; إن الهم منفرج | مجلة المجتمع

العنوان إن الهم منفرج

الكاتب محمد جعفر الندوي البهتكلي

تاريخ النشر السبت 03-يناير-2004

مشاهدات 70

نشر في العدد 1583

نشر في الصفحة 53

السبت 03-يناير-2004

  •  الضعيف يحتج بقدر الله.. القوي يعلم أنه هو قضاء الله الذي لا يُرد!

اليأس مرض عباء، إذا أناخ بأحد قعد به عن النهوض بالعمل وهو سلاح يستعمله الأعداء لتقليم أظفارنا في كل الساح، إن عدونا اللدود يعتقد أن الإنسان إذا تمكن منه هذا الداء الدوي صار طريح الفراش مغلوبًا على أمره مهيض الجناح مقلوم الأظفار مهضوم الحقوق ويتجرع الصاب والعلقم من الذل، ولكن لا يحرك ساكنًا.
لذا فهم يبثون ويدسون في قلوبنا السم الزعاف من اليأس عبر وسائل الإعلامية المقرومة والمسموعة والمرئية وبتغيير المناهج الدراسية فانطلت على الأغلبية الساحقة من المسلمين.
اليأس يحدث في صاحبه ضعفًا وعجزًا، ويورثه وهنا وقعودًا، وما نأى المسلم عن كتاب الله إلا جثم على صدره مرض اليأس ينخر في جسده ويفت في عضده.
آثار اليأس مدمرة
وإن لهذا الداء ثماراً مرة، وأثاراً مهلكة، منها:
أولًا: إنهاك قوة الدفع، فما عم الشعب يأس إلا أنهك قوة دفعه فمن لم يزد عن حوضه يتهدم ومن لم يدفع عن نفسه يظلم وحقوقه تهضم.
ثانيًا: تقليد الغالب: هذا أمر لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان، بأن القلب لا يسعه الشيئان معًا لأن تبارك وتعالى قال: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ﴾ (الأحزاب: ٤). وقال ابن الجوزي لا يجتمع في قلب أحد. حب الغناء وحب القرآن إلا طردت إحداهما الأخرى. وقد عقد ابن خلدون في مقدمته فصلاً في أن المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب في شعاره وزيه ونطقه سائر حواله وعوائده والسبب في ذلك أن النفس دائماً تعتقد الكمال فيمن غلبها، وانقادت له، فالمقلد إنما يريد بتقليده لغيره أن يلحق به أو ينال بعض ما نال هذا الغير مما قصرت عنه يد المقلد له.
ثالثًا: العقدة النفسية أي الشعور بمركب النقص.. وهو يعقب.. اليأس وهذه السمة تنم عن أن داء اليأس بلغ مبلغه.
رابعًا: الاحتجاج بقضاء الله، ومن خامره داء اليأس يحتج بقضاء الله وقدره وينسي أو يتناسى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد ۱۱)
يقول الدكتور الشاعر محمد إقبال: «المسلم الضعيف يحتج بقضاء الله وقدره، أما المسلم القوي فهو يعتقد أنه قضاء الله الذي لا يرد وقدره الذي لا يغلب».
في معارك الفتح الإسلامي دخل المغيرة بن شعبة على قائد من قواد الروم فقال له قائد الروم من أنتم؟ قال: نحن قدر الله أبتلاكم الله بناء فلو كنتم في سحابة لصعدنا إليكم أو لهبطتم إلينا.
خامسًا: مواطأة الأعداء: إذا أستبد بشعب اليأس فإنه يواطئ الأعداء على ما يريدونه فيحققون بهم أحلامهم وأطماعهم وخططهم، إنهم يرون بأم أعينهم ما يفعل بإخوانهم من إراقة دمائهم والتمثيل بجثتهم ودك بيوتهم وقمع حريتهم وتضييق الخناق عليهم، فلا يجرؤون على الكلام فضلًا عن الدفاع عن هؤلاء أو الدفع عنهم، وهذا واجب عليهم، يسألون عنه يوم القيامة، بل إنهم قد يسلمون إخوانهم لأعدائهم، تلبية لطلبهم وحيازة لرضاهم.
ولله د ابي الوفاء بن العقيل القائل: إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب المساجد وضجيجهم بلبيك، بل أنظر إلى مواطنتهم أعداء الإسلام.
أيها المسلم: لا تيأس وكن رابط الجأش قوي البأس، فإن الأمم الكبيرة هي التي تحول هزائمها إلى نصر، وصدق الشهيد سيد قطب رحمه الله.
أخي أنت حر وراء السـدود                                                       أخي أنت حر بتلك القيود
إذا كنت بالله مستعصمًا                                                        فماذا يضيرك كيد العبيد؟
أخي ستبيد جيوش الظلام                                                      ويشرق في الكون فجر جديد
فأطلق لروحك إشراقها                                                         ترى الفجر يرمقنا من بعيد
ولله در ما قال جبران خليل جبران تستطيع أن تسحق الزهرة، ولكن أني لك أن تزيل عطرها؟!
إن المسلمين كانوا كالمطاط يضغطون فلا يتشكلون إلا ريثما ينفرون ثم يستردون مكانتهم ويعودون إلى عزتهم.
فأزح اليأس الذي جثم على صدرك وداو دالك بدواء القرآن الناجع، وتذكر أن العدو يريد أن يبعدك عن هذه الوصفة.
يقول المنصر ويليامز جيفور: متى تواری القرآن ومدينة ومكة عن بلاد المسلمين يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في طريق الحضارة الغربية بعيدًا عن محمد وكتابه، فقد قال الحاكم الفرنسي في الجزائر في ذكرى مرور مئة سنة على استعمار الجزائر يجب أن نزيل القرآن من وجودهم ونقتلع اللسان العربي من السنتهم حتى ننتصر عليهم.
ويقول جلادستون: مادام هذا القرآن موجودًا فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق ولا أن تكون هي نفسها في أمان!
ألم يقف وزير المستوطنات الفرنسية معتذرًا أمام «ديجول» ليقول له وماذا أفعل يا سيدي إذا كان القرآن أقوى من جيوش فرنسا؟
كل هذا وغيره يطفح وينضح بما تكنه صدورهم من خوفهم منه من الإسلام، رغم عدله ورحمته ومرونته.
وإن القرآن نعمة أي نعمة وهو خير علاج لليأس والقنوط والقعود هو إكسير الحياة ومصباح الهد فيه نبأ من قبلنا وخير ما بعدنا وحكم ما بيننا، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره العلوم أصله الله أحاط بأخبار السابقين، وحوى والآداب كلها، فهدى القلوب وأسر الألباب قال تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام 59).
قال الإمام الرازي لولا القرآن لحرم العالم كله ثلاثمائة علم، هو وصفة لأدواتنا الروحية فيالها من وصفة تهدئ روع الأفئدة وتزيح غيار ﴿القنوط الذي يعلو القلوب، كما قال تعالى: وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ﴾ (هود 120)
أخي المسلم ما دمت تعيش تحت ظلال القرآن وتعمل بما فيه فإن العدو بجيشه الجرار ومكره الشديد يتضاءل ويتصاغر إلى ناظريك:
يا صاحب الهم إن الهم منفرج                                            أبشر بخير فإن الفارج الله
اليأس يقطع أحياناً بصاحبه                                                لا تيأسن فإن الكافي الله

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1229

الثلاثاء 24-مارس-1970

أصول الاقتصاد من الكتاب والسنة

نشر في العدد 2112

119

الأحد 01-أكتوبر-2017

مار جرجس.. والإله حورس!

نشر في العدد 61

110

الثلاثاء 25-مايو-1971

لقاءات المجتمع