العنوان إلى من يهمه الأمر... خمسة أيام بين الخبر والمعاينة
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1986
مشاهدات 59
نشر في العدد 763
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 15-أبريل-1986
أمضيت خمسة أيام
في زيارة رسمية للمملكة العربية السعودية مع وفد رؤساء تحرير المجلات الأسبوعية..
ولعلها كانت رحلة استكشاف لمستوى التطور والتنمية لدولة غنية من دول العالم الثالث
يسودها نظام سياسي غير الذي عندنا في الكويت.. وتعطي تفسيرات لمفاهيم سياسية «كالشورى
والمشاركة الشعبية» غير ما نعرفه هنا في الكويت.. ولعل برنامج الرحلة كان ذكيًا،
فقد أعد للاطلاع على:
الاقتصاد
السعودي بركائزه الثلاث «الزراعة، الصناعة والخدمات».
الاستعدادات
العسكرية.
بناء الإنسان
وتنميته.
ولقد قالوا لنا
في السعودية أننا استفدنا من فترة الوفرة المادية التي انسابت علينا مع ارتفاع
أسعار النفط، ولقد بنينا أسسًا لركائز الاقتصاد الثلاث متجاوزين اعتبارات كثيرة
كالجدوى الاقتصادية أو ارتفاع سعر المنشآت لأننا نخطط للمدى البعيد.
فعلى مستوى
الأمن الغذائي فإننا أحد الشعوب العربية القليلة التي تأكل خبزها مما تزرع، وتأكل
وتشرب من ثروتها الحيوانية، وأصبحنا الدولة الأولى في زراعة التمور.. لقد بدأنا
الزراعة بتكلفة عالية ولكننا خرجنا بفوائد كثيرة.. لقد قدمنا دعمًا كبيرًا من
المال للمشاريع الزراعية، ولكننا في الوقت نفسه كنا نوزع الثروة الوطنية على
المواطنين مقابل اكتساب مهنة إنتاجية وهي الزراعة.. ولو لم نفعل ذلك لما أقدم
السعوديون على الزراعة.. وتوزيع الثروة الوطنية مقابل اكتساب مهنة إنتاجية خير من
توزيعها مقابل تثمين عقار.. كما أننا اكتسبنا سلعة استراتيجية لا تريد الدول
الكبرى أن تمتلكها دول العالم الثالث مثلنا.. لقد عرضوا علينا سعرًا للقمح أقل من
سعر الأسواق العالمية حتى يمنعونا من اقتناء هذه السلعة، ولكننا كنا ننظر إلى
المستقبل والبناء.. واليوم وصلنا إلى الاكتفاء الذاتي، بل أخذنا نصدر إلى دول
زراعية كمصر، وانخفض سعر التكلفة إلى مستوى يقارب -إلى حد ما- سعر التكلفة.. ويكفي
أن يصبح لدينا اليوم قاعدة اقتصادية للزراعة.
أما على المستوى
الصناعي فلقد أنشأنا مدنًا صناعية كاملة في ينبع وجبيل تتوفر فيها كل ما يخطر على
البال من خدمات.. ونحن نركز على الصناعات البترولية لأننا موطن المادة الخام..
ورغم ذلك فإننا نقوم بتصنيع بعض السلع الاستهلاكية، وما زلنا نفاوض دولًا صناعية
كاليابان باستيراد التكنولوجيا كما نفعل مع الدول الغربية.. ونحن إحدى الدول
العربية القليلة التي دخلت التصنيع الحربي.. إننا نصنع كافة ذخائرنا كما أننا نصنع
بعض الأسلحة اليدوية الخفيفة..
أما على مستوى
الخدمات.. فانظر إلى رقعة المملكة المترامية الأطراف والمتعددة الأقاليم
والتضاريس.. لقد ربطت جميعها بطرق حديثة قد تصلك بأصغر قرى السعودية.. ولعلك ستدهش
عندما تعلم أن أسطول الطيران السعودي تجاوز الثمانين طائرة.. ويكاد يكون في كل
مدينة مطار.. أما التعليم فهو مجاني كما هو عندكم في الكويت.. ولكن لكل سعودي فرصة
للتعليم.. فنحن نملك عشرات من مراكز التدريب الفني.. ولدينا سبع جامعات.. ولكل
جامعة مبان تضاهي مباني أرقى جامعات العالم، وتتوفر في هذه المباني كل الخدمات
التعليمية والطلابية.. أما الخدمات الصحية ففي السنوات الخمس الأخيرة تطورت بشكل
كبير.. إننا لم نكتف ببناء المستشفيات العمومية، بل انصرف تفكيرنا لأن نوفر على
مواطنينا عناء الترحال والسفر من أجل العلاج في الخارج.. وآثرنا أن نجلب الخدمة
الصحية العالمية المتطورة إلى بلدنا.. لقد أنشأنا خمسة مستشفيات تخصصية تجري معظم
العمليات المعقدة التي تتم في أرقى المستشفيات «كهيوستن» في «تكساس» أو «كليفلاند»
في «أوهايو» ولقد استدعينا أمهر أطباء العالم وجعلنا إدارة هذه المستشفيات تحت
الخبرة الأجنبية الماهرة.. ووضعنا مع كل خبير طبيب سعودي أو إداري سعودي يتعلم
منه.. والآن انتقلت إدارة «مستشفى الملك فيصل» التخصصي -على سبيل المثال- إلى
إدارة وطنية سعودية اكتسبت خبرة الدول المتقدمة.
أما عن الخدمات
البريدية والهاتفية؛ فما عليك إلا أن تجرب خدمتنا لتحكم عليها.. لقد ربطنا أطراف
المملكة كلها بتلك الخدمة وهي سريعة ودقيقة.. هذه خلاصة حواراتنا مع الأشقاء
السعوديين حول ركائز الاقتصاد السعودي.. ولقد طاف بنا برنامج وزارة الإعلام إلى
كافة هذه الركائز، وشاهدنا ولمسنا كثيرًا مما ذكروه لنا، ورغم أن لنا ملاحظات حول
ما شاهدنا، حيث إن الإنجازات السابقة لا تخلو من أخطاء لكن لكل مشروع نسبة من
الخطأ.. ونظن أن النجاح يحتل النسبة الأكبر في الإنجاز.
وعلى مستوى
الاستعدادات العسكرية فقد طلب وفدنا رسميًا زيارة المنشآت العسكرية.. ولما كانت
إحدى فقرات البرنامج هي زيارة لمنطقة عسير، فقد خُصص وقت من برنامجنا في المنطقة
لزيارة قاعدة الملك خالد الجوية ومدينة الملك فيصل العسكرية وذلك بخميس مشيط..
وإذا كانت مدينة فيصل العسكرية عبارة عن مدرسة للمشاة ومنشآت مدنية للعسكريين، فإن
زيارة قاعدة الملك خالد الجوية كانت ممتعة.. ولقد أطلعنا قائد القاعدة على كل ما
نريده، وأخبرنا بأن لديه توجيهات لأن نطلع على كل شيء بصفتنا مواطنين من مجلس
التعاون.. وكانوا معنا صرحاء.. فقد أخبرونا أنهم يحتاجون إلى الخبير الأجنبي
تمامًا كما يحتاجونه في مستشفى الملك فيصل التخصصي.. «فهو الذي يصنع السلاح وهو
الذي يدربنا عليه.. ولكننا نعمل بكل جهدنا لأن نكتسب الخبرة ونستغني عن الأجنبي..
وهو ليس يسيرًا، انظر حولك ستجد الشباب السعودي يملأ هذه القاعدة، وانظر إلى لوحات
أسماء الطيارين والخبراء والفنيين والمشغلين واحسب نسبة المواطنين.. لا يوجد عندنا
ما نخفيه عليكم فنحن أشقاء».
لقد كانت رغبتي
الشخصية للاطلاع على الاستعدادات العسكرية السعودية لأنه لي وجهة نظر خاصة بطريقة
الإنفاق على التسليح العسكري وليس هذا موضع سرد وجهة نظري. أما عن بناء الإنسان
وتنميته فذلك له قصة أخرى نتناولها في عدد آخر إن شاء الله.. والله الموفق.