
وفي رواية لعمر فقلت: يا خليفة رسول الله تألف الناس وترفق بهم فقال لي :أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟ قد انقطع الوحي وتم الدين أينقص وأنا حي؟ (۱۸)
يقول سعيد بن المسيب: «كان أفضلهم يعني الصحابة، وأمثلهم رأيًا».
كان موقف أبي بكر الذي لا هوادة فيه ولا مساومة منه ولا تنازل، موقفًا ملهمًا من الله يرجع إليه الفضل الأكبر بعد الله – سبحانه وتعالى في سلامة هذا الدين وبقائه على نقائه وصفاته وأصالته، وقد أقر الجميع وشهد التاريخ بأن أبا بكر قد وقف في مواجهة الردة الطاغية، ومحاولة نقض عرى الإسلام عروة عروة، موقفًا اقتدى فيه بالأنبياء والرسل في عصورهم، وهذه خلافة النبوة التي أدى أبوبكر حقها واستحق بها ثناء المسلمين ودعاءهم إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
ولنعلم حقيقة مهمة:
إن الدولة الإسلامية اعتمدت على قاعدة صلبة من الجماعات والقبائل والأفراد الذين ثبتوا على الإسلام وانبتوا في أنحاء الجزيرة كافة، وكانوا سندًا قويًا للإسلام ودولته في قمع حركة المرتدين منهم.
والمدقق في الأحداث السابقة يرى أن الأمة استطاعت بفضل الله أولًا ثم بفضل أبي بكر الصديق الذي اتصف بصفات منها الفهم الثاقب والتكوين الدقيق والتربية العظيمة والعمل المتواصل، إضافة إلى صفات الجيل الذي كان يعيش معه، ومنها:
قوة الرابطة و وحدة الصف، و متانة اللحمة بينهم.
سرعة الانصياع للحق والعودة إليه.
وضوح قضية الأولويات لديهم جميعًا.
الزهد في الإمارة.
أقول؛ بهذه القواعد وتلك الصفات استطاعت الأمة الإسلامية أن تعبر هذه الأحداث سالمة في عقيدتها، متراصة في بنياتها، ماضية في طريقها لنشر دعوة ربها .
الهوامش:
(١) البخاري، كتاب المغازي، حديث رقم ٤٤٥٢.
(٢) البخاري كتاب فضائل الصحابة حديث رقم ٣٦٦٨.
(٣) البخاري، كتاب المغازي حديث رقم ٤٤٥٤.
(٤) تفسير القرطبي (222/4)
(٥) استخلاف الصديق د. جمال عبد الهادي ص (١٦٠).
(٦) أبو بكر رجل الدولة. مجدي حمدي (٢٥) (٢٦).
(٧) البخاري، كتاب الجنائز، رقم ( ١٢٤٢/٢٤)
(۸) مسند الإمام أحمد (5/1).
(٧) المستدرك (66/3) قال الحاكم: حديث صحيح وأقره الذهبي.
(۱۰) الأنصار في العهد الراشدي (ص ۱۰۸).
( ۱۱) البداية والنهاية (٣٠٨/٦).
(۱۲) تاريخ الطبري (٤٥).
(۱۳) تفسير الرازي (١٥/٩).
(١٤) البخاري: رقم ٦٩٢٤ ومسلم رقم ٢٠.
(١٥) الشورى بين الأصالة والمعاصرة من ٨
(١٦) مشكاة المصابيح كتاب المناقب رقم (٦٠٣٤).
(۱۷) المرتضى للندوي من ٧٢٠
(۱۸) الثابتون على الإسلام أيام فتنة الردة ص ٢١٩.
______________________________________
بناء الرجال.. عنوان نهضة الأمة
تقاس نهضة الأمم بمقدار نمو خلق الرجولة فيها، فالأمة المجاهدة التي تواجه نهضة جديدة أو تعاني من حالة من الضعف والوهن والتمزق، وتريد أن تتعافى منها وتبني حياتها المستقبلية على أساس متين يضمن للجيل الناشئ السعادة والرفاهية وتطالب بحق مسلوب، وغد مغصوب هذه الأمة بحاجة إلى بناء النفوس، وتشييد الأخلاق، وطبع أبنائها وشبابها على خلق الرجولة حتى يصمدوا لما يقف في طريقهم من عقبات ويتغلبوا على ما يعترضهم من صعاب، فالرجل سر حياة الأمم ومصدر نهضتها وعزتها وقوتها، وتاريخ الأمم جميعًا إنما هو تاريخ ما ظهر بها من الرجال الأقوياء والمصلحين أصحاب النفوس الكبيرة والهمة العالية والأخلاق النبيلة.
وهؤلاء الرجال الأقوياء الذين تبعث بهم الأمة من مواتها، وتنهض وترتقي هم عملة نادرة قلما تقع عليها العين، وقد عبر النبي ﷺ عن هذه الحقيقة بقوله: «إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة» (رواه مسلم)، والمراد من الحديث أن الناس على كثرتهم لا تتوافر فيهم شروط الرجولة الكاملة، كما أن مائة من الإبل قد لا يجد فيها الإنسان مطية واحدة تتوافر فيها شروط الارتحال والسفر المقصودة.
وقد أدرك جلال الدين الرومي هذه الحقيقة فذكرها في بعض مقطوعاته وكتبه بقوله: «رأيت البارحة شيخًا يدور حول المدينة، وقد حمل مشعلًا كأنه يبحث عن شيء، فقلت له: يا سيدي تبحث عن ماذا؟ قال: قد مللت معاشرة السباع والدواب وضقت بها ذرعًا، وخرجت أبحث عن عملاق من الرجال، وبطل من الأبطال يملأ عيني برجولته وشخصيته، فقال له جلال الدين الرومي: بالله لا تتعب نفسك أيها الشيخ الكبير، وارجع لأدراجك، فقد أجهضت نفسي وأنضبت ركابي، ونقيت في البلاد كلها، فلم أر لهذا الرجل «الكائن» أثرًا ومثيلًا..
الرجال أمنية عمر
أدرك الفاروق عمر بن الخطاب أن الرجال سر نهضة الأمة ومصدر قوتها، فكانت أمنيته وجود الرجال الأقوياء الأمناء أصحاب العقيدة القوية والإخلاص الحي، فقد روى أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كان جالسًا إلى جماعة من أصحابه، فقال لهم تمنوا: فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله.
فقال عمر: تمنوا: فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة لؤلؤًا وزبر جدًا وجواهر أنفقه في سبيل الله عز وجل، فقال عمر تمنوا: فقال أصحابه: ما ندري ما تقول يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ولكني أتمنى رجالًا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة أستعين بهم على إعلاء كلمة الله ونصرة دينه.
وقد كان جيل الصحابة قممًا ورجالًا بكل ما تحمله الكلمة من معان، وهبوا أنفسهم لله، وكانت غايتهم الأسمى رضوان الله، فكان الواحد منهم بألف ممن سواهم بل الواحد منهم أمة بمفرده.
فقد كان أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) يقول عن الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل، وفي رواية أخرى لا يهزم جيش فيه القعقاع.
ولما أبطأ فتح مصر على عمرو بن العاص كتب إلى الفاروق عمر يطالبه بمدد من الجند، فأمده عمر بأربعة آلاف وكتب إليه: «إني أمددتك بأربعة آلاف رجل، على كل ألف رجل، رجل بألف رجل: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، وأعلم أن معك اثني عشر ألفًا، ولا يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة».
فما أحوج أمتنا إلى رجال أقوياء، على أيديهم تحيا الأمة من مواتها وضعفها وهوائها، ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ. لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(النور: ٣٧) .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل