; إيطاليا تبحث عن دور إقليمي ودولي من تحت العباءة الأمريكية! | مجلة المجتمع

العنوان إيطاليا تبحث عن دور إقليمي ودولي من تحت العباءة الأمريكية!

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2003

مشاهدات 48

نشر في العدد 1555

نشر في الصفحة 38

السبت 14-يونيو-2003

شعور إيطاليا بحقيقة أنها غير قادرة على منافسة ألمانيا وفرنسا داخل القارة الأوروبية، وضعف حضورها في القضايا الدولية، جعلها في عهد رئيس الوزراء برلسكوني ترتمي في أحضان الولايات المتحدة في إطار حلف جديد خارج إطار الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، بل خارج أطر الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي لا تحظى فيه إيطاليا بالعضوية الدائمة. ورغم أن هذا الموقف لا يمثل سوى موقف الشركاء في الحكومة الحالية بروما إلا أنه استطاع تحقيق الكثير من الخطوات على طريق هذه السياسة البرلسكونية غير البعيدة عن المصالح الاستثمارية لرجل أعمال، وصل لرئاسة الوزراء في ظروف غير طبيعية في إيطاليا.

فإصرار برلسكوني على مخالفة الخط الفرنسي الألماني داخل الاتحاد الأوروبي والسير في الركب الأمريكي دليل على تشبثه بسياسته تجاه القضايا الإقليمية والدولية تحت العباءة الأمريكية. وبعد عجزه عن إرسال قوات عسكرية الاحتلال العراق ضمن التحالف الأمريكي البريطاني قرر إرسال قوات للحفاظ على مكاسب الاحتلال بدون موافقة البرلمان هذه المرة، مما أثار حفيظة المعارضة التي تهدد بإسقاطه إيطاليا برلسكوني المسكون بأمجاد روما الغابرة لا تفكر في مصالح أنية من خلال التحالف مع المحتل الأمريكي في العراق، والمشاركة في استنزاف نقط المنطقة حسب الحصة التي ستقسمها لها واشنطن فحسب، بل تسعى لنشر نفوذها في منطقة البلقان وبتفويض أمريكي أيضًا. 

إيطاليا ترسل عساكرها للعراق: فبدون تفويض شعبي أو برلماني أعلنت إيطاليا أنها سترسل ثلاثة آلاف جندي للعراق استجابة لطلب أمريكي، وستتمركز القوة الإيطالية في الجنوب قرب البصرة حيث القوات البريطانية. وقال وزير الدفاع الإيطالي برسينو: «إن مهمة القوات الإيطالية تتمثل في حفظ الأمن والاستقرار، وإعادة الأعمار، ونزع الألغام، وضمان وصول المساعدات الإنسانية وتهيئة البنية التحتية».

وقال أمام لجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الإيطالي: «سيتوجه ٣ آلاف جندي بينهم بعض النساء إلى العراق في مهمة تستغرق ستة أشهر قابلة للتجديد»، وحدد مهامها المموهة بالقول: «ستقوم السلطات المسؤولة عن المنطقة بأعمال الرقابة وسننسق بالطبع مع القوات البريطانية». وقالت المصادر الإيطالية: إن عملية نشر القوات الإيطالية في العراق ستحمل اسم «بابل القديمة». 

القرار أثار غضب الأحزاب في البرلمان الإيطالي التي طالبت بعرض القضية على البرلمان المختص في مثل هذه القضايا الدستورية، كما أثارت مسألة تمويل العملية. ويقول المعارضون «إن مهمة الجنود الإيطاليين عسكرية لا إنسانية ولا تتمتع بالشرعية الدولية»، واعتبرت المعارضة إرسال قوات تعمل تحت إمرة سلطة الاحتلال في العراق، منافيًا للدستور الإيطالي ومواثيق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي، ونددت بتجاوز الحكومة للبرلمان، إلا أن رئيس الوزراء برلسكوني أكد أنه لا ضرورة العرض القضية مجددًا على البرلمان.

وفي ضوء الانتقادات الموجهة له هدد برفع شكوى ضد من يسيئون إليه بعد ارتفاع حدة الانتقادات الموجهة، وازدياد المطالبات بإجراء انتخابات مبكرة في حال تمت إدانة رئيس الوزراء في فضيحة شركة «سميت». ويقول المراقبون إنه في حالة تمت الانتخابات فإن حظوظ المعارضة كبيرة في الفوز بعد إعلان رومانو برودي مسؤول الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي استعداده للتحدي وإمضاء خطته الأوروبية بالتنسيق مع المعارضة، بعد أن تبنت الحكومة الموقف الأمريكي من القضايا المثارة في أوروبا.

هذا المناخ السياسي العاصف تعضده إخفاقات اقتصادية وتقارير تتحدث عن أزمة الاقتصاد الإيطالي والمرحلة السيئة التي يمر بها منذ سنتين بعد أن فقد القدرة على المنافسة.

إيطاليا الكبرى!

توقفت إيطاليا عن المطالبة بأجزاء من كرواتيا والمجر تقول إنها كانت تابعة تاريخيًا لها منذ الحقبة الرومانية وحتى القرون الوسطى، وأصبحت تبحث –بتفويض أمريكي– عن هيمنة سياسية واقتصادية على المنطقة تعيد لها بعض أمجاد الرومان الغابرة.

محور البحر المتوسط:

تكتسي زيارة رئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني الأخيرة لأنقرة أهمية خاصة بسبب تسلم إيطاليا رئاسة الدورة القادمة لمنظمة الاتحاد الأوروبي من اليونان اعتبارًا من أول شهر يوليو المقبل، وكما نعرف فإن أنقرة تعتبر روما أقوى حليف ومساند لها في طريق قبول عضويتها في المحفل الأوروبي. ورغم الأزمة التي سادت العلاقات الثنائية بين البلدين بعد احتضان حكومة رئيس الوزراء السابق داليما لعبد الله أوجلان وحمايتها له عقب طرده من سورية فقد تمكن الجانبان من إزالة آثار تلك الأزمة خلال الفترة التي أعقبت سقوط حكومة داليما، وتم تسجيل تطور مثمر ومتصاعد بين البلدين منذ ذلك الحين، والآن ما الذي يمكن توقعه من وراء زيارة برلسكوني؟ وما الرسائل التي تريد أنقرة نقلها لروما؟

تحاول أنقرة دفع عجلة الاتحاد الأوروبي نحو محور حوض الأبيض المتوسط، وهي تتوقع من إيطاليا القيام بدور ريادي في تأسيس هذا المحور وبعبارة أوضح ستدعو الحكومة التركية الحكومة الإيطالية إلى طرح فكرة تأسيس محور أو منطقة مؤثرة من إيطاليا وإسبانيا واليونان وتركيا دون إدارة الظهر لفرنسا وألمانيا وبريطانيا لتشكيل مركز جاذبية واستقرار في حوض البحر الأبيض المتوسط تابع للاتحاد الأوروبي بدعم ومساهمة من دول أوروبا الشرقية.

ليس الهدف هو تشكيل بديل للاتحاد الأوروبي أو تمزيق وحدة الاتحاد بل مبادرة تضم تركيا أيضًا، وتستهدف بشكل خاص تحقيق مساهمتها الإقليمية في نشاطات الاتحاد الأوروبي وفاعلياته. وتعتقد أنقرة أن برلسكوني ينظر بشكل إيجابي لمثل هذه الفكرة كما أن أثينا بدورها رحبت في مناسبات متعددة بالفكرة حسبما تدعي مصادر أنقرة التي تقول أيضًا إن رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان نقل لنظيره الإيطالي رأي تركيا بأن الاتحاد الأوروبي فقد عقد في ١٣ مايو الجاري في مدينة بار الجبل الأسود مؤتمر ضم سبع دول مطلة على البحر الأدرياتيكي وهي إيطاليا، وصربيا والجبل الأسود، وكرواتيا، والبوسنة، ومقدونيا، وسلوفينيا، وألبانيا، وذلك على مستوى رؤساء الوزراء، ووزراء الخارجية لبحث قضايا التعاون المشترك في مجال الأمن والتبادل التجاري الثنائي، إلى جانب إسراع الخطىٰ لدخول الاتحاد الأوروبي بمساعدة إيطاليا. 

وكانت الدول المذكورة قد عقدت اجتماعًا في العاصمة البوسنية قبل ذلك لبحث توزيع ١٠١ مليون يورو قدمتها إيطاليا لدول يوغسلافيا السابقة وألبانيا لدعم المشاريع المتوسطة والصغرى في إطار تهيئتها لعملية الإدماج الأوروبية الكبرى في السنوات العشر القادمة. 

ويقول المراقبون إن إيطاليا تمثل أحد أذرع الولايات المتحدة في أوروبا إلى جانب بريطانيا وإسبانيا، وأنه أسند لها دور الريادة في منطقة البلقان وشرق أوروبا، بينما تتولى بريطانيا قيادة المنطقة الأسكندنافية، أما إسبانيا فلاتزال تبحث عن دور في أمريكا اللاتينية وشمال إفريقيا، التي تعد من دول حوض البحر المتوسط وتحاول إيطاليا أن تحصل على جزء كبير من السوق في البلقان وأوروبا الشرقية، ولاسيما في مجال التجارة وسوق السيارات الذي تسيطر عليه ألمانيا حاليًا. ويقول المراقبون إن الولايات المتحدة تعتقد أن الموقع الجغرافي لإيطاليا القريب من البلقان يساعدها على أداء مهمتها على أحسن وجه، لا سيما أن دول البلقان وأوروبا الشرقية في حاجة ماسة للمساعدات الاقتصادية للتنمية، كما أن شعوبها لا تزال في حاجة للإغاثة. وفي ظل عجز فرنسا عن منافسة النفوذ الأمريكي، وقيام ألمانيا بعمليات تقشف مالية تبقى إيطاليا اللاعب الرئيس في المنطقة، وكانت الولايات المتحدة ودول أخرى قد دعت دول البلقان للتوجه إلى آسيا للبحث عن شركاء اقتصاديين ليست لهم تطلعات سياسية في المنطقة لدعم اقتصاداتها المتعثرة نتيجة الحروب وتحولها من النظام الاشتراكي إلى اقتصاد السوق، وهو ما كشفت عنه زيارات المسؤولين الصرب والبوسنيين والكروات لدول مثل الهند، و باكستان، وماليزيا، واليابان، ودول عربية في الخليج، وإفريقيا. وتأمل دول البلقان في أن يكون لها حصة ولو بسيطة من كعكة العراق لتنعش بها جزءًا من اقتصادها الذي ينوء تحت عبء الديون الخارجية، وانعدام الأسواق، وارتفاع تكلفة إعادة البناء، بعد أن فشل السفراء الاقتصاديون في جلب رؤوس الأموال من الخارج لدعم عمليات الخصخصة والتصدير.

العلاقات الإيطالية مع دول البلقان وأوروبا الشرقية تم تدشينها باتفاقيات ثنائية ركزت على مواضيع الأمن وتبادل المعلومات الاستخبارية ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة، متقدمة بذلك على موضوعات الاقتصاد والتنمية واحترام حقوق الإنسان والديمقراطية، ويتساءل المراقبون عن العلاقة الأمريكية الإيطالية الجديدة، وعلاقة التحالف في العراق بالوضع في أوروبا الشرقية والبلقان ويقولون إن الإمبراطوريات العظمى التي عرفها التاريخ كانت تبتلع الجزء الأكبر من الفرائس وتترك لحلفائها وأحيانًا لبعض مناوئيها الفتات لإسكاتهم، وهذا ما حاول وزير الخارجية الأمريكي تقديمه لألمانيا، وعدد من الدول الأخرى خلال جولته الأخيرة.

يجب ألا يكون تنظيمًا يستند على عقيدة دينية واحدة، بل يستوجب بالضرورة أن يكون ذا تعددية دينية وثقافية، كما يجب في نفس الوقت أن يظهر كوحدة قيم سياسية متناسقة، وتتطلع أنقرة إلى أن دورة رئاسة إيطاليا القادمة ستمنحها فرصة اتخاذ خطوات ملموسة في طريق عضويتها المرتقبة في المنتدى الأوروبي، لذا يبدو أنها عقدت العزم على مواصلة خطوات ترسيخ الممارسات الديمقراطية، إذ تستعد حكومة أردوغان لتقنين المجموعة السادسة من الإصلاحات وفق معايير كوبنهاجن، إيمانًا منها بأنه لم تعد هناك صعوبات وعوائق مهمة تذكر أمام تطبيق هذه المعايير وتتضمن المجموعة السادسة المذكورة إصلاحات في مجال تعديل قانون مكافحة الإرهاب ونشاطات الوقفيات الدينية إلى جانب التعجيل بوضع الإصلاحات السابقة في حيز التنفيذ.

أما بصدد قضية قبرص فإن أنقرة تولي أهمية كبيرة للوضع الجيد الذي حاز عليه الجانب القبرصي التركي في المرحلة الجديدة في الجزيرة ولا تخفي حكومة أنقرة إيمانها بأن حل القضية أصبح أسهل وأبسط في الجو الإيجابي السائد حاليًا. وأفادت كواليس أنقرة أن بين المقترحات المعروضة على برلسكوني أن تنعكس الإيجابيات الجديدة في قبرص على عضوية تركيا في الاتحاد الأوربي.

وأخيرًا ليس سرًا القول بأن أنقرة تستعد الحملة جديدة في مسألتي قبرص وعضوية الاتحاد الأوربي خلال أشهر الصيف .

«..ووضع اقتصادي صعب»:

في يوم ١٦ مايو أضربت مكاتب البريد في إيطاليا، وأغلقت أبوابها في كل مكان، فالعاملون يطالبون بخفض ساعات العمل ورفع الأجور التي لم يتم زيادتها منذ عام ۱۹۹۰. أكثر من ١٤ ألف مكتب بريد تم إغلاقه وتظاهر ١٦٠ ألف موظف بريد في مختلف المدن.

كان هذا نموذجًا لما تعانيه إيطاليا البلد الذي يتهرب فيه الآلاف من دفع الضرائب مما ساهم في ركود الاقتصاد ودفع الحكومة لإصدار قرار بالإعفاء الضريبي لتشجيع رجال الأعمال والموظفين على دفع مستحقاتهم مستقبلًا، ولكن لا أمل في ذلك كما يقول المراقبون. 

وجنبًا إلى جنب مع إضرابات قطاع البريد، كان هناك إضراب عمال الصناعات المعدنية بسبب عقود العمل المجحفة بحق العمال، حسب ما تقوله النقابات رافقه أعمال عنف شديدة خلال الساعات التي استغرقها الإضراب، وقال زعيم نقابي: «لن نقبل بالشروط الجديدة لعقود العمل، هذه الشروط ولدت ميتة، سنلجأ لمسيرات الاحتجاج حتى تقبل مطالب العمال إنه صراع اجتماعي طويل وشاق».

كما يطالب بعض نقابات التعليم بزيادة في أجور المدرسين والموظفين الإداريين شهريًا، وقد وافقت الحكومة على مطالب بعض النقابات ووقعت عقدًا بذلك معها، ولكن بعض النقابات لم توقع وتطالب بزيادة أكبر.

وتشتكي إيطاليا من تفشي الرشوة داخل المصالح الحكومية، ورغم الإعلان عن محاكمات وإيقافات هنا وهناك إلا أن الظاهرة استحالت إلى خبز يومي في الإدارات الحكومية والبلديات، وهو ما تكرر في منطقة باري الإيطالية الساحلية حيث يخضع ثلاثة من المستشارين البلديين للتحقيق وهم من تحالف اليمين الإيطالي (فورصا إيطاليا)، والتهمة: «طلب رشوة من رجل أعمال، والاختلاس المستمر والمقصود» وكان متعهد بناء قد تقدم بشكوى فضح فيها بعض عناصر من المجلس البلدي من بينهم المستشارون الثلاثة، وكانت المجموعة قد طلبت رشوة مقابل عدم عرقلة مشروعه. 

الجريمة المنظمة وتجارة الرقيق الأبيض والمافيا التي تنخر في العظم من السمات البارزة لإيطاليا، وهذه المشكلات أصبحت اليوم هاجسًا يقض مضاجع العالم، فأعتى المجرمين من إيطاليا، وكبار تجار المخدرات إيطاليون، وكان حصول موزريني صاحب كتاب «الإرهاب الداخلي في إيطاليا» على الجائزة الأولى في البلاد دليلًا على حجم المصاب الذي تعاني منه إيطاليا.

الرابط المختصر :