العنوان إلى الله المشتكى.. رسالة من زوجة
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 21-فبراير-2009
مشاهدات 64
نشر في العدد 1840
نشر في الصفحة 58
السبت 21-فبراير-2009
جاءتني رسالة من إحدى الزوجات بعنوان «إلى الله المشتكى»، فرأيت أن أعرضها، وأعلق عليها، دون ذكر اسمها، ليستفيد منها القراء وفيما يلي مضمونها:
دخل الزوج بيته بعد انتهاء يوم عمل شاق فوجد زوجته قد تفننت في استقباله.. لقد انتهت من إعداد طعام شهي للغداء، وحرصت على الانتهاء من ذلك قبل قدوم زوجها بوقت كاف، مكنها من حسن التزين لزوجها، ونسيان معاناتها في أثناء طهي الطعام، حيث ضمدت الجرح الذي أصاب أصبعها بسبب استخدام السكين في تقطيع الخضراوات، وكفكفت دموعها التي سكبتها بتأثير البصل المفروم، ثم تجملت وتزينت استعدادا لاستقبال محبوبها وزوجها بيد أن الزوج دخل البيت واجما، وقد رسم على جبهته الرقم (۱۱۱) المعبر عن العبوس والكدر ولم يكلف نفسه مجرد النظر إلى وجه زوجته وبخل بكلمات الثناء والشكر والإطراء، فلم ينطق ببنت شفة!
تلقت الزوجة صنيع زوجها بصبر رغم ما أصابها من إحباط، ودخلت المطبخ، فجهزت طعام الغداء ووضعته على المائدة، ودخلت بلطف تدعوه إلى الجلوس على مائدة الطعام بعد أن ساعدته على خلع ملابسه، ووضعها في مكانها بخزانة ملابسه، لكن «عباسًا» (1) لا يزال عباساً، لم يبتسم في وجهها، ولم يشكرها على صنيعها بل ظل عابسًا في وجهها، مقطب الجبين، وقد رسم على وجهه الضيق والكدر!
لم يلتفت «عباس» إلى زوجته، ولم يأبه بالشموع الحمراء التي أوقدتها حبيبته على مائدة الطعام، وقد أحاطتها بالورود الحمراء المعبرة عن الحب والورود الصفراء المعبرة عن الغيرة، والورود البيضاء المعبرة عن الصفاء، كما حرصت على أن تزين بها بقية البيت في مشهد رومانسي حالم وجو من الحب الصافي... ولكن يبدو أن «عباسًا» لا يفهم طبيعة المرأة، ولا يفقه لغة الشموع، والورود، ولا يعترف بالرومانسية بل يعاني أمية طاحنة في «فقه الثناء على الزوجة»! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
جلس الزوجان على مائدة الطعام، وتفاعل الزوج مع الطعام تفاعلًا قويًا، ومضى يلتهم قطع اللحم المشوية، وتلك الأخرى المحمرة، وتطيش يده يمينا ويسارا في صولات وجولات بين أطباق المائدة.. ذلك كله يحدث وهو صامت لم يتكلم ولم يكلف نفسه كلمة شكر لزوجته، ولا كلمة ثناء على حسن طهيها للطعام، وهي التي يشهد لها الجميع بذلك إلا زوجها المستفيد الأول من هذه المهارات!
فكرت الزوجة فيما يحدث، فظنت أنها لم توفق في اختيار الملابس التي تجذب زوجها فدخلت غرفة الملابس، ولبست فستانًا كانت تلبسه لزوجها أيام خطوبتها، لتجدد به ذكريات الحب والغرام، ولحظات الشوق والهيام، ثم سألت زوجها: ما رأيك في الفستان؟ هل تذكره؟ فرد في نبرات حادة حازمة تصبغها الحدة: نعم.. نعم.. أذكره.. لقد اشتريناه بعد الزواج بسنين! لقد تغير لونه كثيرًا، ولم يعد يليق بك، لقد كنت تلبسينه منذ سبع سنين، أما الآن فقد كبرت وتقدمت بك السن، ويجب أن تلبسي الآن ما يليق بـ«سنك»!
تغير وجه الزوجة وتكدر، ولسان حالها يقول: ليتني لم ألبس هذا الفستان، لقد لبسته ليذكر زوجي بالأيام الجميلة التي خلت، لكن النتيجة جاءت على عكس ما كنت أتمنى، إذا فلأفكر في وسيلة أخرى أجذب بها زوجي، وألفت انتباهه إلي، عسى أن أنجح في تهيئة جو الحب الذي أريد.
بعد تفكير عميق، اقتربت الزوجة من زوجها في حنو ورفق ولطف، ونادته من قرب حبيب عمري، ما رأيك في الشموع والورود؟ أليست جميلة؟ فرد الزوج قائلًا: لا أدري! لم تُجلسينا في الظلام والكهرباء متوافرة في بيتنا! ما هذه التفاهات؟! ألسنا كبارًا على ما تصنعينه؟! هذا سلوك المراهقين، ويفترض بنا أننا نضجنا اعقلي يا بنت الناس، وكوني واقعية!
يا لصبر هذه الزوجة! إنها لم تيأس تقول: لقد واصلت تفكيري حرصاً على زوجي ورغبة مني في إيجاد بيئة زوجية يملؤها الحب، وتغطيها السكينة والسعادة، فقلت: أعود مرة ثانية وأسأله عن رأيه في الطعام، فسألته: ما رأيك في السلطة؟ فأجابها: ينقصها بعض الكرفس! وما رأيك في الشوربة؟ فأجاب: كانت تحتاج إلى سخونة بعض الشيء !! وما رأيك في المحشي؟ فقال: نعم لقد تنوع، لكنك نسيت أن تصنعي محشي الكوسة! وما رأيك في الأرز؟ قال : كان ينقصه بعض الملح! وما رأيك في اللحم المشوي؟ فأجاب: لو كنت أكثرت من الأرز لكان أشهى!
تقول الزوجة شعرت بالإحباط يحاصرني من جميع الأرجاء، وأحسست به يتسرب إلى نفسي، فاستعذت بربي من الشيطان، وودعت زوجي، وقلت له: تصبح على خير، ودخلت لأنام بعد عناء طويل في يوم عمل شاق، كي أستعد لاستقبل عناء جديدًا في يوم لاحق.
دخلت لأنام وأنا أردد في نفسي في فترة الخطوبة كان يمتدحني كثيرا ويثني علي وآنذاك كنت أطالبه بأن يقلل من ثنائه علي ولا يبالغ، أما الآن فإني أجاهد نفسي وأصنع كل ما في طاقتي لأقتنص منه كلمة إطراء، أو تعبير ثناء على فستان أو زينة، أو طبخة، فلا أجد ومن ثم لا أملك إلا أن أقول: «إلى الله المشتكى»!
«لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (۲)
يؤكد علماء النفس والاجتماع أهمية الشكر والثناء في تقوية روابط العلاقات الاجتماعية والإنسانية، وخاصة العلاقة الزوجية، وبالرغم من ذلك فإن كثيراً من الأزواج يهملون هذا الجانب ويعزفون عنه.
فكم تسعد الزوجة ويزداد عطاؤها عندما تسمع كلمة شكر من زوجها على طبخة أعدتها وعبارة ثناء من زوجها على أناقتها وجمالها وحسن مظهرها أو صفاء مخبرها ... إنها كلمات بسيطة لا تكلفك شيئًا -أيها الزوج الكريم- ولكن تأثيرها على محبوبتك يكون قويًا جدًا فالإنسان مفطور على حب الإطراء وكلمات الشكر والثناء، لأنها تعمق الحب والألفة، ولكن كثيرًا من الأزواج يبخلون على زوجاتهم، دون أن يدركوا أن هذا البخل قد يكلفهم الكثير.
آثار البخل بالثناء والشكر كم من حياة زوجية هدمت بسبب بخل الزوج بشكر زوجته والثناء عليها، فكم من زوجة تركت التزين لزوجها وأهملت نفسها وبيتها لعدم سماعها من زوجها كلمات الشكر والثناء التي تهز أوتار عواطفها، فالمرأة في حاجة إلى ثناء زوجها على صنيعها وشخصها، وخاصة على أنوثتها وجمالها فإذا انعدم الشكر ضاع الحب بين الزوجين، وربما بحث كل منهما عن حب آخر، لا يورث إلا الآثام والندم والدمار!
رسائل إلى الزوج البخيل بالثناء
أولًا: ماذا تخسر لو مدحتها؟
لم تخسر شيئًا، بل ستحقق مكاسب عظيمة.
ثانيًا: ماذا تكسب من الثناء عليها؟
ثمة مكاسب طيبة تتحقق بثناء الزوج على زوجته، أهمها:
۱- إطفاء مشاعر الغضب والضيق والكراهية تجاه الزوج.
٢- الثناء يجنب الزوجة الإصابة بالإحباط الذي يصيب كثيرا من الزوجات، ومن ثم يؤدي إلى شلل السعادة الزوجية.
٣- منح الزوجة طاقة تنسيها متاعبها وعناءها، بل ربما يجعلها تستعذب العناء في سبيل إرضاء محبوبها، والحصول على جرعات الشكر والثناء منه.
٤- التفاني في العطاء والبذل والتضحيات.
٥- تحقيق صحة نفسية وبيئة تربوية تعين الزوجة على النجاح في تربية أولادها وتأدية واجباتها الأسرية بكفاءة.
٦- ثناء الزوج على زوجته يجعلها تبادله هذا الثناء، وتتجاوز عن سلبياته.
٧- الثناء أحد أهم مفاتيح الحياة الزوجية السعيدة، وأحد أعمدة البيت السعيد، وهو مفتاح سهل الاستخدام ولا يكلفنا الكثير.
٨- تنمية مشاعر الحب في نفس الزوجة تجاه زوجها، ولذلك أثر كبير ينعكس على سعادة البيت كله؛ لأن المرأة في حاجة إلى الإحساس بحب زوجها أكثر من احتياج الزوج، فكلاهما يحتاج إلى حب الآخر، بيد أن المرأة أشد احتياجًا إلى حب زوجها.
تقول «ماري بونابرت في كتابها سيكولوجية المرأة»: «حقًا إن المرأة لأكثر من الرجل تعطشًا بكثير إلى الحب وإلى التدليل وكأنها مجرد طفل كبير... المرأة تعيش بالحب حب الرجل لها وحبها للرجل والطفل».
معوقات الثناء
إظهار محاسن الزوجة ليس سلوكًا حسنًا فحسب، إنما هو عبارة يتعبد بها الزوج إلى ربه ويعف بها زوجته، ويصون بها أسرته، ومع ذلك ينصرف أزواج كثيرون عن الثناء على زوجاتهم.
۱ . انشغال الزوج بمسؤوليات الحياة ولهذا الصنف من الرجال أقول: إن ما بينك وبين إطراء زوجتك ما هو إلا حاجز وهمي، لأن الأمر لا يكلفك وقتاً ولا جهداً ، إنه يحتاج منك فقط إلى إدراك أهمية ذلك، ثم المبادرة بالثناء على زوجتك وشكرها، واضعاً في حسبانك دائمًا: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله»، واعمل دائماً بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود:١١٤)، وبهدي النبي ﷺ: «إذا ساءك منها خلق أعجبك آخر».
٢. عدم الاقتناع بالثناء على الزوجة فكثير من الأزواج لا يرون في الثناء على زوجاتهم فائدة، بل بعضهم يرى فيه مفسدة للزوجة وإثارة لغرورها، وقد غاب عن أذهان هؤلاء أهمية هذا الثناء لجهلهم بطبيعة المرأة. يروى أن عليًا بن أبي طالب دخل على زوجته فاطمة الزهراء ريحانة رسول الله ﷺ، فوجدها تستاك بعود أراك، فأحب أن يلاطفها، فسحب العود من فمها
ووضعه أمام عينيه، وقال:
قد فزت يا عود الأراك بثغرها أما خفت يا عود الأراك أراكا
لو كنت من أهل القتال قتلتك ما فاز مني يا سواك سواكا
٣. الضيق بالزوجة والانتقام منها: فللأسف الشديد كثير من الأزواج لديهم الرغبة في الانتقام من زوجاتهم، ومن ثم يميلون إلى طمس محاسنهن، وإخفاء مزاياهن، وليس ذلك من خلق الزوج المسلم، ولا من مهارات الزوج الناجح.
وينبغي للزوج المسلم أن يتسامح مع زوجته ويتجاوز عن هناتها، وأن يدرك جيدا أنه قائد السفينة، وأنه المسؤول الأول عن السير بها إلى بر الأمان، وأن من الحكمة ألا يصطدم بالأمواج العالية، وألا يصارع الرياح العاتية، كما ينبغي له أن يدرك أن في السفينة ذاتها آخرين هم أولاده وأنه مسؤول عن نجاتهم جميعًا، فلا ذنب لهم.
ولو فرض جدلاً أن زوجته شوك يعذبه ويؤلمه، فليعمل بالمثل الشعبي المصري القائل: «لأجل الورد يسقى العليق»، فمن أجل أولاده ليحسن معاملة زوجته.
إن السعادة الأسرية لا يمكن أن تتحقق عندما يتعامل الزوج مع زوجته على أنها ند له، ولا يمكن أن تتحقق السعادة الزوجية في ظل علاقة الانتقام، وإنما ينبغي أن تقوم العلاقة الزوجية على أساس من المشاركة، فهي بمنزلة شركة استثمارية بين زوج وزوجة، فإن قصر أحدهما قام الآخر بجبر هذا التقصير، وسد الثغرة التي ربما يأتي منها الخطر؛ لأنها إن لم تسد سيغرق الجميع.
شهادة زوجة
تقول إحدى الزوجات عن أثر ثناء زوجها عليها: «نظر زوجي إلي نظرة شعرت بدفئها، ثم قال: في الحقيقة وبصراحة فيك صفات جميلة ومريحة بالنسبة لي تقول الزوجة كان وقع هذا الكلام على قلبي مثل الماء! لقد أطفأ ناراً مشتعلة منذ ما يقارب سنة، واعتبرت شهادته بمنزلة وسام شرف لي، وضعه على صدر علاقتي به وحياتي الزوجية معه».
أقوى ثناء على الزوجة
من أقوى أنواع الثناء على الزوجة أن تثني على جمالها، وتتغزل فيها ، فلنتعلم -نحن معشر الأزواج- فقه الثناء على الزوجة، وهاكم نماذج شعرية من ثناء الأزواج على جمال زوجاتهم والتغزل في جمالهن والغرام بهن.
• فهذا زوج يظهر حبه لزوجته وغيرته المحمودة عليها، فيقول:
أغار عليك من عيني ومني ومنك ومن زمانك والمكان
ولو أني خبأتك في عيوني إلى يوم القيامة ما كفاني
• وذلك زوج ثان يتغزل في زوجته بعبارات رقيقة، مصرحا بحبه لها:
الصبا والجمال ملك يديك أي تاج عز من تاجيك
نصب الحب عرشه فسألنا: من تراها له؟ فدل عليك
قتل الورد نفسه حسدًا منك وألقي دماه في وجنتيك
والفراشات ملت الزهر لما حدثتها الأنسام عن شفتيك
• وذاك زوج ثالث يقول في زوجته:
قامت تظللني من الشمس نفس أحب إلي من نفسي
قامت تظللني ومن عجبي شمس تظللني من الشمس
• وهذا زوج رابع يثني على حلاوة الحب بينه وبين زوجته حال قربهما، فيقول:
عجبت لهذا الحب يسري كأنما هو السحر في الأعماق أو أنه أقوى
ويجعل حلو العيش مرا إذا نأى حبيب ومر العيش في قربه حلوا
هو الحب يسمو بالنفوس ويرتقي إذا لم يكن في عرف أصحابه لهوا
• ومن أروع ما قيل في الثناء على المحبوبة ما قاله ذو الرمة (من شعراء العصر الأموي) في «مي»، ثناء على طيب رائحة عنقها، وقد ذكر سبب ذلك بأن عنق محبوبته كأن به معطارًا، إذ يقول:
والطيب يزداد طيبًا إذ يكون بها في جيد واضحة الخدين معطار
الهوامش
- أقصد الصفة هنا -أي العبوس- لا الاسم، وقد نوهت إلى ذلك حتى لا أغضب من يحملون هذا الاسم.
- هذا حديث شريف رواه البخاري، وأحمد وأبو داود، وابن حبان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل