العنوان إنصاف.. شاعر الرسول حسان بن ثابت
الكاتب أحمد محمد عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1972
مشاهدات 8
نشر في العدد 130
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 19-ديسمبر-1972
الصحابي الجليل حسان بن ثابت دارت حوله في الدراسات الأدبية مناقشات حادة أبدى فيها كل من كتب عنه رأيه وأدلى بما عنده من حجة، وقد يأتي أحدهم بالدليل مستعينًا من شعر حسان بما يسند قوله.
ومهما يكن فإن الحديث عن «شاعر
الرسول» لا يمكن أن يكون بهذه البساطة، فكل ما كُتب حوله من دراسات وكل ما جرى قلم
سطر عن حسان سطرًا في كتاب أو مجلة إلا أنه وأقل ما يقال فيه إنه مظلوم من ناحية
الدراسات الأدبية، ولا أدري لماذا يتناول صحابي كريم عايش الدعوة الإسلامية معايشة
أولية وكان سباقًا إ إليها ذب عنها ودافع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو
الشخص الذي خبر الجاهلية وعاش لهوها وتمتع بما فيها، وضرب في أرجاء الأرض وخالق
الناس وخالقه الناس، فعرفهم وعرفوه، ووفد على الملوك وعرف سماتهم وأخلاقهم.. وانضم
إلى الرعيل الذي رَبَّاه سيد الخلق، وممن شملتهم رعاية الباري في ظل الإسلام،
وأصبح حسان علمًا من أعلامها حتى استحق لقب شاعر الإسلام وشاعر النبي بجدارة
وكفاءة.
ولعل ما كتب حوله إنما هو بصدد
محاولات للوصول إلى الحقيقة ومعرفة الحق من خلال الروايات الكثيرة المكتوبة، وأقف
هنا عند نقطة هامة في الموضوع وهي ما أُخذ به من كتب عن حسان أخذًا جُمَلة حجة، لمن
يريد النقاش أو من يريد أن ينضم إلى الطابور الذي وقف نفسه لإدراك الحقيقة الواضحة
الجلية فيما يكتب ويطلع وفيما يدمن الباحث لاستخراج الصورة الواقعية من شخصية يريد
الكتابة عنها.
لذلك أرى أن ما كتب عنه -كما قلت-
ليس من الإنصاف في شيء، بل هو الخطأ في حق رجل يكفيه أنه من الصفوة التي عايشت نبي
الحق، وكفاه أنه من الذين ارتشفوا من معين الإسلام الصافي في وقت كانت الكلمة
للسوط والتعذيب، وكانت الشدة فيه عنوان الحديث.. والويل لمن يعلن أنه فارق دين
الجاهلية.. فهذا حسان وهو النّجاري الأصيل.. من بني النجار ومن قرابة رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- يندفع اندفاعته، يحمل كلمة الإسلام مدافعًا عنها ومنافحًا وتنثال
عليه الأهاجي من كل حدب وصوب وسهام مصمية بعضها موجه لدين الله والآخر لنبيه، وبعض
منها لحسان، ويقف وقفته، ويرد عليهم مُعيبًا عليهم جهلهم وضلالهم، يتوعدهم ويبطل
زيف ما يوهِمُ لهم الشيطان من أنهم منصورون.. ومع كل هذا.. ومع ما أسدى حسان
للدعوة في أول منشئها وكان لها نعم السند، فالعرب ما زالوا إلى لحظتهم التي كانوا
فيها يكفيهم أن يرفع بيت من الشعر قبيلة ويضع من قدر قبيلة.. وكان الشعر كما سمي
«ديوان العرب» من أمضى السيوف عليهم.. وما أشده! وحسان في وسط المعمعة يعري
أوهامهم ويسفه خيالاتهم الباطلة.. لأنه نصير الدعوة.. بل هو السيف الذي ارتضاه نبي
الهدى ليكون هاجيًا لقريش ساعة ضاق المسلمون وطلبوا ذلك، وأمره الرسول بهجائهم.
هذه المعركة الحامية الوطيس وهذا العصر الذي شهد في بدايته ما لم يشهد الناس من
قبل.. الفئة المؤمنة حول رسول الله، وحسان من هذه الفئة التي التفت حوله ولم تهن.
حسان علم إسلامي رفعه دين الله من
وهدة الجاهلية وأنقذه من رجسها، بعد أن ناصرها حوالي نصف عمره، كما يؤخذ من أكثر
الروايات.. وعرفته قبائل العرب أنه من بيت عريق الأصل وكما هو معروف عنه أنه من
سلسلة من الشعراء بلغ عددها سِتةً.
هل يكون هذا الإنسان أهلاً -فضلاً
عن أنه صحابي- لما يُلبَّس عليه من اتهامات، وما تعرض له من تجريح، وما نالت منه الأقلام؟
وهل حسان بهذه السهولة أن يُتناول بكلمات مجحفة، ألقاها عليه بعض الكاتبين؟
ويحتجون بقول الأصمعي: «إن شعر حسان ضعف في الإسلام ولان» وهم يعرفون أن الأصمعي
نفسه هو الذي قال عن حسان -رضي الله عنه: «تنسب إليه أشياء لا تصح منه».
وأعجب من بعض الباحثين الذين
اتسمت كتاباتهم بالجدية أن يكون هذا الكلام ضمن ما كتبوا وأثبتوا بل وفيه من
الحِدّة والشِدّة الشيء الكثير، وهم الذين يبحثون عن أصول الشيء الذي من أجله
يعكفون لياليهم ويمضون أوقات نهارهم منقبين، يتتبعون الحقائق، يصطادونها من أمهات
المصادر والمراجع، ويوازنون ليستطلعوا بما هو أهل لكل دراسة مهمة تعطي صورة حقيقية
للشاعر أو الأديب أو العالم الذي أخذ الباحث على نفسه أن يقدمه بهذه الصورة الناطقة
للناس.
وكلام الأصمعي لن أخوض فيه، فليس
سوى قول من الأقوال التي قيلت في شعر حسان في الإسلام، ولن أتعرض لما ورد في بعض
الكتب القديمة من أحاديث حول لين شعر حسان وسقوطه في الإسلام.
وعلى ذلك فقد شايع كثير من الذين
كتبوا عن حسان قول الأصمعي ومضوا على طريقته، يجعلون من حسان أنه كان في الجاهلية
فحلًا، وسقط شعره في الإسلام؛ لأنه كما زعموا لم يتأثر بالإسلام تأثرًا يحوله عن
وجهته الجاهلية، وإنما ظلت جاهليته مكتومة في صدره، وكم كان ينتصر لعصبيته اليمنية،
وظل يدافع عنها، وقد عرف الرسول -عليه السلام- بغض حسان لمن لا يودهم، ويخرجون من
عصبيته التي لا ينتمون إليها، وهجاءه الفاحش لهم، ولكن النبي -عليه السلام- كان يلطف
من حدة حسان لاحتياجه إليه، وحتى لا يشعر حسان بالضيق، وأهداه بعد ذلك جاريته
سيرين التي أصبحت أمًّا لولده عبدالرحمن.
هذا الكلام وغيره يجد القارئ
للمراجع والمصادر القديمة أو حتى الكتب المتأخرة إلى عصرنا الحاضر، أن الباحثين
الجدد منهم من أخذ بع وتعصب له.. والدراسات الأدبية بعيدة عن هذا، ورحم الله من
تعرضوا في بحوثهم عن حسن نية وأخطأوا في الإنصاف.
ولكن نصاعة الحقيقة لا يغطيها
غمام المفترين والحاقدين، والمعروف أن أكثر الحوادث الإسلامية التي كانت للإسلام
فيها الغلبة حاول المغرضون تشويهها، وكثير ما شوه من حوادث الإسلام ومسخ، ولكن العقل
الحصيف يدرك، وينفذ الفكر المسلم ليكشف غطاء الزيف عن الحقائق،
ما مصدر هذه الأشياء؟
المعروف أن أصحاب الأهواء
والمغرضين وجدوا فرصتهم وراحوا يضعون ما يحلو لهم ويرادف ويؤيد دعواهم، التي يعشقون،
فانتحلوا، وزادوا، بل خلطوا أشعار الشعراء، حتى ليبدو من الصعوبة التفريق في أقوال
الشعراء الأقدمين.
وحسان -رضي الله عنه- ممن لم تثبت
لهم الدراسات الأدبية على هذا الدى البعيد، الصورة المطلوبة لشاعر كان مشعلا، ولكن
جاءت أخباره مهزوزة ضعيفة.. وكم يدهش المرء عندما يلاقي أن الصورة التي يرسمها
باحث، نجد نقيضًا لها عند باحث آخر.. ولعل الأهواء تلعب دورها في الحديث عن هؤلاء
الرجال المسلمين.
وثابت لدي من استقرائي لهذه
الدراسات أن شعر حسان تعرض أكثره للنحل والوضع، وإن دلّت بعض البحوث على أن شعره
الجاهلي قد ثبتت روايته بصحة جيدة، لوجود من يرويه بأمانة، ووصل -على أكثر
الاتفاقات- على أنه منسوب لحسان نسبة صحيحة.
وهنا أسأل: إذا كان شعر حسان
الجاهلي قد دون تدوينًا سليمًا، وعُرف له، وحُفظ من طريق يعتد بها وهو الأسبق، وقد
وصل، والشكوك حوله لا تثار، فلماذا يبقى شعره الإسلامي في حكم المفقود؟
ويصرخ كثيرون ويضجون عندما
يتحدثون عن حسان، ويتهمونه بأنه ليس كما كان في الجاهلية فحلاً، ويتهمون شعره
بالسقوط.. وببرود العاطفة، وعدم تأثره بالإسلام، وليس هذا الكلام صحيحًا، وإنما لن
أتسرع، وأحكم حكْمِي الذي أراه.
ولكني أقول: إن شعر حسان في
الإسلام إنما كان نابعًا من تماس مع هذه العقيدة التي حركته، والتي هو جزء منها،
وهي جزء منه، وإلا لما استطاع أن يقول الشعر الذي تصدقه المناسبات، ويبتسم المصطفى
-عليه السلام- ويدعو لحسان، والصِّدِّيق ينظر تحقيق ما قال حسان.
ولكن لا بد من دراسة شعر حسان
الإسلامي دراسة أدبية وافية، وأني يمسك الخيط من أوله حتى يمكن الوصول إلى ما يبتغيه
الحق أن يكون.
أما قضية
حفظ شعره الجاهلي، وضياع الإسلامي فهو موضوع شاق، طويل، وكفى المسلم أن يعرف أن
حسانًا ممن انتصروا لدعوتهم، والمنتصر لدعوته محارَب من قبل أعدائه ومبغضيه.
فجاءت
نقطة محسوبة على شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم.
والأخرى
ما كان يعتمل في نفوس الناس ومحاولتهم الانتفاع من سمعة حسان وشهرته فوضعوا عليه
الشعر ونسبوه إليه فنسخ في الكتب ووصل إلينا وحسان لم يقل منه حرفًا.. وما خلط من
شعر شعراء المسلمين في شعره كثير كما نسب شعر ابنه عبدالرحمن إليه. والغثاء الذي
حمله حسان من قبل الكارهين له الذين أرادوا تضعيف شعره لن يبقى في الميزان الدقيق
الذي يقيم شعر حسان.
ومن
اجتماع العوامل ضُيع شعر حسان الذي قاله في الإسلام إلا قليلًا..
وأعرف أن
هناك دراسات تعد عن حسان الآن، ولكني أقول إن من يريد أن يتصدى للكتابة عنه لا بد
أن يكون على علم بأحوال حسان: سيرته ومنهجه- جاهليته وإسلامه، ويضع المقاييس التي
يمكن البحث عما كان من حسان، وأن لا يتسرع في حكمه على بيت يراه، فما أكثر ما أُخذ
عليه وهو مظلوم فيما أُخذ عليه.
فـ«إسلامية»
الفكر مطلوبة فيمن يكتب عن الأدب الإسلامي وعن شاعر مسلم وقف حياته للدعوة مدافعًا
وللرسالة ناصرًا وللنبي مؤيدًا.
ولعل
الله يقدرني فأنصف حسانًا مما حمل، وأعيش معه فترة أتملى في حياته الإسلامية الثرة،
وأَنقل حديث حسان كما تريد الأمانة نقله، وما يرتضيه الضمير وتستريح إليه النفس..
وفي الختام أردد مع شاعر النبي الكريم:
أكرم
بقوم رسول الله قائدهم إذا
تفرقت الأهواء والشيع