العنوان إلى من يهمه الأمر.. الإنسان... بين التقدم الأسمنتي والتنمية الحضارية
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أبريل-1986
مشاهدات 56
نشر في العدد 764
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 22-أبريل-1986
قد توجه وفد رؤساء تحرير الصحف الأسبوعية، وفي صميم اهتمامه إنجازان بالغا الأهمية في مسيرة بناء الإنسان السعودي.
أولهما: إرساء دعائم الوحدة في أرجاء الجزيرة العربية ضمن كيان سياسي موحد.
فقد مثلت الجزيرة تحديًا عصيًا على مختلف الدول المتعاقبة منذ فجر الإسلام. وعلى الرغم من قوتها وبسط نفوذها على مناطق واسعة، بما في ذلك أسر القسطنطينية ودك أسوار فيينا، عجزت الإمبراطورية العثمانية عن إحكام سيطرتها الكاملة على قلب الجزيرة، بل تكبدت على الأرجح خسائر فادحة في سبيل إخضاع جنوبها الغربي للنظام العثماني.
وثانيهما: تحقيق الانسجام بين التباينات القبلية والإقليمية والسياسية، ودمجها في نسيج مجتمعي متماسك وشعب ذي هوية محددة. إن الانتقال بالبادي إلى حياة الحاضرة، وتحويل الأعرابي إلى مواطن فاعل، وتوجيه الاهتمام نحو الوطن بدلًا من الولاء للعشيرة، والتركيز على المدينة بدلًا من الارتباط بالبادية، لهو إنجاز لا يُستهان به. فقبل نصف قرن مضى، كانت الجزيرة مسرحًا دامويًا للنزاعات القبلية الضارية، وكان الغزو والسلب يشكلان المصدر الرئيس للعيش. أما اليوم، فقد غدا الاستقرار السمة الغالبة على المجتمع، وأصبحت المنطقة من بين الأقل عالميًا في معدلات الجريمة، وخاصة جرائم السرقة. كما تعزز التوجه نحو تقدير قيمة الفرد بناءً على قدراته الفنية والفكرية، لا على أساس انتمائه القبلي.
إن صهر المنطقة الغربية ذات الطابع الحجازي المتميز مع المنطقة الشرقية ذات الخصائص الخليجية يمثل إنجازًا بحد ذاته. كما أن دمج المنطقة الوسطى بعراقتها النجدية مع منطقة عسير بسمتها اليمني يشكل ضربًا من التحدي الطموح. وقد كان هذا الأمر محور اهتمام الوفد، لذا كان أول مطالبهم التي طرحوها على مندوبي وزارة الإعلام هو التعرف على الإنسان السعودي، قبل الخوض في المشاريع الاقتصادية والعسكرية. لقد أوضحنا لهم أن استعراض المشاريع والإنجازات الاقتصادية لا يستدعي وفدًا من رؤساء التحرير، بل إن هدف زيارتنا الأساسي هو مناقشة صناع القرار من الساسة والمفكرين والعلماء والإعلاميين.
وكما توقعنا، كانت الاستجابة سريعة ومثمرة. فقد بادر مندوبو وزارة الإعلام إلى تلبية طلباتنا، وتم ترتيب لقاء مع سمو الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي عهد المملكة آنذاك، والذي كان ينوب عن جلالة الملك فهد خلال إجازته الخاصة في صحراء المملكة. وقد لمسنا في سموه شخصية تتسم بالسماحة وسعة الأفق. وقد أكدنا لسموه أن الحديث عن الإسلام لدى القيادات السياسية في المملكة العربية السعودية يختلف جوهريًا عن نظيره لدى قيادات عربية أخرى، فأنتم تعتبرون الإسلام عزكم ورفعتكم، والقرآن دستوركم ومنهج حياتكم. وهذا الاعتبار يلقي على عاتقكم مسؤولية السعي الدؤوب والجهد الحثيث، فالإسلام اليوم بأمس الحاجة إلى من يقدمه للإنسانية في صورته الحضارية الزاهية، وإلى من يترجم قيمه السامية إلى نظام تربوي راسخ، يُنشأ عليه الجيل الصاعد منذ خطواته الأولى في مدارج التعليم.
كما يحتاج الإسلام إلى من يعكس موازينه ومعاييره الاجتماعية الرفيعة في هيئة برامج إعلامية متنوعة وهادفة، وإلى من يستل مبادئه السياسية ليقننها في مواد دستورية واضحة، تحدد الحقوق والواجبات المتبادلة بين الدولة والمواطن، وترسم ملامح المؤسسات التي يتم من خلالها الحوار البناء والتوجيه الرشيد. ويحتاج أيضًا إلى من يمنح مبادئه الاقتصادية دورًا فاعلًا في تأسيس مؤسسات اقتصادية إسلامية، تسعى إلى الإنتاج والتنمية الحقيقية بدلًا من الدوران في فلك الاقتصاد الرأسمالي المحض.
لقد سطع اسمكم بدعوة التوحيد الخالصة، يوم أن تلاقت رؤى الإمامين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود على محاربة مظاهر الجاهلية في الجزيرة. وإن الله سبحانه وتعالى قد قضى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ..﴾ (المائدة: 54).
لم يقتصر برنامج وزارة الإعلام على لقاء القيادات السياسية فحسب، بل شمل أيضًا لقاءات فكرية وأدبية وثقافية ثرية. فقد أعدت مجلة اليمامة لقاءً موسعًا استضاف نخبة من أهل الفكر والإعلام والأدب في الرياض، كما نظمت مؤسسة الجزيرة لقاءً مماثلًا.
بيد أن اللقاء الأكثر تميزًا وإمتاعًا كان ذلك الذي أعدته مجلة «اقرأ» في جدة. لقد كان لقاءً فكريًا رفيع المستوى، واتسم بجودة الإعداد والتنظيم. ولعل سعة أفق أصحاب الرأي في جدة ومرونتهم في الحوار كانت عاملًا أساسيًا في نجاح هذا اللقاء. وربما كانت مهارة الزميل عبد الله مناع رئيس تحرير مجلة «اقرأ» سببًا قويًا في إثراء الحوار وتعميقه. إن أجمل ما في هذا اللقاء أنه أقيم في المملكة العربية السعودية، وأنه اتسم بالصراحة والجدية، وكانت الصراحة متبادلة بين جميع الأطراف. لقد انتقدنا بوضوح الفجوة الكبيرة بين مظاهر التقدم العمراني وتنمية الإنسان الشاملة.
كما تحدثنا عن التحديات التي تواجه إعلامنا العربي في مضمونه، وتطرقنا إلى أهمية الحريات العامة، والسياسية منها على وجه الخصوص، وضرورة تكريسها وحمايتها في سبيل تحقيق التنمية الإنسانية المستدامة. وتناولنا ثلاثة نماذج للأنظمة السياسية في العالم العربي: النظام الذي يوفر أفضل الخدمات ضمن مؤسسات غير ديمقراطية، والنظام الذي يسير وفق مؤسسات ديمقراطية ولكنه لا يقدم إلا خدمات ومشاريع باهتة، والنظام الذي لا يمتلك مؤسسات ديمقراطية ولا يقدم خدمات ناجحة. وقد جرت هذه الحوارات في أجواء علنية وتحت عدسات كاميرات التصوير التلفزيوني والفوتوغرافي، وبين أشرطة التسجيل، وبحضور عدد من المسؤولين.
لقد كنت أظن أن مثل هذه الحوارات تُعد من المحظورات داخل المملكة، ولكن اللقاء الذي أعدته مجلة «اقرأ» أثبت أن الأمر ليس كما يُصور لدينا، بل ربما شابته بعض المبالغة. وقد أكد لقاء «اقرأ» أن المسؤولين السعوديين يمنحون مثقفيهم تقديرًا لائقًا، فقد دار الحوار أحيانًا بشكل مباشر بينهم وبين المثقفين الحاضرين. وقد خرجنا جميعًا مستمتعين بهذا الحوار البناء، لتنتهي زيارة الخمسة أيام المباركة عند أعتاب بيت الله الحرام وفي حرمه الآمن، ونحن نطوف ونسعى ونلهج بالتلبية الخاشعة: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل