العنوان إيشلون.. أُذن أمريكا للتنصت على جميع الاتصالات في العالم!
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2001
مشاهدات 56
نشر في العدد 1481
نشر في الصفحة 28
السبت 22-ديسمبر-2001
ستيف رايت: «إيشلون» يجمع الكثير من المعلومات الاستخبارية الاقتصادية ويرصد جميع الدول التي تشارك في اتفاقية «الجات»
ويليام ستودمان: العملية الاستخبارية الواحدة ينتج عنها مليون مدخل كل نصف ساعة وبعد «فلترتها» يتعامل المحللون مع عشرة فقط
«شامروك» برنامج أمريكي بريطاني مشترك يرمي لجمع البرقيات والفاكسات الدولية والتعامل معها بواسطة مختصين
تقرير استخباراتي فرنسي: تكليف عملاء سريين أمريكان بالعمل داخل شركة ميكروسوفت لتطوير برامج تسمح لواشنطن بالتجسس على مستخدمي أجهزة الكمبيوتر في العالم
أخطر ما في الأمر أن حفنة من دول أوروبا الغربية تسيطر على معظم شبكات الاتصالات في العالم منذ ظهور الأقمار الصناعية في الستينيات
دعوى قضائية من محام فرنسي ضد واشنطن ولندن تتهمهما بسرقة أسرار الصناعات الأوروبية.. وقضايا داخل أمريكا تطالب الكونجرس بالتحقيق في أعمال التجسس
التقت خمس دول ناطقة بالإنجليزية على رأسها الولايات المتحدة على مشروع متطور لمراقبة حركة الاتصالات الدولية. وقد عرف هذا المشروع بنظام «إيشلون» وهو مجرد أسم رمزي له ويقول واضعوه إنه يمكنه رصد كل رسالة فاكس ومكالمة هاتفية ورسالة إلكترونية وكل أتصال سلكي أو لاسلكي يتم في أي مكان على الكرة الأرضية.
وظل هذا المشروع طي الكتمان أكثر من٤٠ عامًا إلى أن فضحته امرأة أمريكية في عام ١٩٨٨ تدعى مارجريت نيوشام كانت تعمل- منذ عام ۱۹۷۸م وحتى منتصف الثمانينيات- منسقة لبرامج الكمبيوتر في محطة مينويث هيل في بريطانيا التي تعتبر من أكبر محطات التنصت التابعة لإيشلون.
وكانت هذه المرأة قد عملت قبل ذلك مديرة لقسم الكمبيوتر في مشروع لوكالة الأمن القومي الأمريكية الذي كانت تنفذه شركة لوكهيد بهدف توسعة شبكة إيشلون وهو المشروع الذي كان يطلق عليه 415P- ولم تتحمل تلك المسؤولة عمليات الفساد والاحتيال وإساءة استخدام الصلاحيات داخل المؤسسات التي تخطط وتدير أنظمة الرقابة الإلكترونية.
وأبلغت نيوشام ملاحظاتها حول تلك المخالفات إلى لجنة في الكونجرس الأمريكي شكلت أوائل عام ۱۹۸۸م للتحقيق في العمليات الاستخبارية كما أنها كشفت للجنة كيف أنها كانت شاهدة في محطة مينويث هيل وسط إنجلترا على عملية تنصت على مكالمة هاتفية أجراها سيناتور أمريكي في ذلك الوقت يدعى ستروم ثيرموند.
لكن تفاصيل إيشلون الكاملة ربما لم تظهر إلى العلن إلا عام ۱۹۹٦م عندما قام باحث نيوزيلاندي يدعى نيكي هاغر بنشر كتابه «القوة السرية- دور نيوزيلاندا في شبكة التجسس الدولية»، وذلك بعد سبع سنوات من البحث والتقصي وكان بحثه مركزًا في الأساس على أنشطة محطة لإيشلون أنشئت في منطقة وايهوباي جنوب نيوزيلاندا أواخر الثمانينيات.
وكشف عن أن إيشلون كان يعمل منذ سنوات عديدة وأن وكالة الأمن القومي الأمريكي كانت تتنصت على جميع الأتصالات في العالم.
وكان أول اعتراف رسمي بوجود إيشلون قد صدر عن زبيجنيو بريز نسكي مستشار الرئيس الأسبق جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي الذي أعترف ضمنيًا بالتجسس على الاتصالات الدولية زاعمًا أن توافر القدرة على الحصول على المعلومات يجعل من الصعب وضع ضوابط قانونية على ما يمكنك أن تحصل عليه بالفعل!
ودارت مناقشات داخل الكونجرس الأمريكي حول هذا النظام الذي يرى البعض أنه تجاوز كونه قضية استخبارية وأصبح مسألة دستورية إذ إنه ينتهك الحقوق الأساسية للمواطنين ورغم أن إيشلون والحديث عنه والاعتراضات عليه كانت تتصاعد خلال السنوات الأخيرة، فإنه من غير المعروف ما ستكون عليه الحملة المناهضة للمشروع التجسسي خصوصًا بعد الهجمات الأخيرة على نيويورك وواشنطن، وهي التي أثارت تساؤلات عما كان يمكن أن يفعله إيشلون لمنع تلك الهجمات والتنبؤ بها!
وتلعب وكالة الأمن القومي الأمريكية الدور الأساسي في هذا النظام إذ هي التي تقوم بإدارته وتوجيهه وتشغيله بالتعاون مع كل من الهيئة العامة للاتصالات في بريطانيا، ومؤسسة أمن الاتصالات الكندية، ومديرية الأمن الدفاعي الأسترالي وهيئة أمن الاتصالات العامة النيوزيلاندية وتعتبر وكالة الأمن القومي الأمريكية الأكثر تقدمًا وتطورًا من الناحية الفنية من بين جميع الوكالات الاستخبارية الفيدرالية في الولايات المتحدة الأمريكية ويقع المقر الرئيس للوكالة شمالي واشنطن العاصمة ويحتل مساحة واسعة جدًا. والمهمة الأساسية لهذه الوكالة التي تعمل ضمن وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» هي عمل أو فك الرموز السرية والشيفرات التي ترسل عبر الأثير.
وكشف نيكي هاجر عن أن نظام إيشلون صمم لربط جميع محطات التنصت والسماح لها بالعمل كوحدة واحدة. وتساعد الأمدية المنخفضة لهذه المحطات على التقاط كل إشارة لاسلكية من الأقمار الصناعية التابعة لمؤسسات مثل إنتلسات وتوجد محطة تنصت واحدة في وايهوباي بنيوزيلاندا واثنتان في الولايات المتحدة الأمريكية «واحدة في ياكيما الساحل الغربي، والثانية في شوجر جروف في الساحل الشرقي»، وواحدة في منطقة كورنوال ببريطانيا، وواحدة في جير الدتون في الساحل الغربي لأستراليا. ويعتقد بوجود محطة سادسة في جنوب المحيط الأطلسي.
وتعتمد الأجهزة الاستخبارية في هذه الدول على أنظمة كمبيوتر قوية جدًا تبحث في هذا الكم الهائل من الرسائل والمكالمات عن أشخاص محددين أو جهات معينة من خلال «تلقيم» هذه الأجهزة عناوين أو كلمات معينة مبرمجة سلفًا. وتقوم الأجهزة الاستخبارية بتبادل هذه العناوين والكلمات فيما بينها على شكل قواميس تدعى قواميس إيشلون تعكس اهتمامات تلك الأجهزة وأولوياتها في مرحلة محددة. فأي مكالمة هاتفية أو فاكس أو رسالة إلكترونية تحتوي على أي من الكلمات المحددة والمبرمجة سيتم تسجيلها وتحليلها فورًا. كما أن هذه الأجهزة تحتوي على أنظمة آلية متطورة جدًا يمكنها التعرف على الشخص من خلال بصمة صوته في حالة المكالمة الهاتفية، أو من خلال القراءة البصرية «في حالة الفاكس أو البريد الإلكترون» ومن ثم تسجيل تلك المكالمات أو الرسائل.
ويقوم محللون من وكالات استخبارية مختلفة بفحص حصاد اليوم السابق من الرسائل والمكالمات الهاتفية والفاكسات التي رصدتها أجهزة التنصت حيث تصل كل واحدة منها وهي تحمل تاريخ التقاطها، ومكان صدورها والجهة التي ذهبت إليها إضافة إلى أرقام مشفرة لأغراض التصنيف. فقد يشير الرقم ٥٥٣٥ إلى الاتصالات الدبلوماسية اليابانية، أو قد يشير الرقم ۸۱۸۲ إلى المراكز أو المقاسم المعنية بتوزيع التكنولوجيا المشفرة. ويتم تفريغ هذه البيانات وفك شفرتها وترجمتها ومن ثم إرسالها إلى الجهات المعنية في الدول المشاركة في إيشلون على شكل تقارير مفصلة. ويعتبر هذا النظام أكثر تعقيدًا وتطورًا من النظام التقليدي في التنصت على الهواتف وتفريغ المكالمات.
وكشف باحث أسكتلندي يدعى دانكان كامبل عن وثيقة صدرت عام ۱۹۸۱م من محطة مینويث هيل كانت تصنف قاعدة البيانات الاستخبارية هناك بعبارة «إيشلون ٢». وأستنتج الباحث والفيزيائي- الذي كرس أكثر من ٢٠ عامًا من حياته في دراسة التجسس الإلكتروني أن نظام إيشلون التجسسي كان موجودًا قبل ذلك التاريخ وأن الجيل الثاني من النظام هو الذي كان يعمل عام ۱۹۸۱م.
كما كشف ويليام ستودمان- وهو مدير سابق لوكالة الأمن القومي الأمريكية في كلمة له عام ۱۹۹۲م حول إدارة المعلومات عن طبيعة «الفلترة» التي تقوم بها أنظمة كمبيوتر- متقدمة مثل نظام إيشلون حين قال:
إن كل عملية استخبارية واحدة قد ينتج عنها مليون مدخل «مكالمة أو رسالة فاكس أو رسالة إليكترونية» كل نصف ساعة، ويقوم الفلتر بالتخلص منها كلها ويبقي ٦٥٠٠ منها ويكون منها ألف فقط هي التي تنطبق عليها المعايير الموضوعة وفي العادة يقوم المحللون باختيار عشرة منها ليتم تضمينها في تقرير واحد فقط ويعني هذا أنه من بين كل مليون مكالمة هاتفية أو عملية أتصال يتم التنصت عليها قد تقوم وكالة الاستخبارات باتخاذ إجراء ماء على مكالمة واحدة فقط.
ويعود النشاط التجسسي الأمريكي إلى بداية الحرب الباردة أو عام ١٩٤٨م، عندما وقعت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا أول أتفاق سري لجمع وتبادل المعلومات الاستخبارية وهو الاتفاق المعروف بمعاهدة. يوكوسا «UK-US». وسرعان ما انضمت كل من كندا وأستراليا ونيوزيلاندا إلى هذه المعاهدة. وأدت هذه المعاهدة إلى توحيد أنظمة ومحطات التنصت والتجسس وعمل تنسيق بين أجهزتها العاملة. ويعتقد أن دولاً أخرى مثل الدانمارك والترويج وألمانيا وتركيا وقعت اتفاقيات
استخبارية سرية مع الولايات المتحدة وأصبحت طرفا ثالثًا، مشاركًا في شبكة يوكوسا التي يرمز لها الآن بنظام إيشلون.
ووفقا لمعاهدة يوكوسا، تقاسمت الدول الخمس الناطقة بالإنجليزية مراقبة أجزاء معينة من العالم فبريطانيا تراقب وتتجسس على أفريقيا وأوروبا وشرقًا حتى جبال الأورال في الاتحاد السوفييتي السابق، وكندا تغطي مناطق شمال الكرة الأرضية والقطبين الشمالي والجنوبي، وأستراليا تراقب منطق الأوقيانوسيا.
وإضافة إلى العمل التكاملي الذي تقوم بها محطات التنصت في هذه الدول، تقوم كل دولة بتعيين ضباط اتصال لها في الدولة الأخرى المشاركة في إيشلون. فعلى سبيل المثال يوجد مكتب ارتباط أمريكي خاص في لندن وشيلتنهام بإنجلترا، بينما توجد مكاتب أتصال بريطانية في رئاسة مجلس الأمن القومي الأمريكي في فورتميد بين واشنطن وبالتيمور.
استفادة من الإرث البريطاني
استفادت الهيئة العامة للاتصالات البريطانية من وفرة مواقع التنصت والتجسس التي كان الجيش البريطاني يستخدمها في الحرب العالمية الثانية في عدد كبير من دول العالم. وكان كثير من تلك المواقع مثبتًا داخل بريطانيا والبقية موزعة في عدد من المناطق التي كانت خاضعة للإمبراطورية البريطانية كبرمودا وقبرص وجبل طارق والعراق وسنغافورة وهونغ كونغ. وكان معظم تلك المحطات ونقاط الرصد يهدف إلى مراقبة ورصد الأحداث السياسية والعسكرية في الاتحاد السوفييتي السابق والصين. وقد أكملت تلك المحطات التابعة لبريطانيا الشبكة الأمريكية التي أصبحت منذ عام ١٩٦٠م تضم آلاف مواقع ومحطات التنصت التي تعمل على مدار الساعة. وإضافة إلى تلك المحطات التي كانت موجودة في الأصل، أقيمت سلسلة جديدة من محطات التنصت في دول أوروبا الغربية لرصد الإشارات الصادرة من القوات البرية والجوية السوفييتية.
وخلال الحرب الفيتنامية كان موظفو التنصت الأستراليون والنيوزيلانديون العاملون في سنغافورة وأستراليا وأماكن أخرى يمدون القوات الأمريكية مباشرة بالمعلومات والإشارات الملتقطة من فيتنام. وعلى الرغم من الحياد الذي كانت بريطانيا تدعيه في حرب فيتنام فإن محطة التنصت الخاصة بها والموجودة في هونج كونج كانت ترصد وتقدم المعلومات عن شبكات الدفاع الجوي في فيتنام الشمالية، بينما كانت الطائرات الأمريكية بي تهاجم هانوي وغيرها من المواقع في فيتنام الشمالية في ذلك الوقت.
إن كثيرًا من عمليات التجسس والتنصت الذي تم في حقبة الحرب الباردة أصبح ملك العامة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أوائل العقد الماضي. ويعرض متحف تديره وكالة الأمن القومي الأمريكية في مقرها الكثير من عمليات التنصت والتجسس التي كانت تتم خلال الحرب الباردة. وعلى الرغم من ذلك تظل الوكالات الاستخبارية الأمريكية تحتفظ لنفسها بالكثير من العمليات التي لا ترغب بكشفها في الوقت الحالي. وكما يقول دانكان كامبل فإن الوكالات الاستخبارية الأمريكية والبريطانية كانت خلال الحرب العالمية الثانية وفي حقبة الحرب الباردة التي تلت ذلك لأكثر من ٤٥ عامًا تتنصت على كل الاتصالات اللاسلكية وتفك الرسائل المشفرة الخاصة بالدول الصديقة. والعدوة على حد سواء وكذلك الاتصالات الخاصة بالمدنيين والشركات التجارية في أنحاء العالم كما أن كل الاتصالات الديبلوماسية لكل الدول كانت هي الأخرى مستهدفة.
وإضافة إلى التنصت على المكالمات الهاتفية الفردية، تقوم وكالة الأمن القومي الأمريكية والهيئة العامة للاتصالات البريطانية ونظراؤهما في دول نظام إيشلون بجمع نسخ مطبوعة من جميع البرقيات والفاكسات الدولية من خلال مراكز في لندن ونيويورك وعدد من المدن الأخرى في العالم. وتحول تلك النسخ إلى محللين مختصين ويتم معالجتها بنفس الطريقة التي تعالج بها المكالمات الهاتفية وكانت بريطانيا قد بدأت هذا العمل منذ عام ١٩٢٠م بينما بدأته الولايات المتحدة عام ١٩٤٥م، وقد عرف البرنامج الأمريكي البريطاني المشترك بـ«عملية شامروك» واستمرت إلى أن تم اكتشافها خلال تحقيقات الكونجرس الأمريكي بفضيحة ووترجيت أوائل السبعينيات.
وتوجد أكبر محطة تنصت تابعة لهذا النظام في قاعدة الاتصالات والأقمار الصناعية الأمريكية في منطقة مينويث هيل قرب ها روجيت في مقاطعة يوركشير الإنجليزية ومهمة هذه المحطة التنصت على كل المكالمات التي تتم من خلال شبكات الاتصال المحلية والدولية في بريطانيا.
وقد كشفت مصادر صحفية عام ١٩٨٨م عن تعاون الصين مع الولايات المتحدة من خلال بناء محطتين للتنصت داخل الأراضي الصينية مهمتهما فقط مراقبة الاتحاد السوفييتي سابقًا. وأضافت أن موظفين من الجيش الصيني الذي يتولى إدارة شبكة الاتصالات الصينية تلقوا تدريبات في أحد مراكز الكمبيوتر المتخصصة في وادي السيليكون قرب سان فرانسيسكو تحت رعاية وكالة الأمن القومي الأمريكية بهدف التدرب على إدارة هاتين المحطتين الواقعتين قرب الحدود مع سيبيريا الروسية حاليًا.
كما كشفت عن وجود محطة للتجسس على الصين نفسها أقامتها بريطانيا في هونج كونج عندما كانت الأخيرة خاضعة للحكم البريطاني ولا يعرف مصير هذه المحطة بعد إعادة هونج كونج إلى الصين.
إن أخطر ما في الأمر أن حفنة من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا تسيطر منذ ظهور الأقمار الصناعية في الستينيات على معظم شبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية في العالم مما يجعل هذه الشبكات تحت مراقبة بعض الدول الغربية التي تقدم هذه التكنولوجيا. فحتى عهد قريب ظلت مؤسسات مثل كومسات إنتلسات، وإنمارسات المتمركزة بالولايات المتحدة، ظلت تحتكر تقريبًا كل الاتصالات التي تتم عبر الأقمار الصناعية. وقد استفادت الوكالات الاستخبارية الأمريكية من ميزة ارتباط هذه المؤسسات بالحكومة الأمريكية فتمكنت من اختراق حركة الاتصالات التي تتم عبر هذه الأقمار الصناعية لأغراض التجسس والتنصت على المكالمات الهاتفية والفاكسات والإنترنت.
وكما يقول ستيف رايت- وهو باحث في إحدى منظمات حقوق الإنسان البريطانية في تقريره الذي قدمه إلى البرلمان الأوروبي عام ١٩٩٨م- فإن «نظام إيشلون مصمم للأهداف غير العسكرية بشكل رئيس: كالحكومات والمنظمات والشركات في كل بلد في العالم. فعلى الرغم من وجود الكثير من المعلومات التي يجمعها إيشلون عن أعمال إرهابية محتملة، فإنه يجمع الكثير أيضًا من المعلومات الاستخبارية الاقتصادية وخصوصًا الرصد المكثف لجميع الدول التي تشارك في المباحثات الخاصة باتفاقية الجات».
ومما يؤكد حقيقة التوسع في الأعمال الاستخبارية لتشمل التجسس الاقتصادي ذلك التقرير المرفوع إلى الكونجرس الأمريكي في. نوفمبر ۱۹۹۸م والذي يشير إلى أن الشركات التي تستفيد أكثر من هذا التجسس هي الشركات التي تسهم ببناء وصيانة شبكة إيشلون وخصوصًا شركات مثل لوكهيد وبوينج ولورال ورايثون، وهي نفس الشركات التي تقوم بتنفيذ المشاريع الخاصة بالبنتاجون ووكالات الاستخبارات الأمريكية. وهذه الشركات هي المصدر الرئيس للتبرعات النقدية للحزبين الرئيسين الجمهوري والديمقراطي.
وكان تقرير أصدره البرلمان الأوروبي في يناير ۱۹۹۸م قد كشف عن قيام الولايات المتحدة بعمليات ضخمة للتجسس على شركات التكنولوجيا والصناعة والأفراد في دول الاتحاد الأوروبي واليابان على وجه الخصوص من خلال التنصت على هواتف وفاكسات هذه الشركات وبريدها الإلكتروني. وقد أدى تسريب هذا التقرير الذي أعده باحثون مستقلون إلى ضجة إعلامية في الصحف الأوروبية.
وعلى الرغم من قدرة نظام إيشلون على رصد وتفكيك معظم الشفرات التي تتم عبر وسائل الاتصال المختلفة فإن بعضها ظل عصيًا عليه وخصوصًا مع ظهور برامج كمبيوتر متطورة جدًا لتأمين إجراء الاتصالات بشكل آمن بعيدًا عن الرقابة كبرنامج «PGP» والتي يمكن استخدامها في تأمين المكالمات الهاتفية ويستخدم أفراد العصابات الإجرامية هذه البرامج دون ترخيص من الدوائر الحكومية المختصة.
لكن الإدارة الأمريكية نجحت في ديسمبر ١٩٩٨م في إقناع الدول الـ ٣٣ الموقعة على «معاهدة فاسينار» لكي تشمل حظر هذه البرامج من خلال منع استخدام التشفير وبذلك أصبحت هذه البرامج تعتبر أسلحة حربية. وكانت هذه الدول والتي تشمل الولايات المتحدة وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي، وتركيا ودول الكتلة الأوروبية الشرقية سابقًا، وكوريا الجنوبية واليابان والأرجنتين، وأوكرانيا ونيوزيلاندا وأستراليا قد وقعت في فيينا عام ١٩٩٦م هذه المعاهدة للرقابة على إنتاج الأسلحة التقليدية وللحد من تصدير التكنولوجيا وبرامج الكمبيوتر التي تحتوي على طرق إنتاج وتصنيع أسلحة الدمار الشامل. وبإضافة هذه البرامج التي تمنع التنصت على المكالمات الهاتفية وغيرها من الاتصالات إلى قائمة المحظورات تكون الولايات المتحدة وأوروبا الغربية قد انتهكت الحريات الشخصية وحقوق الإنسان فيها.
وإذا كانت أوروبا الغربية تتفق مع الولايات المتحدة حول الرؤية الأمنية الخاصة بالتنصت على أجهزة الهاتف والفاكس والبريد الإلكتروني للأغراض العسكرية والأمنية وحول الرقابة على برامج الكمبيوتر وتضييق هامش الحريات الشخصية لصالح الأمن القومي كما هو مزعوم فإن فرنسا وألمانيا على وجه الخصوص تعارضان ما يسمى بأنشطة التجسس الاقتصادي التي يتولاها نظام إيشلون. وتعتبر هاتان الدولتان «خصوصًا فرنسا» العدو الأول المستهدف من أنشطة إيشلون للتجسس الاقتصادي ومقابل ذلك تعمل فرنسا وألمانيا على إنشاء نظام خاص بهما شبيه بإيشلون على الرغم من تعاونهما مع هذا النظام في أنشطته الأخرى. ويقال إن المديرية العامة الفرنسية للأمن الخارجي ركبت محطات تنصت خاصة بها في الأراضي الفرنسية وفي عدد من مستعمراتها في الخارج مثل كاليدونيا الجديدة وفي قاعدة كورو الفضائية في غويانا الفرنسية. ويعتقد أن وكالة الاستخبارات الألمانية تشارك في هذا المشروع ومعروف أن إحدى محطات تنصت إيشلون موجودة في قاعدة عسكرية أميركية قرب ميونيخ بألمانيا.
وبشكل عام فإن أوروبا في طريقها إلى الاتفاق مع الولايات المتحدة على معايير تقنية وقانونية جديدة خاصة بالتنصت على الاتصالات ومراقبتها، مما يعني خطوة جديدة نحو ضم الدول الأوروبية إلى نظام إيشلون وكان الاتحاد الأوروبي قد تبنى عام ١٩٩٥م مذكرة حول التنصت القانوني على الاتصالات يطلب فيها من كل شركة اتصالات لا سلكية في الدول الأعضاء تركيب جهاز ربط بيني إنترفيس للتنصت يسمح بالدخول ليس على المحادثات الهاتفية فحسب بل وعلى كل البيانات المتعلقة بهذه المحادثات مثل رقم هاتف مستقبل لمكالمة ومرسلها «حتى في حالة عدم رفع! السماعة من قبل الطرف الآخر»، ومكان الهاتف المحمول إذا كانت المكالمة تتم منه أو إليه مع فك رموز الشيفرة إذا كانت الإشارة مشفرة.
ومن المؤكد أن يؤدي التورط الأوروبي في إيشلون إلى تراجع الحريات الشخصية في الدول الغربية التي طالما فاخرت بديمقراطيتها وحريتها. فقد ظهرت في عدد من هذه الدول ومنها الولايات المتحدة وهولندا قوانين تتعلق بألتزامات الشركات المزودة لخدمة الإنترنت. كما أن دافعي الضرائب الألمان دفعوا أكثر من ٢.٥بليون دولار لرفع مستوى شبكة الهاتف المحمول إلى المستويات الأوروبية الأخرى فيما يتعلق بالتنصت. ويقول ألين بومبيدو، الرئيس السابق للجنة العلمية والفنية في البرلمان الأوروبي إن الشركات الأوروبية قد دفعت ثمن إيشلون. فما دامت هذه الشركات تتعامل مع الولايات المتحدة، فإنها تفضل السكوت عما يتطلبه هذا النظام من الشركات الأوروبية المعنية.
لكن مبادرات أوروبية منفردة للتصدي للهيمنة الأمريكية على إيشلون ظهرت وكشفت المزيد من المعلومات عن هذا النظام وأنشطته بل وذهب بعضها إلى حد مقاضاة الحكومة الأمريكية بسبب تلك الأعمال. ومن هذه المبادرات الدعوى التي رفعها محام فرنسي يدعى جان بيير ميليه على الحكومتين الأمريكية والبريطانية واتهم المحامي هاتين الحكومتين بأنهما- ومن خلال شبكة إيشلون التجسسية- سرقتا كثيًرا من أسرار الصناعات الأوروبية مما أدى إلى خسائر كبيرة لها.
وكان تقرير أستخباري فرنسي قد كشف عن تكليف عملاء سريين أمریکان بالعمل داخل شركة ميكروسوفت العملاقة لتطوير برامج تسمح لواشنطن بالتجسس على مستخدمي أجهزة الكمبيوتر في العالم. وادعى التقرير أن وكالة الأمن القومي الأمريكية ساعدت في تركيب برامج سرية داخل برامج الميكروسوفت التي تستخدم في أكثر من ٩٠% من أجهزة الكمبيوتر في العالم.
وعلى ذمة دير شبيغجل الألمانية فإن وكالة الأمن القومي الأمريكية تنصتت عام ١٩٩٠م على رسائل حول مناقصة لمشروع شبكة هواتف في إندونيسيا بمبلغ ۲۰۰ ملیون دولار رست على شركة إن أي سي اليابانية. وقد تدخل الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب لدى الحكومة الإندونيسية مما أدى إلى تحويل المشروع إلى شركة «إيه تي أند تي» الأمريكية.
كما كشف تقرير صادر عن الاتحاد الأوروبي قبل سنتين عن أن الوكالات الاستخبارية الأمريكية تنصتت عام ١٩٩٤م على مكالمات هاتفية بين مسؤولين برازيليين وشركة فرنسية تدعى تومبسون واستخدمت تلك المعلومات لإلغاء عقد تركيب شبكة رادارات في البرازيل بقيمة ١.٣ مليار دولار وتحويل العقد إلى شركة رايثيون الأمريكية. كما طالب برلمانيون من إيطاليا وألمانيا والدانمارك بتحقيقات علنية حول أنشطة إيشلون التجسسية وحتى في الولايات المتحدة نفسها رفع المدافعون عن الحريات الشخصية قضية تطالب بكشف الوثائق الحكومية المتعلقة بإيشلون وذلك بموجب قانون حرية المعلومات. وطالب عدد من كبار الشخصيات السياسية الأمريكية بتشكيل لجنة تحقيق من أعضاء الكونجرس في أعمال التجسس الأمريكية التي تمت منذ قضية ووترجيت الشهيرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل