بماذا أوصى علقمة بن لبيد ابنه عند اختيار الصديق؟
مما يحكى عن الصداقة والصديق وحسن اختياره، أن علقمة بن لبيد نصح ابنه فقال: يا بني إن نازعتك نفسك يوماً إلى صحبة الرجال لحاجتك إليهم فاصحب من إن صحبته زَانَكَ، وإن تخفَّفت له صانَكَ، وإذا نَزَلَتْ بك نازلةٌ مَانَكَ، وإن قلت صدَّق قولك، وإن صُلْتَ به شدَّد صَوْلَكَ. اصحب من إذا مدَدْتَ يدك لفضلٍ مدها، وإن رأى منك حسنةً عدَّها، وإن بدت منك ثلمة سدَّهَا. اصحب من لا تأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق.
بيان وفوائد:
تُعلّمنا هذه الوصية أن الصديق مرآة صديقه؛ فالصاحب الصالح يرفع قدر صاحبه،
ويعينه على مكارم الأخلاق، ويكون سببًا في تحسين سلوكه وسمعته؛ ولذلك قال علقمة: "إن
صحبته زانك".
كما تكشف الوصية عن قيمة الوفاء وحفظ الأسرار بين الأصدقاء؛ فالصديق الحق هو الذي يصون صاحبه في غيابه، ويحفظ كرامته، ولا يستغل ضعفه أو حاجته، بل يكون له عونًا وسندًا إذا نزلت به الشدائد.
ومن أسمى معاني الصداقة أن يجد الإنسان من يصدّقه إذا قال الحق، ويقوّي
عزيمته إذا واجه الصعاب، ويشاركه الخير، فلا تكون العلاقة قائمة على الأخذ وحده،
بل على العطاء المتبادل. فالصديق الوفي يفرح لنجاح صاحبه، ويقدّر حسناته، ولا
يتصيد أخطاءه، بل يسعى إلى إصلاحها وجبر عوارها.
وتنبّهنا الحكاية كذلك إلى ضرورة الحذر من الصاحب الذي يأتي بالمكائد، أو
يتقلب في مواقفه، أو يتخلى عن صديقه حين يحتاج إليه؛ فالمواقف الصعبة هي المحك
الحقيقي الذي تظهر فيه معادن الرجال، وتنكشف فيه حقيقة المودة والوفاء.
ومن العبر المهمة أيضاً أن اختيار الأصدقاء ليس أمراً عابراً، بل هو قرار
يؤثر في أخلاق الإنسان وسلوكه ومستقبله؛ فالمرء يتأثر بمن يصاحبهم، ويكتسب من
طباعهم وعاداتهم؛ ولذلك ينبغي أن يحسن الاختيار، وأن يجعل أساس صداقته الثقة
والصدق والمروءة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً