أيهما أفضل الشاكر أم المنعم؟ المأمون وثمامة عن الشكر والإنعام
اجتمع المأمون بثمامة بن أشرس فقال المأمون لثمامة: أيهما أفضل الشاكر أو المنعم؟
فقال: المنعم أمنّ فعلاً، وأعلى في فعله فضلاً، لأن الإنعام لقاح الشكر وبه يستهل سبيل الشاكر إلى جميل البشر؛ فجالب الشكر أوكد سبباً من الشكر.
فقال المأمون: بل الشكر أفضل والقول بتقديمه أعدل؛ لأن الشكر يمتري المزيد، ويحكم عقد النعمة بالتوطيد، وموجب النعمة أفضل من النعمة إلى نفاد، ويسير الشكر باق إلى المعاد. ومن فضله ندب الله عباده إليه، وحضهم عليه، وأوجب لهم المزيد بإدامته.
بيان وفوائد:
هذه الحكاية من أدب المناظرات الفكرية في العصر العباسي، وهي لا تهدف إلى إعلان منتصر بقدر ما تكشف عن زاويتين متكاملتين في النظر إلى العلاقة بين النعمة والشكر.
يتحاور المأمون مع ثمامة بن أشرس حول سؤال أخلاقي عميق: أيهما أفضل: المنعم أم الشاكر؟
فيجيب ثمامة بأن المنعم أفضل، بينما يرى المأمون أن الشاكر أفضل، ويقدم كل منهما حججه.
فيرى ثمامة أن المنعم أفضل؛ لأن:
• الإنعام هو الأصل، والشكر فرع عنه.
• لولا وجود المنعم لما وجد الشكر أصلاً.
• المنعم هو الذي يفتح باب الخير ويمنح الآخرين فرصة التحلي بفضيلة الشكر.
• من كان سببًا في وجود الفضيلة كان له فضل عليها.
وتتلخص حجته في قاعدة عقلية: السبب سابق على المسبب، وصاحب السبب أولى بالفضل.
أما المأمون فيرى أن الشكر أفضل، ويستند إلى حجج أعمق:
• الشكر يحفظ النعمة ويزيدها.
• المنعم قد ينعم مرة واحدة، أما الشاكر فيجدد أثر النعمة باستمرار.
• الشكر عبادة أمر الله بها ووعد عليها بالمزيد، مستشهدًا ضمنًا بقوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
• أثر الشكر لا ينتهي بانتهاء النعمة، بل يبقى أجره إلى الآخرة.
• فهو يفرق بين: النعمة التي قد تزول. وأجر الشكر الذي يبقى.
ويمكن أن نستخلص من الحكاية ما يلي:
• الخير يولد الخير، فالإنعام يولد الشكر، والشكر يجلب مزيدًا من الإنعام، فتستمر دائرة الفضيلة.
• لكل فضيلة سبب يحركها، فلا ينبغي أن يغفل الإنسان فضل من كان سببًا في الخير الذي وصل إليه.
• قيمة الشكر ليست في الكلمات فقط، بل في حفظ النعمة، واستعمالها في الخير، وإظهار أثرها.
• الأعمال لا تقاس بحجمها فقط بل بأثرها، فالمنعم يعطي نعمة، لكن الشاكر قد يحفظها ويضاعف أثرها.
• الحوار الراقي يقوم على الحجة لا على الخصومة، فالمناظرة بين المأمون وثمامة مثال للأدب العقلي؛ إذ تبادل الطرفان الأدلة دون تجريح أو تعصب.
• الاعتراف بالفضل خلق كريم، فالإنسان الكامل لا ينسى من أحسن إليه، ولا ينسب الخير إلى نفسه وحدها.
• الشكر سبب لدوام النعم، وهي سنة قرآنية واجتماعية؛ فالناس يميلون إلى الإحسان لمن يقدر معروفهم.
• المبادرة إلى الإحسان أساس العلاقات الإنسانية، فمن يبدأ بالخير يفتح أبواب المحبة والوفاء، ويصنع بيئة يتبادل فيها الناس المعروف.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً