العنوان «هيكل» والحل الإسلامي «2 من 2»
الكاتب منير شفيق
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1998
مشاهدات 55
نشر في العدد 1312
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 11-أغسطس-1998
نأتي إلى قول الأستاذ هيكل: «إن الإسلام يشكل الهداية وأنه ينير المشهد ويحدد الخيار الإنساني لكن ليس لديه وليس بمقدوره أن يعطي مشروعًا سياسيًا، ولا حصل في الماضي».
هنا يتوجب السؤال أولًا كيف لم يحصل في الماضي؟ الجواب: لأن ثلاثة من الخلفاء الراشدين قتلوا، ولأن الأمويين سادة التجارة أخذوا سلطة الدولة، لكن هل ينفي هذا وذاك تلقائيًا عدم وجود مشروع سياسي أم أن القتل حدث لأسباب، في مقدمتها، ذلك السبب المتعلق بالمشروع السياسي، بلى لأنه كان ثمة مشروع سياسي كان لا بد من أن يخوض الراشدون والصحابة- رضي الله عنهم- في الاجتهاد حول المشروع السياسي، وكان لا بد من الصدام بالقوى التي تقاوم الإسلام ليس بسبب العقيدة فحسب، وإنما أيضًا بسبب مشروعه السياسي، وكان لا بد من الاختلاف داخل الصف الإسلامي في الاجتهاد في القضايا التي تطرحها التحديات التي واجهها المشروع السياسي الإسلامي، ويكفي أن نلحظ أن مشروع توحيد الجزيرة العربية، وإنشاء دولة، وانطلاق الفتح الإسلامي، وما عني به الإسلام من اهتمام بالعدل بين الناس بما في ذلك عدل الحاكم والعدل الاجتماعي والاقتصادي، ويكفي أن نلحظ ما قام بين المسلمين وغيرهم من مواثيق ومعاهدات حتى يطرح السؤال إذا لم يكن تم ذلك مشروعًا سياسيًا، فما المشروع السياسي؟ طبعًا لا يمكن اختصار المشروع الإسلامي بالمشروع السياسي لكن لا يمكن بالقدر نفسه أن ينكر على المشروع الإسلامي ما يحمله من مشروع سياسي.
إن ما يسميه الأستاذ هيكل بالهداية، والقيم الحياتية والقيم الأخلاقية والاختيار الإنساني يشكل إلى جانب ما يفرضه الإسلام من قواعد وتوجهات عامة في مختلف المجالات التي تعني المجتمع والدولة والحياة الدولية، شروطًا أساسية لقيام المشروع السياسي والمشروع الحضاري بما يناسب زمانهما ومكانهما وما يواجهان من تحديات.
ولنتذكر أن كل مشروع سياسي يفتقر إلى الهداية والقيم الحياتية والأخلاقية والاختيار الإنساني الذي يعطيه الإسلام- كما يقول الأستاذ هيكل- يضل ضلالًا بعيدًا، ومن ثم هل الذين يتخذون الإسلام مرجعية عند طرح مشروعهم السياسي لا يملكون أن يفعلوا عملًا إيجابيًا إلا على جبهة واحدة هي جنوب لبنان وفلسطين، كما يرى الأستاذ هيكل؟ أم أن الآفاق أوسع وأرحب حتى في المجالات الأخرى، بالضرورة، فالإسلام ابتداء من قرآنه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومرورًا بمختلف تجاربه التاريخية ومخزونه الفقهي يجعل إمكان الفعل الإيجابي يمتد إلى مختلف الجبهات ولا ينحصر في جبهة واحدة فقط بالرغم من ثقل أهميتها.
ثمة منطق وراء رفض الأستاذ هيكل أن يكون ثمة قدرة للتيار الإسلامي أن يحمل مشروعًا سياسيًا مستقبليًا، أو أن يكون بقدرة الإسلام نفسه أن يولد مشروعًا سياسيًا، هو المطالبة بجواب من القرآن والسنة، كما يبدو على موضوع جزئي تفصيلي مثل موضوع العملة والصندوق القومي، وهو ما لا يقول به أحد بمعنى الجواب المباشر، فهذا المنطق إذا ما عمم لا يبقى مكان ليس للإسلام فحسب، وإنما أيضًا لكل الجهد الإنساني النظري إذا ما طولب بأن يعطي جوابًا فوريًا على مسألة تفصيلية مستجدة، لكن السؤال هل يمكن أن يجاب عن أي مسألة تفصيلية مستجدة دون توافر مخزون ضخم من القواعد والمبادئ والنظريات والأسس الفكرية والمنهجية أو دون توافر هداية بوصلة وأهداف عامة وخطوط عريضة وقيم؟ فدراسة القضية في حد ذاتها تشكل خطوة واحدة على طريق الحل، لكنها وحدها غير كافية مطلقًا، وإنما هي بحاجة عند الخروج من الدراسة الدقيقة إلى وضعها في إطار عام لا بد من الارتكاز إليها والعمل ضمن حدوده.
وهذا قانون ينطبق حتى على الذين يدعون أنهم لا يحملون أيديولوجية أو أفكار مسبقة أو قواعد ثابتة ومبدئية، لأنهم في الحقيقة يعملون ضمن إطار عام يرتكزون إليه ويعملون ضمن حدوده بالضرورة، فإذا كان الأمر كذلك فكيف يقوم منطق ينكر على الإسلام القدرة على التعامل وموضوع العملة وصندوق النقد الدولي إن لم يكن سبق له وأعطى رأيًا في ذلك؟
وأخيرًا، ثمة أسئلة يحسن التأمل بها هل ثمة إمكان لمعالجة قضايا التنمية أو مواجهة موضوع العملة وصندوق النقد الدولي من غير وحدة، ومن غير استقلال، ومن غير رفع مستوى الاعتماد على الذات والتكامل، وبلا تحرر من التبعية والانهيار أمام عالم الأقوياء، والانهيار الروحي والنفسي أمامه؟ ثم أفلا يقدر الإسلام أن يشكل أسسًا وحلولًا لكل ذلك، أم المطلوب أن يكون في نصه الأساسي إجابة تفصيلية عن موضوع مستجد تفصيلي كأن يذكر صندوق النقد الدولي مثلًا، وإلا لا يمكن أن يكون بمقدوره تقديم إجابات وحلولًا.