العنوان إياك وحظ النفس من اختيار الصاحب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-2000
مشاهدات 69
نشر في العدد 1417
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 12-سبتمبر-2000
بقلم: عمر البشير الصديقي
لعـلك أن ترى فعلًا سقيمًا *** مودته سبيل للهلاك
العين ترتضي لكن قريبًا *** ستندم واقعًا وسط الشراك
التسرع، ونقد المفاهيم الأصيلة، واتهام النظرات المطمئنة، وجعل التحري للمصلحة شكًا وإدخال التصرف الحكيم إلى خيمة الهجران، وحل مسألة بمشكلة، وانعدام الالتفات إلى الصالح من سابق العهود أو الذكريات والأيام.
كل ذلك سبب لاهتزاز العلاقات الإنسانية، وإن بدت بمظهر جيد، فإن ذلك المظهر عامل لرتابة الأمر على ما يراد، ومن اعتاد أمرًا لم يظن المصلحة في غيره، لأنه لم يحكم عقله أولًا فتتابع الباقي من التصرفات على نسق الماضي، ولو كان الأصل صوابًا لما جنحت الفوائد عن العمل ذاك، بل لظهرت دلائلها بين الفينة والأخرى عند استكمال الفصل وبداية بأخر، وذلك مشجع على محاولة إتمام الأمر لبلوغ الأمل وعند اعتلاء المركز الأخير تظهر آثار المستصغرات، فيعلم أن النتيجة ليست بالقدر، وإنما المحاولة طلب.
يظهر ذلك جليًا عند مسألة اختيار الجليس والصاحب، فالجليس الصالح محظوظ بالمكانة الواضحة في الكتاب والسنة، وكلام الأئمة، واختياره دعوة قديمة موجهة إلى الجميع بفضلها وعللها، وعلى النقيض من ذلك حال الجليس السيئ فإنما هو نار عصرها العارفون فأبعدوا عنها سريع الاشتعال ممن استفاد منه، ففريق سمع وأطاع وفريق عصى وأضاع، وإنما صدر عصيانه عن سذاجة لم يقصدها، ففره المنظور عن المخبوء، فتجمد عقله واستسلم فرحًا بالظاهر بل مفتخرًا متباهيًا، وليس عليه من عتب إذ بان منه هذا التصرف، لأنه مدفوع بأسباب ترغمه على ذلك، ولا يقدر لها ردًا، والنفس لها كبير حظ في هذا الاختيار، لأنها قد لا تضبط من أول الأمر، أو قد يعتجر صاحبها رأيه فلا يأبه بكلام غيره، بل يتحول الأمر إلى كبر، وعنجهية تمنعه من الإحساس بنبضات الصدق في عطف العاطف ونصح الناصح، فتجده يسيء الظن لكن فيمن يطلب حسنه، وهذا -بلا شك- ضرر لم يشعر به عند اجتراعه تبعًا لاجترامه.
كما أن للشيطان دورًا كبيرًا في هذا الحكم، ذلك أن المرء قد يكون عديم الأصحاب، أو يكاد، فيسول له الشيطان أن يسد هذا الثقب بأي طاقة يستطيعها، فهنا يبحث عجلًا، ويبرم عقد الصداقة مع سفلة القوم، لأنه ليس من حل سواه، وهذا حد للنظر، واكتفاء بالعلل والتبريرات الواهية ولبئس الحل كهذا منتهج، كما قال القائل: «كالمستجير من الرمضاء بالنار».
وتجد هذا في غاية الظهور عندما يقف المرء موقفًا يضر به مع أحد من أهل الخير والصلاح، إذ ينسى جميل الخلال، ومستقيم الأخلاق، ويعدل إلى مذهب القسوة والانتقام، وأخذ الأمر على العادة وكان المدعى عليه من المعصومين أو قد حلف على عدم الخطأ مدى حياته.. وهذا الموقف، وعوائده له أثر كبير في انغلاق العقل عن فهم الحقائق وتواتره على تدليس الأمور، ووضعها في غير مواضعها. وإن امرأ مال إلى التواكل على حساب فعل الأسباب لقمين بأن يرضى بما أملاه هواه معتبرًا إياه مطلوبًا حصل على غير احتساب، وهذا مما يزيده بهجة وأنسًا، ولو أنه قلب صفحات الماضي، وقابل بين الفترات، وأحسن استخلاص النتائج، لما زاده ذلك إلا خروجًا بالأمر إلى واقع مرجو، وتلك ثمرة تشتكي قلة القاطف.
إلا أن توفيق الله مع من أحسن القصد والنية، والسلب على مكانة الأخذ، وتقدير الأمور بعد النضج، والمرء رهين بعمله، فمن أراد الفائدة وفق لنيلها، ومن طلب غيرها فقد أصاب نفسه بفعله كما قيل: «يداك أوكنا وفوك نفخ» والموقف من هذا ونظرائه معلوم، وهداية المرء مطلب عظيم لو حاوله الصحيح، والله من وراء القصد ولا فائدة من استعجال العاقبة إن لم يضر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل