أنا مطلقة.. وأفتخر!

منى عبدالفتاح

25 ديسمبر 2025

266

حينما تسمع امرأة تفتخر بأنها مطلقة، فنحن أمام خلل كبير؛ وأزمة أكبر، بتداعياتها الجسيمة، من انهيار الأسرة، وتشرد الأبناء، وتفكك المجتمع، وتفشي الفاحشة.

ربما يكون الطلاق لسبب وجيه، أو لاستحالة العشرة بين الزوجين، أو لخيانة من أحد طرفي العلاقة؛ لكن الأمر ليس محل تفاخر ومباهاة، أو موضع ثناء ومدح، وقد انهار ميثاقٌ أعلى الشرع من شأنه، ووصفه القرآن الكريم بالغليظ، فقال تعالى: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) (النساء: 21).

إن مما ابتلينا به في العصر الحالي هذا التفاخر المذموم بالطلاق، فتجد إعلامية مصرية تدعى «ن. إ» تقول: إن «الطلاق الآن أصبح شيئاً عادياً جداً، البنات أصبحت تقول: أنا مطلقة وأفتخر»! وإعلامية سعودية «ل. ع» تؤكد عدم خجلها من لقب مطلقة، قائلة عبر حسابها الرسمي على «إنستغرام»: «أنا مطلقة وأفتخر؛ لأنني اخترت الطلاق بإرادتي كوني حرة أملك قرار نفسي، والأهم أني مقتنعة كون راحتي أهم من نظرة المجتمع لي»!

تحريض نسوي

مرد هذا التفاخر، بدون أدنى شك، لا يستند إلى أسباب واقعية أو منطقية، بقدر ما ينطلق من أفكار نسوية متطرفة، تشجع على الطلاق والتمرد على الزواج؛ بدعوى التحرر من سيطرة الرجل، وإثبات تفوق المرأة، وقدرتها على الاستقلالية والتحدي وقهر المستحيل.

تتفاخر بأنها مطلقة وحرة، ثم تقبل أن تكون عشيقة في السر، وربما تنزلق إلى أوكار الفاحشة والشذوذ، وقد تتوق إلى العفاف، فترضى بزواج سري، أو عقد عرفي، أو زواج متعة، فهل هي تلك الحرية التي كانت تطمح إليها؟!

ومن المطلقات من تتحصن بأهلها، وترفض الزواج ثانياً، ثم ترضخ لماكينة الحياة القاسية، فتصبح ترساً في آلة مادية لا ترحم، تمنحها القليل من المال، فتأسرها باسم المادية والاستهلاكية، تحت شعارات زائفة من نوعية «عمل المرأة» و«حقوق المرأة» و«تمكين المرأة»، فهل هذا محل فخر؟!

حفل طلاق!

وقد احتفت مؤثرة جزائرية، تدعى «س. ح»، بطلاقها، بعدما أقامت حفل طلاق، وتلقت التهاني في فيديو نشرته على مواقع التواصل، قائلة وهي أمام كعكة كبيرة: «اليوم سأحتفل بعيد ميلادي، وليس هذا فقط، ولكن أيضاً حفل طلاقي»! بحسب «العربية نت».

العام الماضي، صرحت مؤثرة جزائرية تدعى «م. ر» بأنها «أول من أطلق موضة الطلاق في الجزائر»، لتتصدر «الترند» على مواقع التواصل في الشارع الجزائري.

وقبل سنوات، أقامت مذيعة سعودية تدعى «خ. أ» حفلاً بمناسبة طلاقها من زوجها، برفقة عدد من صديقاتها، اللواتي أخذن يرددن: «عاش الطلاق»! كما أقامت مصرية حفلاً للغرض ذاته، مستعينة بقالب من حلوى الكيك، مكتوب عليه «حفلة طلاق»؛ احتفاء بحصولها على الطلاق بعد عامين من إقامة دعوى قضائية، في محاكم الأسرة، وفق صحف مصرية.

أعرف شخصياً من تتفاخر بطلاقها مرتين، مدعية أنها تحررت، وتعافت من الألم الذي لحق بها، دون النظر إلى مسؤوليتها عن فشل الزيجتين، أو ما ترتب جراء ذلك من تشرد الأبناء، وضياع مستقبلهم.

إن الإساءات المتكررة الموجهة -عن عمد- إلى مؤسسة الزواج؛ إعلامياً وثقافياً وفنياً، والتحريض النسوي المستمر على فكرة الأسرة، جعل قرار الطلاق أسهل وأسرع من أي وقت مضى، بل جعله محل تفاخر، بعدما كان الطلاق وصمة عار في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

تفيد دراسة استقصائية حديثة أجريت على أكثر من 2000 من الأزواج باختلاف أعمارهم، بأن 69% من حالات الطلاق تمت بعد إصرار الزوجة على الطلاق وتكرارها ذلك على مدار سنوات، بحسب الجمعية الأمريكية لعلم الاجتماع.

فشل اجتماعي

هذا التفاخر المبالغ فيه بالطلاق، ينقل القضية إلى مربع آخر، ويفتح الباب لظن واسع، وليس كل الظن إثم، بأن الهدف المشبوه من وراء ذلك التشجيع على الطلاق، وتحويله من فشل اجتماعي إلى «موضة»، أو نكاية في الطرف الآخر (الرجل)، وإيصال رسالة إليه بأن التخلص منه خطوة تستحق الاحتفال.

في السياق ذاته، ليس من المستبعد، حضور لعنة «الترند» خلف الكواليس، وقد تكرر انفصال فنانات ومؤثرات، ثم الرجوع إلى أزواجهن، بعدما حصلن على ملايين المشاهدات، ومئات الآلاف من أوراق الدولار.

إن الطلاق، ليس علامة قوة للمرأة، أو مسار استقلال لها، كما يحاول البعض أن يصور ذلك، وكثير من المطلقات ندمن على قرار الطلاق، أو عانين الطلاق للمرة الثانية، أو وقعن في براثن ذئاب ومستغلي المطلقة.

وهناك على الجانب الآخر من بدأت حياة جديدة، وقد نجحت في تعويض ما فقدته، فالطلاق ليس نهاية المطاف، لكنها لم تتفاخر به، بل تجاوزت محنتها، وصوبت أخطاءها، وانطلقت مع إنسان آخر، تبني أسرة صالحة، على كتاب الله وسُنة نبيه.

إن من عِظم شأن الزواج أنه من سنن الأنبياء والمرسلين، فقد قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) (الرعد: 38)، وعندما قال أحد الصحابة: «وأنا لا أتزوج النساء»، رد عليه النبي صلى الله عليه وسلم: «.. أما أنا فأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنتي فليس مني» (متفق عليه).

لا بد من تجريم حفلات الطلاق، قبل أن تصبح «موضة» بفعل الهوس الرقمي وعدوى «الترند»، وإعادة بناء الوعي المجتمعي بقيمة مؤسسة الزواج، وقدسية رباط المودة والرحمة، وتحسين صورة الأسرة في وسائل الإعلام، باعتبارها اللبنة الرئيسة لاستقرار وتماسك المجتمع، وصون وعفاف أفراده.



اقرأ أيضاً:

10 أسباب وراء الطلاق.. تجنَّبْها

15 دورًا إعلاميًا وتقنيًا مأمولًا لمواجهة الطلاق

حين يغدر الهاتف بالحب.. الطلاق في زمن «السوشيال ميديا»!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة