العنوان إلى من يهمه الأمر .. لا مرحبًا ببوش
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1986
مشاهدات 59
نشر في العدد 762
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 08-أبريل-1986
لا مرحبًا ببوش
لأنه لم يأت بخير ولن يأتي بخير أبدًا.. زار السودان من قبل فكبله بقيود وشروط
كانت سببًا مباشرًا في انتفاضة أبريل 85 التي أطاحت بالعميل نميري.
وزار مصر فكبلها بشروط اقتصادية كانت سببًا في
معظم القلاقل وأعمال الشغب.
وزار تونس ليصلح
ما أفسدته الغارة الإسرائيلية على مقر منظمة التحرير الفلسطينية، وليدق إسفينًا في
علاقات دول المغرب العربي.
وحينما نقول لا مرحبًا ببوش لا نقصد شخصه فحسب،
بل كونه مبعوثًا أميركيًا.
عندما يزور بوش دول الخليج العربي يظن أنه سيلقى
الترحيب الحار، فهذا ما يسمعه بالطرق الدبلوماسية، لكنه لا يلقى في قلوب الخليجيين
عمومًا إلا النفور والاشمئزاز، فالصورة الأمريكية في المشرق العربي والإسلامي قذرة
إلى أبعد الحدود، لأنها عنوان الظلم والعسف والقهر وإذلال الشعوب، كما ثبت أنها
تتسم بخلف الوعود، وخيانة العهود جهارًا نهارًا، وتضرب بكل مصلحة عربية وإسلامية
من أجل سواد عيون إسرائيل.
وإذا كان بوش يظن، وتظن معه الإدارة الأمريكية
أن العرب لكونهم أهل كرم ومروءة وسماحة سرعان ما ينسون ظلم الظالم إذا زارهم..
فإنهم هذه المرة واهمون..
واهمون لأن السياسة الأمريكية أصبحت مكشوفة
مفضوحة في كل مكان، ولأن بوش فضح نفسه بنفسه.
قبل أن يبدأ بوش جولته أعرب في مؤتمر صحفي عن
صلفه عندما علق على عدم زيارته للكويت بقوله: «أنا لا أقصد إهانة الكويت»! وكأن
عدم زيارته لبلد ما تعتبر إهانة لذلك البلد، عجيب هذا الغرور الأمريكي!
وشاء أن يستغل ظروف حرب الخليج فقال: «إن بلاده
تراقب كل ما من شأنه أن يكون ضغطًا أو يؤدي لعدم استقرار في أي من دول مجلس
التعاون خارج النزاع العراقي - الإيراني»، لكنه عقب بوضوح «لكننا لا نحكم على
النزاع بحد ذاته.. فقلقنا هو من توسع النزاع»! هكذا إذن تريد السياسة الأمريكية أن
تستغل تخوف دول المنطقة من اتساع رقعة الحرب، ولا تريد أن تعالج الحرب نفسها.. لأن
استمرارها هو بكل تأكيد في خدمة المصالح الأمريكية الحيوية والقومية على حد
التعبير الأمريكي!
ويريد بوش أن يؤكد على أهمية استقرار أسعار
النفط لضرورته للأمن القومي الأمريكي!
هذه الضرورة فسرها وزير الطاقة جون هير نجتون
عندما قال: إن بوش سيقول للسعوديين «إنهم بحاجة إلى أن يدركوا المصاعب الحادة التي
تعانيها بعض شركات النفط وصناعة الخدمات المرتبطة بالنفط، وبسبب انخفاض الأسعار».
أما مقولة أن تفعل قوى السوق فعلها دون تدخل،
فكانت مطلوبة لخفض أسعار النفط لإحداث دفعة للنمو الاقتصادي، اعتبرها مسؤول أمريكي
أهم من مصاعب الإقراض وديون الدول النامية، لأن الدول المنتجة للنفط الكبيرة
«تتحمل عاصفة انهيار الأسعار». هكذا إذن على صعيد القضايا الخليجية، فماذا يا ترى
هناك على صعيد ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط؟
في الوقت الذي عاد فيه شمعون بيريز من واشنطن
بعد أن وعد بدفع قسط من المساعدات المقررة لعام 86، كما وعد بدراسة اقتراحه الخاص
بتقديم مساعدات من الدول الصناعية لدول الشرق الأوسط، وهي إسرائيل والأردن وسوريا
والأراضي المحتلة باعتبار أن المشاكل الاقتصادية أهم من المشاكل السياسية!
وفي الوقت الذي وافقت الإدارة الأمريكية على أن
تصبح مشاركة تكنولوجيًا وماديًا في الصناعة الحربية الإسرائيلية، وزيادة مشترياتها
من السلاح الإسرائيلي..
في هذا الوقت، وكتمهيد لجولة بوش، سربت الإدارة
الأمريكية معلومات صحفية مفادها أن الإدارة الأمريكية بصدد الإعلان عن مبادرة
سلمية جديدة تأخذ في الاعتبار ما سبق أن رفضته الأطراف العربية، مع التلميح
لاحتمال بحث الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني دون توضيح ذلك.
وجملة هذه الوقائع تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك
أن السياسة الأمريكية لا تأخذ في حساباتها سوى المصالح الأمريكية والإسرائيلية،
وأنها تعتمد على التهديد والوعيد واستعراض القوة، وخير دليل على ذلك المواجهة
العسكرية مع ليبيا في خليج سرت.. حتى ولو كانت «مسرحية» أهدافها مكشوفة. وما دامت
السياسة الأمريكية على هذا النحو، فإنها ستظل مكروهة تثير كوامن الحقد والانتقام
في نفس كل عربي مسلم بل في نفس كل حر أبي، ولن يغير من ذلك ألف زيارة وزيارة يقوم
بها بوش أو ميرفي أو ريغان.
هذه هي الحقيقة كما هي مستقرة على الأقل في عقول
وقلوب شعوب المنطقة، فهل يجسد الحكام هذه الحقيقة فيصارحون أمريكا بها، ويقيمون
علاقاتهم بها على هذا الأساس؟
هذا ما نرجوه وندعو له وبالله التوفيق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل