احتفلت بالطلاق!
جرت إجراءات
الطلاق الساعة السادسة مساء، بعدها بساعات، وفي الليلة ذاتها، أفشت على مواقع
التواصل نبأ انفصالها عن زوجها، محتفية بطلاقها باللغة الإنجليزية «divorced»؛ أي مطلقة!
لم تنزوِ بعض
الوقت؛ لكي تلملم أحزانها، أو تقيّم تجربتها، أو تدرك أخطاءها، أو على أقل تقدير،
كان الأولى أن تتمهل وتنتظر، إلى انتهاء شهور العدة؛ لقول الله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ
بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا
خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ
إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ
عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ) (البقرة: 228).
الاحتفال بالطلاق!
إن مما ابتلينا
به في هذا الزمان الاحتفال بالطلاق، والتباهي به، وبتفكك الأسرة، وتشرد الأبناء،
واللجوء إلى ساحات القضاء، دون أن نترك الباب موارباً، ربما لرجعة، أو لصلح، وذلك
من باب الجهل بأحكام الفقه والشريعة، وعدم النظر إلى المآلات عند تقدير المصالح
والمفاسد.
المباهاة
بالطلاق من الفتن التي روجتها الحركات النسوية ووسائل التواصل؛ بدعوى أن الطلاق
ليس نهاية المطاف، وأن المطلق ليس آخر رجل على كوب الأرض.
نعم، الطلاق ليس
النهاية لكل زوجة أو زوج انتهت زيجته لسبب ما، لكن أن نحتفي به، والمطلقة ما زالت
في فترة العدة، قبل مرور ثلاث حيضات، فهذا مما يوغر الصدور، ويزيد البغضاء، ويقضي
على أي أمل لإصلاح ذات البين.
عن ابن عمر قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» (رواه أبو داود،
وابن ماجه، وصححه الحاكم).
قال الإمام
الصنعاني: الحديث فيه دليل على أن في الحلال أشياء مبغوضة إلى الله تعالى، وأن
أبغضها الطلاق فيكون مجازاً عن كونه لا ثواب فيه، ولا قربة في فعله، ومثل بعض
العلماء المبغوض من الحلال بالصلاة المكتوبة في غير المسجد لغير عذر، والحديث دليل
على أنه يحسن تجنب إيقاع الطلاق ما وجد عنه مندوحة أي سعة وفسحة.
التحريض على الطلاق
«ربنا يعوضك
خيراً، تستاهلي (تستحقين) كل الخير، نفكر في اللي جاي، لعله خير، ربنا يسعدك، ربنا
يرزقك المستقبل الجميل»، وغيرها من الأدعية والتعليقات مدعومة بإشارات القلوب
والورود، وهو أمر يمكن تفهمه من باب المواساة والدعم والمساندة المعنوية، لكنه
يجري وسط جهل تام بخطورة الأمر، واستسهال حدوثه، بل والاحتفاء به، دون إدراك
تداعياته على الأسرة والمجتمع.
قراءة منصفة في
التعليقات الواردة على منشور الاحتفاء بالطلاق، لحالة نحتفظ بهويتها، مراعاة
للخصوصية الشخصية، تحمل الكثير من المضامين والدلالات، لعل أبرزها غياب النصح،
والتذكير بعدم كفران العشير، أو الإشارة صراحة إلى أن الأمل قائم في إصلاح ذات
البين، وعدم التعجل، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.
يا ترى، كيف
سيكون حال تلك المسكينة إذا راجعها زوجها؟! وماذا ستقول له وقد احتفت بطلاقها
باللغتين العربية والإنجليزية؟! وكيف ستكون مشاعره تجاهها وهو يقرأ تعليقات «حفل
طلاقها»؟!
دعكم من هذا،
فهي لن ترجع إليه بتاتاً، ولنطرح تساؤلات من زاوية أخرى: كيف سينظر المتابعون لها
لموقفها، وحبر ورقة الطلاق لم يجف بعد؟ وهل سيعطي ما كتبته انطباعاً جيداً لمن
يرغب في التقدم إليها بعد انتهاء عدتها؟
هل هذا الاحتفال
محاولة لإقناع نفسك بأنك بخير، أم قناع لإخفاء مشاعر الألم الناتجة عن تجربة
الانفصال، أم رسالة تحدٍّ للزوج السابق. وهل أنت في حاجة إلى تعليقات الآخرين
لإثبات صحة موقفك؟ وهل فكرت في عواقب منشورك في لحظة انفعال عاطفي؟
رسالة لكل مطلقة
إن الطلاق ليس
عيباً، وليس نهاية المطاف لأي امرأة أو رجل، لكنه ليس فرحاً نبتهج به، أو إنجازاً
نحتفي به، بل تجربة حياتية تتطلب الوقت للدراسة والمراجعة والتقييم، وترتيب
الأوراق، فربما تكون المرأة السبب في طلاقها، أو تدخلات الأهل، أو الزوج نفسه، أو
لأسباب أخرى.
الحكمة تقتضي،
لا حصد التعليقات عبر وسائل التواصل، بل طرح الأسئلة حول المستقبل، وما إذا كان
الاحتفال وسيلة لهروب سريع من مواجهة أزمة الانفصال، أو وسيلة انتقام من الطرف
الآخر، وإذا كان هناك أطفال، كيف سينعكس هذا الاحتفال العلني على صحتهم النفسية
وعلاقتهم بوالدهم مستقبلاً؟
إن الصخب الرقمي
المصاحب لحالات الطلاق، يزيد من تفسخ المجتمع، ويجعل من الطلاق أمراً سهلاً
ومستساغاً، وسريعاً، دون استنفاذ سبل الحل والإصلاح، كما أن هذه المنشورات
والاحتفالات تبسط فكرة الانفصال وهدم الأسرة أمام المتابعين على وسائل التواصل.
من الخطورة أن
يتحول الطلاق إلى «ترند» أو منشور يحظى بعلامات الإعجاب والحزن والغضب والدعم
والدهشة، ومن المخجل، الاعتقاد أن إشارات القلوب سترمم القلب المكسور، والأسرة المنهدمة.
لحظة من الحكمة
يجب أن ترافق كل مطلق ومطلقة؛ أملاً في إصلاح، أو رجعة، أو صوناً لحقوق العشرة، أو
وقفة مع النفس، أو تقديراً لميثاق غليظ، حتى لا يتفشى الطلاق، ويزيد البلاء بين
العباد.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً