العنوان إنه الحقد الأعمي والتعصب المقيت
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2012
مشاهدات 58
نشر في العدد 2020
نشر في الصفحة 57
السبت 22-سبتمبر-2012
إنه لأمر مستنكر و سلوك مستهجن، أن يصل الحقد الأعمى، و العداء السافر، بفئة متعصبة ممن يعرفون ب«أقباط المهجر»، ومعهم القس المتطرف «تيري جونز» بإعداد فيلم يسيء إلى مقام الرسول ﷺ، ويزدري مشاعر أكثر من مليار ونصف المليار مسلم في شخص قائدهم ومعلمهم، رسول السلام والإنسانية الذي جاء هدى ورحمة للعالمين، وأرسى قواعد الخير والأمن والسلام والتعارف بين الشعوب.
لقد حال التعصب المقيت دون أن يدرك المتطاولون على رسولنا الكريم أنه انتقل بالبشرية نقلة نوعية من ظلمات الجهل والثأر إلى نور العلم واليقين والتعايش السلمي والحضاري بين المجتمعات الإنسانية، وأنصف المرأة واسترد لها كرامتها وأهليتها وإنسانيتها، «النساء شقائق الرجال» في زمن «شياها» الآخرون، وتعاملوا معها على أنها سلعة.
لقد دعا ﷺ إلى نصرة المظلوم، ورد الظالم عن ظلمه، وقول الحق عند سلطان جائر، وإعانة المحتاج، وكفالة اليتيم، وإغاثة الملهوفين، وجعل معايير التفاضل بين الناس على أساس التقوى والعمل الصالح، وليس على قاعدة الجنس والعرق والنسب والجاه والسلطان، وأقر حقوق الإنسان قبل أكثر من ١٤٠٠ سنة، واعتبر أن الدم والعرض والمال لهم حرمة خاصة لا تمس ولا يعتدى عليها.
إن هذه الإساءات المتكررة لن تنال من مقام نبي عظيم بهذه المكانة الرفيعة، رسول الهدى والتوحيد، صاحب الدعوة الإسلامية التي انتشلت الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام وسماحته، ومن الفوضى والهمجية ووأد البنات إلى الرقي ومكارم الأخلاق وإحقاق الحقوق لشرائح المجتمع كافة حتى البهائم.
إن محمدًا خاتم النبيين ﷺ نال من الحب والاعجاب ما لم ينله أحد، وما ذلك إلا لهديه الرشيد وصدق دعوته وأسوته الحسنة وارتباط منهجه الإسلامي الشامل بواقع الناس واحتياجاتهم الروحية والحياتية، وليس هناك أتباع لنبي من الأنبياء ارتبطوا بأنبيائهم تلك الرابطة القوية التي تربط المسلمين برسولهم العظيم، وليس بمستغرب أن تهب الأمة الإسلامية في جميع أرجاء العالم رفضًا لهذا الفيلم الرديء، ودفاعًا عن سيرته العطرة.
ونحن في هذا العصر الذي تكثر فيه المكائد والفتن، وتدير فيه حملات التشويه، في أمس الحاجة إلى أن نسترشد بهديه في جميع خطانا ذكرًا وصلاةً وسلوكًا، وإتباعًا واقتداءً وتأسيًا واستلهامًا لمواقفه وتوجيهاته النبوية الشريفة.
والحال أنه ما من مسلم يمر بضائقة أو يحزيه أمر ويعود فيه إلى الله تعالى وسنة رسوله ﷺ بصدق وإخلاص، إلا وانقشعت غمته وزال همه وانفرجت كربته، ومن هنا نقول: إن مقياس الإيمان بالله، هو امتلاء القلب بمحبة رسول ﷺ وتلك هي قمة النصرة المرجوة، بحيث تغدو تلك المحبة متغلبة على حب النفس والوالد والولد والناس أجمعين، روى الشيخان وغيرهما عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».
إن الرسول ﷺ بما كابده من مشاق وما عاناه من مكائد وما بذله من جهد مضن حتى وصلت إلينا الدعوة الإسلامية، لجدير يحب أمته له والذود عن عرضه، ولنا في صحابته الأجلاء الأسوة الحسنة، روى البخاري عن عبد الله بن هشام قال: «كنا مع النبي ﷺ وهو أخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ «والذي نفسي بيده! حتى أكون أحب إليك من نفسك» فقال عمر: فإنه الآن والله، لأنت أحب إلى من نفسي، فقال النبي ﷺ: «الآن يا عمر».
وعلى أمة الإسلام أن تدرك أن النبي ﷺ كما ذكر ابن القيم كان أكمل الخلق ذكرًا لله عز وجل، بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه، وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكرًا لله وإخباره عن أسماء الرب وصفاته، وأحكامه وأفعاله ووعده ووعيده ذكرًا منه له، وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وحمده وتسبيحه ذكرًا منه له، وسؤاله ودعاؤه إياه ورغبته ورهبته ذكرًا منه له، وسكونه وصحته ذكرًا منه له بقلبه، فكان ذاكرًا لله في كل أحيانه، وعلى جميع أحواله، وكان ذكره الله يجري مع أنفاسه، قائمًا وقاعدًا أو على جنبه، وفي مشيه وركوبه ومسيرة ونزوله ومصيره وظعنه وإقامته.
إننا ونحن نواجه مثل هذه الإساءات البغيضة، من حقنا أن نستنكر بكل الوسائل السلمية والقانونية هذا التجاوز غير الأخلاقي، ونتخذ الإجراءات والتدابير المدروسة التي تحول دون تكرارها، شريطة أن يكون هذا الغضب بأسلوب حضاري ونهج راشد ودون عنف أو إراقة دماء، فلا يجوز الاعتداء على الهيئات والمنشآت والسفارات، ولا يجوز استهداف الأشخاص عملًا بقول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ (فاطر: 18)
كما أن مواجهة الإساءات توجب على المسلمين التمسك بأخلاق النبي ﷺ وجعلها نبراسًا منيرًا نستضيء به في الظلمات، ونبدد به ما جلبته لنا المناهج المادية والوضعية من أفكار وتصورات لا تنسجم مع هويتنا و خصوصيتنا الثقافية والحضارية الإسلامية،
وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.