أقلام نبيلة.. أدباء غربيون قبَّلوا رأس النبي ﷺ
يمكننا أن نقول
إن ويليام شكسبير (1564-1616) - كبير أدباء أوروبا في عصره وسائر العصور - قد سكت
عن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بالخير أو بالشر، وعندما أشار إليه في ثلاثيته
"هنري السادس" جاء التلميح غامضًا وأقرب إلى الإساءة؛ حيث يقول أحد
أبطال الرواية للثائرة جان دارك: "was mohmet inspired with a dove? Thou with an eagle
art inspired". أي:
(إن كان محمد يُلهَم بحمامة! فأنتِ تُلهَمين بنسر). وكذلك فعل عندما كتب في بعض
"دراماته" عن شخصيات مسلمة في (عطيل، تيتوس، وتاجر البندقية). وقد كان
ذلك تماشيًا أو تماهيًا مع أجواء العداء الصاخب للإسلام والمسلمين.
لكن كثيرًا من
الذين جاءوا بعد شكسبير من أدباء الغرب كانوا أكثر لطفًا في ملامستهم لسيرة النبي
صلى الله عليه وسلم، وأقرب إلى الانحياز العادل لشخصية المسلم؛ فبدءًا من جوته
ويوهان هردر وألفونس دي لامارتين مرورًا بتوماس كارليل وآن بيزيت وجورج برنارد شو
وصولًا إلى صموئيل زويمر وليو تولستوي ودوستويفسكي، وغيرهم الكثير، لفتهم بريق
الإسلام وعبقرية نبيه وأخلاق المسلمين، والتقطوا حبال الضوء التي نثرها محمد صلى
الله عليه وسلم في أركان الدنيا فقالوا عنه كلمات شريفة منصفة ستبقى دليلًا للغربي
الباحث عن الحقيقة، وشاهدًا ضد مزوري مسيرته وأصحاب لوثات الإسلاموفوبيا من
الغربيين.
مسلم حي في "البيت الميت"
كانت نظرة
فيودور دوستويفسكي (1821-1881) للأشياء حوله رقيقة دقيقة؛ إذ اختص ذلك الأديب
الروسي الكبير بالتجوال في عالم الموجوعين والمهمَّشين واستدعاء أرواحهم من خلف
أسوار الفقر والنسيان إلى صدارة الحضور. وقد صادفه - عندما نُفي في سيبيريا -
نموذجٌ بشري لم يتكرر كثيرًا في رحلته الطويلة بين الناس، وهو الخبير بالحياة
والأحياء، وكان ذلك النموذج لداغستاني يُسمّى "عليًّا" رأى فيه ظلال
النبي محمد صلى الله عليه وسلم فأثَّر فيه وأنعش قلمه للحكي والتسجيل؛ ففي روايته
الشهيرة "مذكرات من البيت الميت" أمسك الأديب الروسي الكبير ثيودور
دوستويفسكي بلوحة بيضاء كبيرة ورسم في إحدى زواياها ملامح بهيجة لمواطن لطيف
الطباع حسن الأخلاق، إنه يلهج بالذكر والتسبيح ويُصلي صلوات يذكر فيها محمدًا
والإسلام، يقول عنه: "كان جميع من في السجن يحبونه بسبب مرح طبعه وبشاشة
وجهه، وكان يعمل بغير دمدمة أو تذمر، هادئًا مسالمًا بغير انقطاع، يشمئز من السرقة
والفسق والاحتيال والسُّكر، بل كان يغضب من هذه الأعمال غضبًا شديدًا، ولا يطيق أن
يحتمل أي أمر معيب مشين مناف للشرف والكرامة، ولكنه لا يحاول أن يشاجر أحدًا، بل
يكتفي بإشاحة وجهه مستنكرًا مستاء، لم يقترف خلال إقامته سرقة ولا أتى أي عمل يمكن
أن يُؤخَذ عليه، وكان شديد التقوى كثير العبادة فهو يؤدي صلاته كل مساء، ويصوم شهر
رمضان ويتمسك بدينه الإسلامي، وكثيرًا ما كان يقضي الليل متهجدًا، كان جميع من في
السجن يحبونه، ويرون أنه إنسان شريف حقًّا، كان السجناء يلقبونه (نور الأسد)، وقد
بقي له هذا اللقب".
هذا التصوير
الأدبي البديع الذي يحشد لنا خلاصة الأوصاف الطيبة من رجل ماهر بوصف النفوس
وخصالها مثل دوستويفسكي يؤكد لنا الأثر الذي تركه الإسلام في نفسه، ثم ما تركه ذلك
الوصف في جمهور الأديب من تأثير وتغيير في النظرة الباردة للإسلام والمسلمين. وكم
من مسلم في زوايا الأرض وخباياها ترك في نفوس العالمين نقشًا ورسمًا عن نبي
الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم.
برنارد شو.. صاحب الكتاب المحروق
أبدى الأديب
الأيرلندي الشهير عنادًا شجاعًا غريبًا من نوعه، وجرأة لم يعرفها الكثيرون من
أصحاب الأقلام عندما اختار سردية مخالفة لما استقرت عليه الأفهام الغربية في
تناولها للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ولدين الإسلام؛ فقد صاح برنارد شو
(1856-1950) صيحته القوية بعدما لامس دهشته الأولى مع الإسلام الذي لم يكن يعرفه.
ويمكن القول إن تصور برنارد شو للإسلام جاء عبر تدرجات منطقية جرت له على مر
السنين، وظهر ذلك في عدة كتب متتالية له حتى استقرت لديه رؤية واضحة لسيرة النبي
محمد صلى الله عليه وسلم وسيرة المسلمين؛ ففي مقدمة روايته "أندروكليز
والأسد" يقول: "إن الحكومة بغير دين مستحيلة، وإن الرجل الذي يريد أن
يُعقْلِن كل شيء يموت، ولا أثر له ولا صيت بعده". ثم يتقدم خطوات أوسع في
كتابه "مرجع السياسة للجميع" حينما يقول: "إنني بما أعلمه من الدنيا
أرى أن السياسي ينبغي أن يتديَّن، ولكنه ينبغي كذلك أن ينبذ من ديانته كل تخصيص لا
يصلح للتعميم".
وتلك رؤية
إيجابية عادلة إذا ما قسناها بأطروحات العلمنة التي تعالت موجاتها في ذلك العصر
وحاولت أن تنزع الدين من كل نسيج اجتماعي أو سياسي، بل صارت تحارب الأخلاق وتكيد
لمن يحاول أو ينشرها.
ثم جاءت الخطوة
الكبرى في اتجاه احتضان دين الإسلام وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم والتي أثار
بها الزوابع وأثارت حوله الزوابع، عندما نشر مقاله عن الإسلام؛ ففي مجلة
"الإسلام الحقيقي" في ثلاثينيات القرن العشرين نشرت المجلة مقالًا
لبرنارد شو أشعل غضبًا غربيًّا ضده من قِبل من أرادوا أن تظل صورة الإسلام على
تشوُّهاتها القديمة. لكنه كان يدري ما يقول ويحسب لرد الفعل حسابه؛ حيث كتب عن
شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، وروّج لسيرته بأسلوبه الأدبي الراقي ما جعله
مرجعًا للغربيين المنصفين حتى اليوم. وقد لقي المقال انتشارًا كبيرًا، فمن ناحية
شكَّل للبعض بشرى كبرى بإمكانية انفتاح العقل الأدبي الغربي على الدين الإسلامي
والنظرة إليه نظرة نبيلة، وبالفعل تكرر ذلك كثيرًا بعد برنارد شو. ومن ناحية
معاكسة أثار توجس الكثيرين من كُتاب الغرب ومستشرقيه أصحاب الانحيازات القديمة،
والذين يعادون الإسلام لمحض العداوة تحت تأثير دعايات قديمة نشرتها حكوماتهم.
وبحسب ما يذكر
عدد كبير من الباحثين فإن المقال تُرجم إلى العربية، وتداولته الصحف والكتب، وكان
من أواخر ترجمات المقال في مجلة النور the light عام 1993، ونشرت له
الجرائد المصرية ترجمة حديثة أعادت اكتشاف المقال؛ حيث يقول برنارد شو فيه:
"إنَّ أوروبا الآن بدأت تحسُّ بحكمة محمد، وبدأت تَعشَقُ دِينه، وإنَّ أوروبا
سوف تُبرِّئ الإسلام مما اتهمته به من أراجيف رجالها ومفكريها في العصور الوسطى،
وسيكون دين محمد هو النظام الذي تؤسس عليه دعائم السلام والسعادة، وتستندُ على
فلسفته في حل المعضلات وفك المشكلات، وحل العقد، وإني لأعتقد أن رجلًا كمحمد لو
تسلم زمام الحكم المطلق في العالم بأجمعه اليوم لتمَّ له النجاح في حكمه وقاد
العالم إلى الخير، وحل مشاكله على وجه يحقق للعالم السلام والسعادة المنشودة، ثم
يقول: أجل.. ما أحوج العالم اليوم إلى رجل كمحمد ليحل قضاياه المعقدة بينما هو
يتناول فنجانًا من القهوة.. أعتقد أنه لو كان لرجل مثله (أي محمد) أن يحكم العالم
الحديث حُكما مطلقًا لاستطاع حل مشكلاته بطريقة تحقق له السلام والسعادة اللذين
يحتاج إليهما العالم بصورة ملحة".
ويصوغ معنى
لطيفًا آخر أكثر عمقًا وإعجابًا بمرونة الإسلام واتساقه مع أحوال الحياة المتقلبة
ونوازله المتغيرة، فيقول: "طالما كنت أكنُّ للدين الإسلامي تقديرًا بالغًا
نظرًا لحيويته الرائعة، فهو الدين الوحيد الذي يبدو لي أنه يملك القدرة على
استيعاب المرحلة المتغيرة من الوجود، التي يمكن أن تكون جذابة لكل عصر، وعلى
العالم بلا شك أن يُعلِّقَ قيمة كبيرة على توقعات الرجال العظام أمثالي، فلقد
تنبأت لدين محمد بالقبول في أوروبا مستقبلًا؛ لأنه أصبح مقبولًا في أوروبا
حاليًّا".
ثم يقفز برنارد
شو في مقاله قفزة أوسع للأمام كاشفًا فيها تزويرات العصر الوسيط وما تلاه من قرون،
خاصة عندما كان الغرب يواجهون وقائع النبوة وحقائق الإسلام الواضحة باختلاق أوهام
لا وجود لها؛ حيث "كان رجال الكنيسة في العصور الوسطى قد رسموا صورة بالغة
القتامة للدين المحمدي، وذلك إما عن جهل أو عن تعصب، حيث كانوا قد تدربوا في
الواقع على كراهية الرجل، محمد ودينه. وبالنسبة إليهم كان محمد معاديًا للمسيح.
لقد درست (سيرة) هذا الرجل - الرائع – وهو في رأيي بعيد عن أن يكون معاديًا
للمسيح. بل يجب أن يُسمَّى مُخلِّصَ البشرية".
ويستطرد برنارد
شو في حديثه القوي ليرسم بانوراما تاريخية جديدة للأقلام التي سبقته واستطاعت أن
تعزف على أوتار الإنصاف بثبات ونبالة، فيذكر أنه "في القرن التاسع عشر، أدرك
مفكرون يتسمون بالنزاهة من أمثال كارلايل وغوته وجيبون، قيمة جوهرية في دين محمد،
ومن ثمَّ كان هناك بعض التغيير نحو الأفضل في الموقف الأوروبي تجاه الإسلام. ولكن
أوروبا في القرن الحالي متقدِّمة للغاية عن ذي قبل. وقد بدأت تشعر بافتتان تجاه
عقيدة محمد".
وفي ختام كلامه
يقرر برنارد شو أمرًا كان السبب الرئيس في إشعال الموجة المضادة ومحاولة طمس
إدلائه الأدبي بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يقول: "إن العالم
أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد، هذا النبي الذي وضع دينه دائمًا موضع
الاحترام والإجلال، فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالدًا خلود الأبد، وإني
أرى كثيرًا من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله
الفسيح في هذه القارة - يعني أوروبا - وإذا أراد العالم النجاة من شروره، فعليه
بهذا الدين، إنه دين السلام والتعاون والعدالة في ظل شريعة متمدنة محكمة، لم تنس
أمرًا من الدنيا إلا رسمته ووزنته بميزان لا يخطئ أبدًا، وقد ألفت كتابًا في
"محمد"، ولكنه صُودر لخروجه عن تقاليد الإنجليز".
ليو تولستوي.. طرقات على باب موارَب
كأنه عاش في رحاب الدين وخالطته تعاليم النبوة دون أن تشوبه شائبة، فقد قدم الأديب الروسي الأشهر ليو تولستوي (1828-1910) ملخصًا عجيبًا عن الإسلام والمسلمين في كتابه "حِكم النبي محمد" صارت إحدى ركائز دخول الباحث الغربي المنصف إلى عالم المسلمين وبدء صناعة تصور صادق عنهم اعتمادًا على تقريرات ذلك الأديب الكبير؛ حيث يقول تولستوي: "جوهر هذه الديانة يتلخَّص في أن الله واحد، ولا يجوز عبادة أرباب كثيرة، وأن الله رحيم عادل ومصير الإنسان النهائي يتوقف على الإنسان وحده، فإذا سار على تعاليم الله فسيحصل على الجزاء، أما إذا خالف شريعة الله فسينال العقاب، وحسب ما يرى الإسلام فإن كل شيء في هذه الدنيا زائل، ولا يبقى إلا الله، وإنه بدون الإيمان بالله وإتمام وصاياه لا يمكن أن تكون هناك حياة حقيقية، وإن الله تعالى يأمر بمحبته ومحبة ذوي القربى، ومحبة الله تكون في الصلاة، ومحبة ذوي القربى تكون في مشاركتهم معنويًّا وفي مساعدتهم، وفي الصفح عن زلاتهم، وأن الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ينبغي عليهم أن يبذلوا وسعهم لإبعاد كل ما من شأنه إثارة الشهوات النفسانية والابتعاد عن الملذات الأرضية".
وقد فعل تولستوي
في كتابه هذا (حِكَم النبي محمد) الذي ترجمه الكاتب السوري سليم قُبعة ما يفعله
العرب في قراءتهم للسيرة النبوية والمتون؛ إذ اختار منها قرابة سبعين حديثًا
وعلَّق عليها، وأطال النفس في استنباط جماليات الإسلام وسيرة نبيه صلى الله عليه
وسلم متعمدًا إظهار انحيازه الطيب للمسلمين. وقد قرّظ الأستاذ محمد رشيد رضا
الكتاب في مجلته المنار بقوله: "استطرد إلى بيان أخلاق المسلمين وتعظيم
القرآن للمسيح وأمه، وأفرد فصلاً للكلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، تكلم
فيه عن حالة العرب قبل ظهور الإسلام، وأورد آيات من القرآن للحكم على الدين
الإسلامي فيها بالتوحيد الخالص والأحكام العمومية، وأبان ما كان للدين الإسلامي من
الأثر الصالح في العالم. وأورد طائفة من الأحاديث النبوية في الأحكام والحِكم
ومكارم الأخلاق، وتكلم على الحجاب وبيَّن مفاسد التهتك".
وفي كتابها
"مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي" تذكر الناقدة د. مكارم الغمري
أن العلاقة بين تولستوي ونبي الإسلام لم تكن علاقة كاتب قارئ يريد أن يترك لفتة عن
ديانة موجودة "بل هو في الواقع تعبير صادق عن مدى تأثره بسيرة الرسول
وأحاديثه، وأيضًا تأثره بأسس المعاملات الإسلامية والأحكام الاجتماعية التي تضمنها
القرآن والحديث. وقد بلغ إعجاب تولستوي بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم حدًّا
كبيرًا جعله يفكر في إعداد طبعات شعبية لكتاب يتناول حياة الرسول".
ومن أشهر ما جرى
بين المسلمين وتولستوي هو مراسلة الإمام محمد عبده للأديب الروسي يعظه ويسامره
ويفتح حوارًا جميلًا بين حضارتين ولغتين وفكرين، ويقدم للأديب الكبير أسمى آيات
الحفاوة والتبجيل مقدرًا إسهامه في تعطيل مدِّ التشويه الذي مارسه كثير من
الغربيين. فجاء رد تولستوي بعد التحيات "تلقيتُ خطابك الكريم الذي يفيض
بالثناء عليَّ، وأنا أبادر بالجواب عنه مؤكدًا لك ما أدخله على نفسي من عظيم
السرور حين جعلني على تواصل مع رجل مستنير، وإن يكن من أهل ملة غير الملة التي
وُلدت عليها ورُبيت في أحضانها، فإن دينه وديني سواء؛ لأن المعتقدات مختلفة وهي
كثيرة، ولكن ليس يوجد إلا دين واحد هو الصحيح، وأملي ألا أكون مخطئًا إذا افترضت،
استنادًا إلى ما ورد في خطابك، أن الدين الذي أؤمن به هو دينك أنت، ذلك الدين الذي
قوامه الإقرار بالله وشريعته، والذي يدعو الإنسان إلى أن يرعى حق جاره، وأن يحب
لغيره ما يحب لنفسه".
توماس كارليل يكشف عار أوروبا
في كتابه
"الأبطال وعبادة البطل" اختار الكاتب الساخر والمؤرخ الأسكتلندي توماس
كارليل (1795-1881) أن يسلك درب الداعمين للصورة النقية للإسلام والمسلمين،
ويفنِّد مزاعم متطرفي الغرب حول سيرة النبي صلّى الله عليه وسلم، ويهاجم اللوثة
التي أربكت الكثيرين وأخرجتهم عن مسار التحقيق والبحث المسئول، فيقول: "يزعم
المتعصبون من النصارى والملحدين أن محمدًا لم يكن يريد بقيامه إلا الشهرة الشخصية
ومفاخر الجاه والسلطان. كلا والله! لقد كان في فؤاد ذلك الرجل الكبير ابن القِفار
والفلوات، المتورد المقلتين، العظيم النفس المملوء رحمة وخيرًا وحنانًا وبرًّا
وحكمة وحِجى وإربة ونهى، أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه،
وكيف لا وتلك نفس صافية ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين..
وإني لأحب محمدًا لبراءة طبعه من الرياء والتصنع".
وهاجم كارليل من
حاول التنقُّص من نبي الإسلام بصيحة قوية كأنه أحد أبناء الإسلام وأتباع الديانة،
واعتبر أن ذلك التشويه هو عار يلحق بالغرب قبل أن يلحق بمحمد صلى الله عليه وسلم،
لأن الافتراءات تخرج من بؤر مشبوهة بعيدة عن العلم والعدالة منبهًا إلى الالتفات
إلى حجم الرواج الذي حققه ذلك الدين، وعدد أتباعه الذين اقتربوا من تعداد المسيحية
التي سبق وجودها وجودهم بقرون؛ فيؤكد أنه "أصبح من أكبر العار على أي فرد
متمدين من أبناء هذا العصر أن يُصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب وأن محمدًا
خدَّاع مزور، وآن لنا أن نحارب ما يُشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة فإن
الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت هي السراج المنير مدة اثني عشر قرنًا لنحو
مائتي مليون من الناس أمثالنا خلقهم الله الذي خلقنا، أفكان أحدكم يظن أن هذه
الرسالة التي آمن بها ومات عليها هذه الملايين التي يصعب حصرها أكذوبة وخدعة؟ أما
أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدًا، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله
هذا الرواج ويصادفان منهم مثل ذلك التصديق والقبول، فما الناس إلا بُله ومجانين
وما الحياة إلا سخف وعبث وأضلولة".
ألفونس دي لامارتين.. عاشق الشرق
الفيلسوف
والشاعر الفرنسي ألفونس لامارتين (1790-1869)، رجل له موقع منير في التاريخ
الفرنسي والسياسة الفرنسية، كانت له رحلات خاصة إلى بلاد المسلمين؛ حيث زار القدس
وطالع حياة العرب الموحدين، ودخل تركيا غير العربية التي لا تقل قوة في عقيدتها عن
العرب المسلمين، وحاول برغبة صادقة أن يتعرف إلى تلك الروح العجيبة التي تبسط
أجنحتها على جميع المسلمين باسم الدين. ورغم ما يُعرف تاريخيًّا عن استحكام العداء
الكاثوليكي الفرنسي للإسلام والمسلمين، إلا أن لامارتين اتخذ مسارًا مغايرًا
مدفوعًا بطبيعته الباحثة الراغبة في المعرفة، وكذلك بأجواء المدرسة الرومانسية
التي خرج من عباءتها؛ حيث جذبه الشرق ونوستالجيا القديم، فأفسح لنفسه مسارًا
واسعًا يدلف من خلاله إلى براح الدين الإسلامي ويتعرف على نبيه الكريم، وسجل
انطباعاته ومشاهداته في كتاب كان عنوانه "حياة محمد" الذي كان أحد
مجلداته كتابه "تاريخ تركيا".
وقد سجل
لامارتين في الجزء الخاص بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم مواضع القدوة والقوة في
حياة محمد داعيًا الغرب إلى إعادة النظر في معلوماتهم عن الرسول الكريم. وكما جرى
مع برنارد شو من محاولة العقاب الأدبي على جرأته في إعلان الانحياز للإسلام
والمسلمين، كذلك فُعل مع لامارتين من قبل الفرنسيين المتعصبين حتى إن بعضهم اتهمه
بأنه تحصَّل من المسلمين على رِشى مالية في مقابل دعايته لهم!
يقول لامارتين
في كتابه الذي ترجمه د. محمد قوبعة: "ما من إنسان ألبتة رسم لنفسه إدراك هدف
أسنى مما نوى بلوغه، إذ كان هدفًا يفوق طاقة البشر يتمثل في نسف المعتقدات الزائفة
التي تقف بين المخلوق والخالق، وإرجاع الله للإنسان، وإرجاع الإنسان لله، وبعث
فكرة الألوهية المجردة المقدسة في خضم فوضى الآلهة المادية المشوهة، آلهة الوثنية،
وما من إنسان ألبتة - في نهاية المطاف - قدر على أن ينجز في وقت أوجز ثورة على
الأرض أعظم ولا أبقى مما أنجز محمد.. فإذا كانت عظمة المقصد، وضآلة العدة وضخامة
النتيجة، هي مقاييس عبقرية الإنسان الثلاثة، فمن يجرؤ أن يقارن - على الصعيد
الإنساني - أي عظيم من عظماء التاريخ الحديث بمحمد؟ إذ إن أبعدهم في الشهرة لم يهز
سوى أسلحة وقوانين وممالك، ولم يؤسس - إن كان أسس شيئًا - سوى قوة مادية غالبًا ما
انهارت قبل أن ينهار هو، أما محمد فإنه قلقل جيوشًا وتشريعات، وزرع ممالك وهز
شعوبًا وعروشًا، بل إنه هز فوق ذلك معابد وآلهة وأديانًا وأفكارًا ومعتقدات
وأرواحًا".
ويدخل لامارتين
في تفصيلات أعمق في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وممارساته اليومية لينقلها
بصياغات مُحبة معجبة، فيقول: "إن حياته وخشوعه وشجاعته في تسفيه آلهة قومه
ومعتقداتهم، وجرأته في مواجهة سخط الوثنيين، وثباته على احتمالهم ثلاث عشرة سنة في
مكة، ورضاه بأن يكون مثار سخرية من قومه، بل وبأن يكاد يكون ضحيتهم، وهجرته،
ودعوته دون هوادة، وحروبه المتفاوتة القيمة وثقته بالنجاح والظفر، ونجاته بما يفوق
طاقة البشر عند الهزائم، وعفوه وحلمه عند النصر، وطموحه إلى تحقيق فكرة لا إلى
بناء ملك.. كل ذلك يشهد بأننا بإزاء ما يتجاوز الادعاء، بإزاء إيمان واقتناع.. إنه
فيلسوف، خطيب، نبي، مشرِّع، مقاتل".
وختامًا، من
الجدير بالتنويه أن كتابات لامارتين وغيره من الغربيين المذكورين لم تكن صافية
تمامًا من شوائب الانطباع الغربي التقليدي ورؤاهم العتيقة المُعلَّبة عن تاريخ
المسلمين، لكنهم كانوا من أفضل من كتبوا عن الإسلام وحاولوا بجهد واضح أن يصلوا
إلى الحقيقة أو بعضها، وذلك مقارنة بطبقات أدبية وفكرية أخرى جامدة متكلسة من
الغرب المعادين أصحاب الرؤى القاتمة والأحكام الجائرة والعقليات الكسولة التي لم
تسعَ للبحث في أعماق هذا الدين وسيرة نبيه العظيم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً