صناعة الحياة الزوجية الرشيدة (11)

أرحام متصلة.. إكرام الأهل والإعانة على البر بهم

د. عادل هندي

05 أكتوبر 2026

16

أرحام متصلة.. إكرام الأهل والإعانة على البر بهم

طوّفنا في المقال السابق مع فقه الأولويات في الحياة الزوجيّة، وتعلّمنا كيف نجعل الشـريك يتربَّع على عرش الاهتمام في ذروة انشغالنا بالحياة.

وفي هذا المقال، نخرج من الدائرة الضيقة التي تجمع الزوجين وحدهما؛ لنبسط بساط المحبة والوفاء إلى الدائرة الأوسع التي تمد هذا الزواج بالشرعية والجذور النفسية والاجتماعية؛ إنها مهارة أخلاقية رفيعة تشكل عمق الوعي الأسري المسلم؛ «إكرام الأهل والإعانة على البر بهم»؛ لنتعلم كيف نجعل من احترام أهل الشـريك ووصلهم قربة نتقرب بها إلى الله، ووسيلة نشتري بها قلب الحبيب.

أولاً: الأهل ليسوا أطرافاً خارجية.. إنهم الجذور:

من الأخطاء القاتلة في التفكير الأسري المعاصر النظر إلى أهل الزوج أو أهل الزوجة كمنافسين أو عبء على العلاقة الزوجية، هذا التصوّر المأزوم يورث ندية وصراعًا مكتوماً يفسد صفو الحياة.

إنَّ الحقيقة الشـرعية والاجتماعية تقول: إنك حين تزوجت شريكك لم تأخذه مقطوعًا من شجرة؛ بل أخذته غصناً من شجرة طيبة، ضربت جذورها في أعماق المحبة والتربية لسنوات طويلة قبل أن تلتقيا؛ لذا، فإنَّ إكرام هذه الجذور إكرام للغصن نفسه، وإهانتها أو التبرم منها قطع لشريان الحياة الذي يغذي قلب شريكك.

والبيت الرشيد هو الذي يتسع لكلتا العائلتين، ويعتبر برهما امتداداً لبركة البيت واستقراره.

ثانياً: النور النبوي.. الوفاء لأهل الحبيب في حياتهم ومماتهم:

يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف يكون الوفاء لأهل الزوجة في أعلى صوره؛ فلم يكن يقتصـر على بر السيدة خديجة رضي الله عنها في حياتها فحسب، بل امتد هذا البر والوفاء إلى صديقاتها وأهلها بعد وفاتها بسنوات طويلة، فكان إذا ذبح الشاة يقول: «أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى صَدَائِقِ خَدِيجَةَ».

وحين جاءت هالة بنت خويلد (أخت خديجة) تستأذن عليه، ارتاع لصوتها (تذكر صوت خديجة وتأثر وجدانه) وهشّ وبَشّ لها وفرح بقدومها، هذا النموذج النبوي يرسخ قاعدة عظيمة: إنّ إكرام من يحبهم شريكك هو أبلغ رسالة حب تقدمها له، وهو دليل على شهامة النفس ونبل المعدن.

ثالثاً: ثمار البر والإعانة عليه:

حين يرى الزوج زوجته تحثه على بر أمه، وتذكره بصلة أخواته، وتتحمل عناء استقبالهم ببشاشة، وحين ترى الزوجة زوجها يوقر أباها، ويصل رحمها، ويهدي لأمها، يحدث في النفوس تحول عجيب:

  • تأصيل الولاء الزوجي: يشعر الشـريك بامتنان عميق لا يمحوه الزمن تجاه طرف يقدر أهله، ويصبح مستعداً للتضحية من أجله.
  • إشاعة البركة في البيت: فالبر بالوالدين وصلة الرحم مفتاحا الرزق وطول العمر وحلول السكينة في الدور.
  • القدوة الحسنة للأبناء: الأبناء الذين يتربون في بيت يحترم الأجداد والأعمام والأخوال، ينشؤون بارين بآبائهم تلقائيًّا، فالحصاد من جنس البذر.

إنَّ البيوت المقطوعة عن بر الأهل بيوت قاحلة لا بركة فيها؛ فاصنعوا من بيوتكم واحة تتدفق منها صلة الأرحام، واعلموا أن إكرام أهل الشريك أقصـر الطرق لامتلاك قلبه، ولكن، لكيلا تقع النفوس في أسر الجدية الصارمة والواجبات الجافة، ولكي نلطف الأجواء بعد هذه المسؤوليات الكبيرة المتداخلة بين البيوت والأرحام، فإنَّ البيت الرشيد بحاجة إلى نافذة يتنفس منها الفرح، وبحاجة إلى بلسم يذيب أعباء الالتزامات؛ بحاجة إلى ضحكة بريئة، ودعابة لطيفة تكسر رتابة الأيام وتجدد شباب القلوب. 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة