أبناء الأسرة الصامتة.. حين ينفصل الأبوان دون طلاق!
ربما حظيت
الحالة النفسية للأبناء بين زوجين مطلقين بالكثير من الاهتمام، ومن ثم بالدراسات
العديدة لكيفية تفادي أو على أقل تقدير تخفيف وطأة الآثار النفسية على هؤلاء
الأبناء، إلا أن الأثر النفسي على الأبناء لأبوين منفصلين دون طلاق لم يحظ بنفس
القدر من الاهتمام أو البحث.
هناك بالطبع
أسباب موضوعية تقف وراء ذلك، منها ما هو اجتماعي، ومنها ما هو مادي، يأتي في
مقدمتها صعوبة التعرف على هذه الحالات من الانفصال النفسي أو الطلاق العاطفي
وأعدادها، إذ يكون أمر هذا النوع في الأغلب سرياً للحفاظ على المظهر الاجتماعي
للأسرة.
وهكذا تحت سقف،
ظاهره السكينة وباطنه العذاب، يحكم هذا الانفصال الصامت حلقاته على جدران البيت،
ليتحول عقد الزواج من ميثاق غليظ لبناء السكن والمودة إلى مجرد وثيقة إدارية يتم
بها حفظ المظاهر أمام المجتمع.
هذا النجاح
الظاهري للأبوين في خداع المحيطين بهما لا يعني أن ينجو الأطفال من ضريبة هذا
التظاهر، وهنا تحديداً تكمن المأساة، فخلف هذا الصمت المطبق تتربص بالأبناء أخطار
نفسية وسلوكية لا تقل ضراوة عن آثار الانفصال المعلن بل ربما تفوقها عمقاً وإيلاماً.
الطلاق العاطفي
على الرغم من أن
الإحصاءات الصادرة عن وزارات العدل أو الهيئات المختصة في البلاد العربية لم تشر
من قريب أو بعيد إلى عدد حالات الطلاق العاطفي، فإن هذه الإحصاءات الرسمية فيما
يتعلق بالطلاق الرسمي تعكس واقعاً أسرياً ذا دلالة ثقيلة.
ففي الكويت،
مثلاً، تظهر تقارير وزارة العدل تسجيلاً يتجاوز 8 آلاف حالة طلاق في أحد الأعوام
بنسبة تقارب 40% من إجمالي عقود الزواج، وفي المملكة العربية السعودية كشفت الهيئة
العامة للإحصاء عن أكثر من 50 ألف حالة طلاق خلال عام أيضاً بمعدل يتجاوز 160 حالة
يومياً، بينما تجاوز الرقم في مصر حاجز 260 ألف حالة سنوياً، وفق الجهاز المركزي
للتعبئة والإحصاء.
وهنا يجب أن
نلفت النظر إلى أن هذه الأرقام المفزعة لا تمثل سوى النتيجة النهائية المسجلة في
المحاكم، إذ إن الغالبية العظمى من هذه الحالات لم تقع بين عشية وضحاها، بل مرت
بمرحلة زمنية أطول وأعقد من الانفصال العاطفي التي حاول خلالها الزوجان الإبقاء
على الشكل الظاهري للأسرة حتى انتهت محاولاتهما بالفشل.
في هذا الإطار،
يمكننا القول: إن التلازم بين مرحلتي الطلاق المعلن والطلاق العاطفي يعد مؤشراً
يعكس حقيقة مهمة؛ وهي أن أعداد الممارسين للطلاق العاطفي أضعاف تلك المدونة رسمياً،
وهنا تحديداً تكمن الخطورة؛ إذ يتحول البيت إلى مسرح لصرخات مكتومة خلف الأبواب
المغلقة يترعرع فيه الأبناء وسط مساكنة باردة تخلت عن روح المودة والرحمة ويتنفسون
صمتاً ثقيلاً وتوتراً مكتوماً يفتك ببنائهم النفسي قبل أن يقع الطلاق الفعلي.
جروح صامتة
وهذا الفتك
بالنفسية النتيجة الطبيعية لواقع معقد يعيشه هؤلاء الصغار، ففي هذه البيوت لا توجد
أوراق طلاق، ولا تتوزع الإقامة بين منزلين، ولا يضطر الأبناء إلى الانتقال بين
الأب والأم وفق ترتيبات الانفصال المعروفة، ومع ذلك فقد يعيش هؤلاء الأبناء صورة
أخرى من الفراق، إذ يشهدون علاقة زوجية فقدت كثيراً من معانيها، ويجدون أنفسهم
داخل أسرة تبدو مكتملة أمام الآخرين لكنها تعاني تصدعاً عاطفياً لا يتم الإعلان
عنه.
إنها مفارقة
مؤلمة، فحين يتنفس الطفل داخل هذا البيت هواءً مسموماً بالصمت والجفاف العاطفي،
فإن عقله الصغير لا يستوعب منطق المحافظة على المظهر الاجتماعي الذي يحتج به
الأبوان، بل يترجم هذا الجو البارد إلى مشاعر تهديد دائم وخوف غير مبرر.
وقد كشفت
الدراسات الاجتماعية وأبحاث الصحة النفسية في مجتمعاتنا العربية عن جملة من
الأبعاد النفسية والسلوكية التي تخلفها هذه البيئة الباردة في وجدان الصغار، ويمكن
إيجاز أبرز تلك الآثار في المحاور التالية:
1- العيش في
حالة اللايقين والقلق المزمن؛ حيث تؤكد دراسات الصحة النفسية الأسرية المنشورة في «المجلة
العربية للعلوم الإنسانية والاجتماعية» أن استمرار المساكنة الباردة يضع الطفل في
حالة ترقب واضطراب دائم لعدم فهمه لحقيقة العلاقة بين والديه، خلافاً للطلاق
المعلن الذي يمنح الطفل وضوحاً يتكيف معه بمرور الوقت.
وعليه، فالطلاق
العاطفي يبقيه عائماً في بيئة مليئة بالغموض؛ ما يولد لديه قلقاً استباقياً وشعوراً
مستمراً بتهديد الأمان الأسري.
2- الشعور
الذاتي بالذنب وتراجع التقدير؛ إذ تشير الأبحاث المتخصصة إلى أن الأطفال في
المراحل العمرية المبكرة يميلون إلى تفسير الجفاء والتوتر الصامت في البيت بصورة
ذاتية، حيث يعتقد الطفل أنه السبب المباشر في تعاسة والديه أو صمتهما المطبق؛ وهو
ما ينعكس سلبياً على بنائه النفسي بتنمية شعور دائم بالذنب وتراجع حاد في ثقته
بنفسه وتوافقها الاجتماعي.
3- تشويه
النموذج الأسري واضطراب أنماط الارتباط يؤدي إلى تشكيل ما يعرف بنمط الارتباط غير
الآمن؛ وهو ما يجعل الأبناء مستقبلاً؛ إما عزوفين عن فكرة الزواج والارتباط، أو
عاجزين عن إدارة علاقات أسرية صحية وسليمة.
4- الانسحاب
الاجتماعي والهروب السلوكي؛ فالأبناء ولتفادي جحيم الصمت والتوتر المكتوم داخل
المنزل يميلون غالباً إلى الانسحاب الاجتماعي والانعزال أو الهروب المفرط نحو
الشاشات والعالم الافتراضي، وفي حالات أخرى قد يفرغون هذا الاحتقان النفسي الداخلي
في صورة سلوكيات عدوانية ونوبات غضب خارج البيئة المنزلية.
5- أيضاً يترتب
على تشويه مفهوم الأسرة أن يكبر الطفل وهو يعتقد أن العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة
نفعية جافة؛ ما يعيقه عن بناء زواج ناجح مستقبلاً، بحسب ما أشار د. مصطفى حجازي في
دراسته عن الآثار النفسية للنزاعات الأسرية.
6- الهشاشة
العاطفية وخاصة للمراهقين التي تدفع هؤلاء الأبناء للبحث عن الدفء المفقود خارج
البيت في علاقات قد تكون مدمرة لهم وجدانياً وعاطفياً وسلوكياً.
7- التراجع في
الأداء المدرسي إذ تؤكد د. منى كشيك، الأستاذة في قسم أصول التربية بكلية التربية-
جامعة دمشق، أن الطلاق النفسي يؤدي إلى إصابة الآباء بصعوبة التركيز في المدرسة وتراجع
التحصيل الدراسي.
سبل التعافي
أمام هذا الواقع
النفسي المؤلم الذي يكتوي به الأبناء خلف الجدران الصامتة، يبرز السؤال: كيف يمكن
تخفيف وطأة هذه الآثار النفسية على الأبناء أولاً، ومحاصرة هذا الانفصال العاطفي
قبل أن يتجذر ويستفحل ثانياً؟
الحقيقة أن
الجزء الأكبر لهذه المهمة يقع على عاتق الوالدين، ومن ثم فإن نجاحهما يستدعي رؤية
إصلاحية شجاعة تعمل على مسارين متوازيين؛ مسار عاجل لحماية الصحة النفسية للأبناء،
ومسار موضوعي لترميم العلاقة بين الزوجين أو حسمها بالمعروف.
ويبرز من
الخطوات التي تتعلق بتخفيف الآثار النفسية على الأبناء، ضرورة عزل الأبناء عن
منطقة الصراع والجفاء بين الوالدين والعمل على طمأنتهم، ونفي مسؤوليتهم عن الخلاف،
وإبعادهم عن دور الوسيط أو الناقل، والحفاظ على روتين أسري مستقر، فضلاً عن
الإنصات المفتوح والدعم التخصصي عند الحاجة.
أما على مستوى
العلاقات الزوجية، فيمكن السعي إلى إعادة بناء التواصل وتحديد مسار هذه العلاقات
من خلال المصارحة والمراجعة الشجاعة، وفتح قنوات الحوار واستعادة الثقة وإشاعة
الألفة، وطلب الاستشارة التخصصية وتقييم الرغبة في الاستمرار فضلاً عن تفعيل دور
المؤسسات والمجتمع.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً