; إلى شركاء الوطن والتاريخ.. تعالوا إلى كلمة سواء | مجلة المجتمع

العنوان إلى شركاء الوطن والتاريخ.. تعالوا إلى كلمة سواء

الكاتب أ.د زكريا سليمان بيومي

تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2012

مشاهدات 119

نشر في العدد 2021

نشر في الصفحة 38

السبت 29-سبتمبر-2012

  • كلمة «قبطي» مصطلح سياسي ثقافي وليس مصطلحًا دينيًا أو عرقيًا.. فكل أبناء مصر قبط.. لكن منهم من اهتدى إلى الإسلام ومنهم من ظل على دينه المسيحي
  • فكرة الاستقواء بالأجنبي مرتبطة بالدور الاستعماري الغربي منذ قدوم الفرنسيين الغزاة إلى مصر حيث استخدموها لتمزيق البلاد
  • في عصر «محمد علي» اعتلى كثير من اليهود والمسيحيين الساحة السياسية وشاركهم بعض المسلمين في بناء النهضة التعليمية
  • في ظل القوانين الإسلامية وحكومات الخلافة نعم الجميع من مسلمين ومسيحيين ويهود بالسماحة والتلاحم وحرية الاعتقاد والتملك والتنقل 

 تتعرض العلاقة بين أهل مصر، وشركاء الوطن والتاريخ فيها من مسيحيين ومسلمين في فترات الأزمات والاضطرابات السياسية لتلاعب المغرضين وسهام الكارهين لمصر، لكننا مع ذلك لابد أن نعترف بأن الأزمة التي تكمن وراء هذا الجانب سببًا ونتيجة ليست وليدة اليوم من جانب، وأن بعض عناصر من المصريين يشاركون في صنعها وتضخيمها من جانب آخر.

أما عن البعد التاريخي، فهي مرتبطة بالدور الاستعماري الغربي منذ قدوم الفرنسيين الغزاة إلى مصر، حيث استخدموها كورقة لتمزيق وإضعاف مصر، صحيح أن الهدف الاستعماري لم يحقق نجاحًا في شقّ عصا المصريين، وشارك الجميع في مقاومته؛ إلا أنه نجح في تجنيد قلة من المسيحيين بقيادة المعلم يعقوب تسانده ضد المقاومة الشعبية، حاول من خلالها تمزيق صفوف الأمة، وطرح لأول مرة فكرة «الاستقواء بالأجنبي»، فحاولت هذه القوة أن تستأسد على بني وطنها، لكن هذه القوة وهذه الفكرة سرعان ما انتهت برحيل الفرنسيين، والمعلم يعقوب معهم ثم موته، وعادت اللحمة لأبناء الوطن لولا بعض الكتابات المستفزة لبعض المفكرين المسيحيين الذين وصفوا دور المعلم يعقوب بالدور الوطني الساعي لفصل مصر عن دولة الخلافة واستقلالها، حيث كان دعاة القومية يعتبرونها دولة احتلال؛ فهيؤوا المناخ لهذه الأفكار التي لم تكن معبرة عن حقيقة توجه أغلبية شعب مصر.

 نكران التاريخ

 واعتبر كثير من المفكرين المسلمين أن مثل هذه الأفكار وغيرها، والتي تهيأ لها المناخ في ظل الأنظمة القومية تعد نكرانًا لتاريخ طويل عاشه الجميع في ظل القوانين الإسلامية، وحكومات الخلافة حيث نعم الجميع من مسلمين، ومسيحيين، ويهود بالسماحة والتلاحم، وحرية الاعتقاد، والتملك، والتنقل، وكل ما من شأنه تحقيق الارتباط الكامل دون تفريق، وشاركوا طوال هذا التاريخ في بناء حضارة هذه الأمة من خلال تراث الكنيسة في الإسكندرية، وعلماء، وفلاسفة اليهود مع نظرائهم المسلمين، وبلغت هذه الحضارة العربية بإبداع كان شاهدًا على هذا التلاقي والانصهار. 

واعتلى كثير من اليهود، والمسيحيين من المصريين والأجانب الساحة السياسية في عصر «محمد علي»، وشاركهم بعض المسلمين دون غضاضة في بناء النهضة التعليمية، لكن بعض المسيحيين واليهود قد عبروا عن بعض الأفكار التي تهاجم الرصيد التاريخي الثقافي للمسلمين بعد أن تسيد الأجانب وفكرهم الساحة الثقافية، لكن مثل هذه الأفكار أيضًا لم تلق تجاوبًا من جموع المسيحيين في مصر، فكانت مشاركة عناصر من المسلمين في المحافل الماسونية المرتبطة باليهود أكثر من العناصر المسيحية خلال هذه الفترة.

 فكرة الاستقواء

 وحين خضعت مصر للاحتلال البريطاني، ومكن لكثير من العناصر المسيحية في مواطن صنع القرار المتوافق مع سياسته، أسهم ذلك في إثارة الرأي العام الإسلامي بعد عودة فكرة الاستقواء بالأجنبي، فسيطر الكثير منهم على المصالح الاقتصادية، ووسائل الإعلام والوزارات. 

وتزامن ذلك مع بدايات التخطيط الصهيوني للسيطرة على فلسطين، واستخدامهم للتاريخ كوسيلة لتأكيد حقهم بعد تزييف الحقائق وتشويه كل شيء، فظهرت بدايات فكرة عند بعض الكتاب المسيحيين في إمكانية أن يسلكوا منهجًا مماثلًا؛ لتشويه التاريخ من أجل ادعاء أن المسلمين محتلون، وأن مصر الحقيقية لهم، وأن عليهم سلك سبيل المقاومة كلما أتيحت الفرصة لذلك.

 مصطلحات غريبة

 وبدأت تظهر تبعًا لذلك مصطلحات غريبة على الرصيد الثقافي الجامع لأهل مصر مثل: الشعب القبطي، والأمة القبطية وأن «قبط» تعني مصري، وأن المسلمين عرب من أجلاف الجزيرة العربية، بل وبدأ بشكل مستتر فكرة التشويه للعقيدة الإسلامية. 

وأسهم تنامي مثل هذه الأفكار، والترويج لها في استفزاز التيار الإسلامي، فيما يتعلق بعلاقتهم مع شركاء الوطن والتاريخ وأدركوا أن ذلك لا شك يعبر عن مكنون نفسي دخيل على هذا الرصيد.

 إن مصطلح «قبطي» مصطلح سياسي ثقافي، وليس مصطلحًا دينيًا أو عرقيًا، وكل أبناء مصر هم من القبط فمنهم من اهتدى إلى الإسلام، ومنهم من ظل على دينه المسيحي.

 والمسلمون الذين وفدوا إلى مصر مع «عمرو بن العاص» كانوا بضعة آلاف سرعان ما خرج أغلبهم للجهاد في الشمال الأفريقي مع «عقبة بن نافع»، و «أبو المهاجر دينار»، بل وشاركهم بعض أقباط مصر ممن هداهم الله للإسلام. 

حرية العقيدة 

وظلت نسبة الجزية تشكل الوعاء الأكبر عن الزكاة في خراج مصر لعدة عقود، كدليل على بطء انتشار الإسلام، وعدم الإجبار على اعتناقه، كما أن عدد سكان جزيرة العرب في هذه الفترة كان أقل من عدد سكان مصر في وقت أصبح فيه مسلمو مصر أكثر من المسيحيين فيها، فمن أين جاءت هذه الأكثرية؟!

 وإذا كانت مصر قد شهدت في المراحل التاريخية التالية هجرة بعض القبائل العربية المسلمة، فإن هناك قبائل عربية تدين بالمسيحية قد هاجرت هي الأخرى إلى مصر، كقبائل نجران التي استوطنت وسط نجد، وشمال الجزيرة منذ أواخر عصر عثمان ابن عفان و بناء على طلبهم بعد أن جدبت أرضهم، كما أن بعض القبائل الحبشية المسيحية قد هاجرت إلى مصر واستقر بعضها في بلاد النوبة في حين اتجه بعضها  الآخر إلى وسط مصر وشمالها.

 ولو أضفنا إلى ذلك حركة الهجرات الدائمة، وإن كانت محدودة في ظل الانتماء للدولة الواحدة الواسعة في ظل حكم المسلمين، وكذلك هجرة كثير من مسيحيي أوروبا، ومسيحيي الشرق كالأرمن واليونانيين، وسكان البحر المتوسط وغيرهم لأدركنا صعوبة نقاء العنصر القبطي في مصر بمسلميه ومسيحييه، وبالتالي يصبح استخدامه في التأصيل التاريخي استخدامًا غير موضوعي قاصرًا على المغرضين والجهلة والمدعين.

 وأصبح أمام هذه الأفكار المتصادمة ضرورة أن يسارع المفكرون المصريون من الجانبين إلى عقد ندوات حوارية بينهم؛ تعيدهم لمسيرتهم الأولى، وأن يكون التعليم والتربية وسيلتهما لذلك، فيعاد صياغة تاريخهم بالحقائق التي تصل بهم إلى العودة للتلاقي، فالبناء الحضاري يستوجب توضيح الفترة القبطية وقدر عطائها لحضارة المسلمين والعالم، ومن خلال المنهج الحضاري الإسلامي.

 كما ينبغي مناقشة وحدة تعامل الدولة في مصر مع الأوقاف المسيحية، والأوقاف الإسلامية، وخضوع الجميع في كل تصرفاتهم البعيدة عن العبادة لسلطة الدولة، كما ينبغي تحديد البعد الديني في ممارسة الحياة السياسية، وإقرار الدولة المدنية التي هي طبيعة الدولة في الإسلام، والتي تحتمي بسلطة الأمة لا بإملاءات الأجانب، وإدراك المسيحيين بالبعد التاريخي أن القوانين الإسلامية تحقق قدرًا أكبر من ضمان مصالحهم عن أية مرجعيات أخرى.

 رصيد المحبة

 لقد أصبح على جميع المصريين الاحتماء برصيد المحبة أكثر من الاحتماء بالقوانين المنظمة للعلاقة بينهم، ولابد أن يدرك الجميع أنه لا خشية من الذي يذهب؛ ليصلي، بل الخشية ممن لا يصلون، فمنهم الجاحد، والجاهل، والبلطجي الذي يثير قلق الوطن.

 لقد أصبح على الجميع أن ينادي شريكه في الوطن والتاريخ بقول الله سبحانه ﴿تَعَالَوۡا۟ إِلَىٰ كَلِمَةࣲ سَوَاۤءِۭ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكُمۡ ( آل عمران: ٦٤ ).

الرابط المختصر :