وعي مبكر قدّم العلم على الجاه
اختار العلم قبل الجاه.. وقفات في نشأة عمر بن عبد العزيز
يروي الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، في ترجمة التابعي عمر بن عبد العزيز(1).
نَقَلَ
الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنِ الْعُتْبِيِّ: «أَنَّ أَوَّلَ مَا اسْتُبِينَ مِنْ
عُمَرَ بْنِ عبد العزيز أَنَّ أَبَاهُ وَلِيَ مِصْرَ، وَهُوَ حَدِيثُ السِّنِّ،
يُشَكُّ فِي بُلُوغِهِ، فَأَرَادَ إِخْرَاجَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَتِ، أَوْ غَيْرُ
ذَلِكَ؟ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ أَنْفَعَ لِي وَلَكَ: تُرَحِّلُنِي إِلَى
الْمَدِينَةِ، فَأَقْعُدُ إِلَى فُقَهَاءِ أَهْلِهَا، وَأَتَأَدَّبُ بِآدَابِهِمْ،
فَوَجَّهَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَاشْتُهِرَ بِهَا بِالْعِلْمِ وَالْعَقْلِ مَعَ
حَدَاثَةِ سِنِّهِ.
ثُمَّ بَعَثَ
إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عِنْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ، وَخَلَطَهُ
بِوَلَدِهِ، وَقَدَّمَهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَزَوَّجَهُ بِابْنَتِهِ
فَاطِمَةَ الَّتِي قِيلَ فِيهَا: بِنْتُ الْخَلِيفَةِ، وَالْخَلِيفَةُ جَدُّهَا
أُخْتُ الْخَلَائِفِ، وَالْخَلِيفَةُ زَوْجُهَا، وَكَانَ الَّذِينَ يَعِيبُونَ
عُمَرَ مِمَّنْ يَحْسُدُهُ بِإِفْرَاطِهِ فِي النِّعْمَةِ، وَاخْتِيَالِهِ فِي
الْمِشْيَةِ»(2).
تجلت شخصية عمر
بن عبدالعزيز في تلك الرواية عبر لحظة اختيار مبكرة تستحق أن تُقرأ بتمعن وروية
قبل الخوض في تفاصيل خلافته الراشدة وعدله وزهده المشهور بين الناس، لقد كان فتى
صغيرًا، وأبوه عبد العزيز بن مروان قد تولى إمارة مصر، بما تحمله هذه الولاية من
اتساع نفوذ ومكانة سياسية رفيعة وسعة عيش نادرة لا تتاح لغير أبناء الحكام
والأمراء، وكان في وسع الابن الناشئ أن يبقى قريبًا من أبيه، مستمتعًا بصحبته
ومستظلاً بما يفيض به القصر الأموي من رغد وتكريم وحفاوة.
لكن الشاب اقترح
طريقًا مغايرًا تمامًا؛ أن يُرسل إلى المدينة النبوية، ليجلس بين يدي فقهائها
الصالحين ويتأدب بآدابهم الراسخة وعلومهم الشرعية الأصيلة، ولم يكن هذا الاختيار
المبكر مجرد إعلان للزهد في كل نعمة، ولا قطيعة جافة مع أسرته الكريمة، بل كان
تقديمًا حكيمًا لما رآه أنفع له ولأبيه في العاجل والآجل، وتمضي الرواية التاريخية
لتخبرنا أن عمر بن عبد العزيز اشتهر بالعلم والعقل وهو فتى يافع، وأن أبواب الرفعة
والنعمة فُتحت له بعد ذلك حتى صار صهرًا مقربًا للخليفة عبد الملك بن مروان.
بين طلب العلم
في مقتبل الصغر، واتساع النعمة في ريعان الشباب، ثم تحولات حياته اللاحقة في سدة
الحكم، تتشكل ملامح شخصية إنسانية أعمق بكثير من المقابلة الساذجة بين ردهات القصر
وأروقة المسجد، إنها صورة رجل بدأ مسيرته بتقديم بناء نفسه تأسيسًا رصينًا
وواعيًا، ثم خاض غمار الاختبار الدنيوي بما أتيح له من منصب وجاه ورفاهية.
تفضيل الفتى عمر بن عبد العزيز مجالس العلماء على الإمارة
تذكر الرواية أن
عبد العزيز بن مروان عزم على إخراج ابنه معه حين تولى إمارة مصر، وكان عمر بن عبد العزيز
حديث السن، حتى إن الراوي ليرتاب في بلوغه الحلم آنذاك، وفي هذه المرحلة العمرية
الباكرة، فاجأ عمر والده بقوله الحصيف: «يا أبت، أو غير ذلك؟ لعله أن يكون أنفع لي
ولك»، ثم بسط مقترحه: أن يرسله إلى مهبط الوحي، ليجالس فقهاءها ويتأدب بآدابهم
العالية السامية.
إن اللافت للنظر
في هذه العبارة يكمن في عدة محاور تربوية ومنهجية:
1- الأدب الجم
في الخطاب: لم يظهر الفتى تمردًا أو رفضًا خشنًا لقرار الوالد، بل عرض الأمر في
صيغة استشارة رقيقة تستجلب عطف الأب وتوقظ فطنته.
2- التعليل
العقلي والمصلحة المشتركة: لم يقل إن صحبة أبيه عبء عليه، بل جعل المقصد منفعة
متبادلة للطرفين تسهم في نماء دينهما ودنياهما.
3- البصيرة
المبكرة: إدراك الناشئ لحاجته المعرفية والسلوكية قبل أن تستغرقه المغريات وتأسره
بهارج الحياة المؤقتة.
يعيدنا هذا
الوعي الفتيّ الباكر الذي اتصف به عمر بن عبد العزيز إلى المشهد النبوي العظيم مع
عبد الله بن مسعود وهو يرعى الغنم: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِنْ
هَذَا الْقَوْلِ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَقَالَ: «يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِنَّكَ
غُلَيِّمٌ مُعَلَّمٌ»(3).
فقد يكون القرب
من مظاهر الإمارة جاذبًا للنفوس، وصحبة الوالد متعة حاضرة، لكن الفتى أدرك أن
تحصيل العلم الشرعي والتأدب يستحقان مفارقة الدعة والارتحال في سبيلهما، ومن هنا
تبرز القيمة التربوية؛ أن يطرح الشاب على نفسه الأسئلة التي تصنع النفع الدائم،
وتسمو به فوق الرغبات العاجلة المنقطعة.
لماذا فضّل مجالس المدينة على سلطان مصر؟
كانت مصر آنذاك
ولاية جليلة الشأن في بنيان الدولة الأموية وحاضرة ذات ثقل استراتيجي واقتصادي
هائل، وكان عبد العزيز بن مروان من أدهى رجالها وأكرمهم يدًا وسياسة، ومن البديهي
أن توفر معيشة ابن أمير مصر فرصًا رحبة للاتصال بأصحاب الخبرة والتدبير السياسي،
فضلاً عما تجلبه من وفرة النعيم والاستقرار الدنيوي، غير أن اختيار عمر بن عبد العزيز
لمهجر الهجرة استند إلى إدراك عميق لخصوصية المكان الشريف.
امتازت المدينة
النبوية بخصائص فريدة لم تكن لتجتمع في غيرها من الأمصار:
1- وجود مسجد
رسول الله صلى الله عليه وسلم ورياضه الطاهرة التي تنزل فيها الوحي وتشرفت بأقدام
المصطفى وأصحابه.
2- حلقات كبار
التابعين الذين حملوا الشريعة غضة طرية عن صحابة النبي الكرام، كعروة بن الزبير
وسعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
3- الأجواء
الروحية والتربوية التي تغرس المهابة وتصقل السلوك والضمير.
لهذا لم يطلب
عمر مغادرة مصر بدافع التغرب المفتقر إلى الهدف، بل حدد مقصده بوضوح بيّن: «فأقعد
إلى فقهاء أهلها، وأتأدب بآدابهم»، فالمقصد ليس استبدال أرض بأرض، بل إحداث تحول
كامل في نوعية البيئة والصحبة اليومية وتغذية المدارك الفكرية، وهنا تظهر فطنته؛
إذ قرن الفقه بالأدب، فالعلم بلا أدب قد يورث الكبر والجدال، بينما الأدب مع العلم
يورث الخشية والتواضع.
يتطابق هذا
النزوع الجاد مع صنيع حبر الأمة عبد الله بن عباس في ملازمته لدور الصحابة الأجلاء
بالمدينة: «إِنْ كَانَ لَيَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ، فَآتِي بَابَهُ
وَهُوَ قَائِلٌ، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ، تَسْفِي الرِّيحُ عَلَيَّ
مِنَ التُّرَابِ، فَيَخْرُجُ فيراني فَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ،
ما جاءَ بك، هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟ فَأَقُولُ: لَا، أَنَا أَحَقُّ
أَنْ آتِيَكَ، فَأَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ»(4)، ويشهد لهذا قوله
تعالى في محكم التنزيل: (وَقُل
رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه: 114).
وليس من الدقة
في شيء ادعاء أن عمر بن عبد العزيز كان يستشرف آنذاك صعوده إلى كرسي الخلافة، أو أنه اتخذ
المدينة منصة تكتيكية للتدريب السياسي؛ فالرواية لا تحتمل هذا التكلف المصطنع، غير
أن قراره هيأ له تكوينًا شرعيًا متينًا ووعيًا أخلاقيًا صارمًا انعكست آثاره بوضوح
في كل شأن أقدم عليه لاحقًا.
الوالي يمنح ابنه حرية اختيار مساره
لا تقل ردة فعل
الوالد عبد العزيز بن مروان دلالة ونبالة عن جسارة ابنه ومبادرته العاقلة، لقد كان
الأب أميرًا مطاعًا وصاحب سلطة نافذة، وكان مقتضى العرف السائد أن يلزم ابنه
الصغير عمر بن عبد العزيز مرافقته والاستظلال بإمارته دون أدنى مراجعة أو تردد، غير أن الرواية تسجل
أن الأب أنصت بوعي لطلب الفتى ورضي بحجته الداعية إلى ارتياد مراقي الفضل، ويسر له
كل أسباب الرحيل إلى المدينة طالبًا للفقه وملازمًا للعلماء.
ينطوي هذا
الصنيع الأبوي على أبعاد تربوية بالغة الأهمية في توجيه النشء:
1- احترام شخصية
الابن: تجنب التسلط الأعمى ومصادرة رغبات الأبناء المشروعة إذا قامت على مصلحة
ظاهرة ورؤية نافعة.
2- البصيرة
بوجوه الخير: إدراك الأب أن شرف العلم والأدب أعظم ذخر يقدمه لولده من بقائه في
مجالس البطانة المترفة.
3- الدعم
والإسناد المستمر: لم يكن عمر بن عبد العزيز بمقدوره الاستقلال بقراره دون رضا أبيه
ونفقته ورعايته الكاملة له في مهجره العلمي.
يتجلى هذا الأفق
المشرق في وصية والد الإمام سفيان بن عيينة حين فطن لنضج ولده ودله على مسار النبل
ورفعة الشأن: «يَا بُنَيَّ، قَدِ انْقَطَعَتْ عَنْكَ شَرَائِعُ الصِّبَا،
فَاخْتَلِطْ بِالْخَيْرِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَا تُزَايِلْهُ فَتَبِينَ
مِنْهُ، وَلَا يَغُرَّنَّكَ مَنْ مَدَحَكَ بِمَا تَعْلَمُ أَنْتَ خِلَافَهُ
مِنْكَ؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَقُولُ فِي أَحَدٍ مِنَ الْخَيْرِ مَا لَمْ
يَعْلَمْ مِنْهُ إِلَّا قَالَ فِيهِ عِنْدَ سَخَطِهِ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ عَلَى
قَدْرِ مَا مَدَحَهُ، وَاسْتَأْنِسْ بِالْوَحْدَةِ مِنْ جُلَسَاءِ السُّوءِ، وَلَا
تَنْقِلْ أَحْسَنَ ظَنِّي بِكَ إِلَى أَسْوَأِ ظَنِّي بِمَنْ هُوَ دُونَكَ،
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَنْ يَسْعَدَ بِالْعُلَمَاءِ إِلَّا مَنْ أَطَاعَهُمْ؛
فَأَطِعْهُمْ تَسْعَدْ، وَاخْدُمْهُمْ تَقْتَبِسْ مِنْ عِلْمِهِمْ»(5).
وهكذا تلاقت
رغبة الابن الصادقة مع سعة أفق الأب المربي الحكيم؛ وتلك هي البيئة النموذجية التي
تصنع الشخصيات السوية القادرة على قيادة المجتمعات، إن هذا السلوك الراقي يتجاوز
خطأين شائعين في التربية: قهر الأبناء وإلغاء مداركهم، أو إهمالهم دون توجيه
وإسناد مالي ونفسي، ومن أشرف ما يسديه الوالد لولده ألا يحصره في تأمين المكاسب
الدنيوية، بل يفسح له السبيل لبناء عقله وتزكية وجدانه.
اجتماع العلم ورجاحة العقل في صبا عمر بن عبد العزيز
لم تقف سطور
الرواية عند حدود ارتحال عمر بن عبد العزيز، بل كشفت عن الثمرة المباشرة لذلك
القرار المبكر: «فاشتهر بها بالعلم والعقل مع حداثة سنه»، والجمع بين مفردتي
"العلم" و"العقل" في هذا السياق نعت دقيق المعنى؛ فالعلم يعني
التحصيل والاستيعاب والدراية بالنصوص والأحكام، في حين يعني العقل رجاحة النظر
وحسن التدبير وإنزال الأشياء في منازلها الصحيحة.
تبرز أهمية هذا
التوازن النفسي والفكري في العناصر التالية:
1- تحويل العلم
من معلومات مجردة ومحفوظات إلى سلوك واقعي يضبط التصرفات ويصون الفكر من الشطط.
2- القدرة على
الموازنة بين مقاصد الشريعة وحاجات الواقع المعاش، وهو ما تجلى لاحقًا في إدارته
للدولة وإصلاحاته.
3- التخلص من
عيوب الذكاء المجرد غير المنضبط بنور الوحي، أو الحفظ الصوري العاجز عن إدراك
المصالح والمفاسد.
إن نبوغ عمر بن عبد العزيز
المبكر يؤكد فاعلية البيئة الصالحة في صقل المواهب وتوجيه الفطرة الإنسانية نحو
الكمال، فالأمر لم يكن مجرد سكنى جغرافية بجوار المسجد، بل كان ملازمة دؤوبة
لحلقات الفقه ومدارسة الحديث ومثابرة واعية على التلقي من الشيوخ الربانيين.
نجد هذا التكامل
المشهود في وصف الصحابة الكرام لمن جمع الفقه والحكمة في صغره، كما قال سعد بن أبي وقاص في شأن ابن عباس رضي الله عنهما: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْضَرَ فَهْمًا،
وَلَا أَلَبَّ لُبًّا، وَلَا أَكْثَرَ عِلْمًا، وَلَا أَوْسَعَ حِلْمًا مِنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عُمَرَ يَدْعُوهُ لِلْمُعْضِلَاتِ فَيَقُولُ:
عِنْدَكَ، قَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ، ثم لا يجاوزُ قولَهُ، وإنَّ حَوْلَهُ لأَهلَ
بدرٍ مِنَ المهاجرينَ والأنصارِ»(6).
ويقارب هذا
المعنى ما قيل للتابعي أبي وائل في المفاضلة بينه وبين الربيع بن خثيم: «أيما
أكبر؛ أَنْتَ أَكْبَرُ أَمِ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ؟ قَالَ: أَنَا أَكْبَرُ
مِنْهُ سِنًّا، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنِّي عَقْلًا»(7).
وهذا يؤكد أن
قرار عمر بن عبد العزيز باختيار المدينة لم يكن مغامرة عابرة أو رغبة سطحية، بل كان
تأسيسًا حقيقيًا لذات واعية لا تعتمد على جاه الوالد وعصبيته، بل ترتكز على كفاءة
ذاتية رصينة وفقه أصيل.
العلم يصنع قيمة تتجاوز وراثة المنصب
تبدلت مجريات
الأحداث بعد رحيل الوالد عبد العزيز بن مروان؛ إذ دعاه الخليفة عبد الملك بن مروان
إلى دمشق، وضمه إلى أولاده وأسكنه قصره، وخصه بالتفضيل، وزوجه درة البيت الأموي
فاطمة، وتبرز هنا مفارقة عميقة في مجرى السيرة؛ فالفتى الذي اختار المسجد وحلقات
الفقه لم يفقد حظوظه الدنيوية المستحقة، بل جاءته الرفعة السياسية والمصاهرة
الملكية وهو مؤهل علميًا ونفسيًا لحمل أعبائها الجسيمة.
إن المقارنة بين
الشرف الموروث والشرف المكتسب بالجهد تثبت أن العلم هو الأصل الثابت:
1- الجاه
الموروث قد يمنح صاحبه تقدمًا أوليًا، لكنه سرعان ما ينهار إذا افتقر صاحبه إلى
الكفاءة ورجاحة العقل.
2- التأسيس
العلمي الرصين يمنح صاحبه مهابة ذاتية واستقلالاً فكريًا يجعله متبوعًا لا تابعًا
في كل شأن.
3- المصاهرة
والجاه السياسي لدى عمر بن عبدالعزيز جاءت لتتوج تكوينًا راسخًا، فلم تغره بهارج
القصور ولم تسلبه أصالته التي تربى عليها.
وهنا يتجلى
الفارق الجوهري بين الشرف المكتسب بالجهد والشرف الموروث بلا كد، كما قرر علي بن أبي طالب في وصيته لكميل بن زياد: «الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ
يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالِ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْعَمَلِ والإنفاق،
يَا كُمَيْلُ! مَحَبَّةُ الْعَالِم دِينٌ يُدَانُ بِه، مَكْسَبَةُ العلم
الطَّاعَةُ لِرَبه في حَيَاتِه وَجَمِيلُ الأحْدُوثَةِ بَعْدَ وفَاتِه، وَنَفَقَةُ
المَالِ تَزُولُ بزَواله، والْعِلمُ حاكِمٌ، والْمَالُ مًحكُومٌ عَلَيْهِ، يَا
كُمَيْلُ! مَاتَ خُزَّانُ الَأمْوالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، والْعُلَمَاءُ بَاقونَ مَا
بَقى الدَّهْرُ، أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وأمْثَالُهُمْ في الْقُلُوبِ
مَوْجُودَةٌ»(8)، ويصدق هذا قوله تعالى في محكم التنزيل: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: 11).
فالمناصب تتبدل
والجاه يزول بتبدل موازين القوى وتداول الأيام، أما الفقه الراسخ وحسن النظر
فيبقيان درعًا يحمي صاحبه من التخبط ويمنحه مهابة لا تسقطها تقلبات السياسة والعزل
من المناصب.
أخت الخلفاء وزوجتهم.. المكانة الاستثنائية لفاطمة القرشية
توضح الرواية أن
الخليفة عبد الملك زوّج عمر بن عبد العزيز ابنته فاطمة، صاحبة النسب الرفيع والمقام
الفريد في البيت الأموي، وقد سارت الركبان بالبيت المشهور الذي يصور شرف منبتها: «بِنْتُ
الْخَلِيفَةِ، وَالْخَلِيفَةُ جَدُّهَا أُخْتُ الْخَلَائِفِ، وَالْخَلِيفَةُ
زَوْجُهَا».
والمقصود بجدها
ها هنا مروان بن الحكم من جهة أبيها، لا عمر بن الخطاب الذي هو جد عمر بن عبد العزيز
لأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وهذا الضبط التاريخي ضروري لفهم تشابك
الأنساب القرشية آنذاك وعدم الخلط بين الأصول.
اتسم هذا الزواج
بعدة ملامح ألقت بظلالها على سيرة عمر الأسرية والسياسية:
1- بلغت فاطمة
بنت عبد الملك مكانة اجتماعية قل أن اجتمعت لامرأة في عصرها؛ فأبوها خليفة،
وأخوتها (الوليد وسليمان ويزيد وهشام) خلفاء، وزوجها خليفة المسلمين.
2- لم يكن
اقتران عمر بها مدخلاً للتكالب على حطام السلطة، بل كان انتقالاً نحو تكاليف
ومسؤوليات اجتماعية وسياسية أوسع.
3- ضربت فاطمة
أروع الأمثلة في التضامن مع زوجها حين تنازلت عن حليها وجواهرها لبيت مال المسلمين
عندما تولى الخلافة ونهج طريق العدل والتقشف.
واللافت أن
الشاب الذي تخرج من حلقات المدينة لم ير في الدين مانعًا من قبول نعمة المصاهرة
النبيلة والحياة الكريمة دون إفراط؛ فالشريعة لم تحرم الطيبات من الرزق، وإنما
ألزمت المسلم بشكر المنعم وتطهير القلب من التعلق بالدنيا، كما أجاب الإمام أحمد
بن حنبل لما سئل عن حقيقة الزهد في النعمة: «سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنِ
الرَّجُلِ يَكُونُ مَعَهُ أَلْفُ دِينَارٍ: هَلْ يَكُونُ زَاهِدًا؟ فَقَالَ:
نَعَمْ، عَلَى شَرِيطَةِ أَلَّا يَفْرَحَ إِذَا زَادَتْ، وَلَا يَحْزَنَ إِذَا
نَقَصَتْ»(9).
وهو المعنى نفسه
الذي فصله سفيان بن عيينة بعبارة جامعة: «مَنْ لَمْ تَمْنَعْهُ النَّعْمَى مِنَ
الشُّكْرِ، وَلَا الْبَلْوَى مِنَ الصَّبْرِ، فَذَلِكَ الزَّاهِدُ»(10)،
ويشهد لهذا قوله تعالى في كتابه العزيز: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ
وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (الأعراف: 32).
فالخلل ليس في
بسطة العيش والمكانة العالية، بل في استعبادهما للقلب ودفع صاحبهما نحو البطر
والاستعلاء على الناس.
هل كان اختيال المشية كبرًا أم رفاهية؟
تختتم الرواية
بالإشارة الصريحة إلى عيب كان يذكره بعض معاصريه: «وَكَانَ الَّذِينَ يَعِيبُونَ
عُمَرَ مِمَّنْ يَحْسُدُهُ بِإِفْرَاطِهِ فِي النِّعْمَةِ، وَاخْتِيَالِهِ فِي
الْمِشْيَةِ»، وهذا النقل يحمل قيمة منهجية وتاريخية رفيعة؛ إذ يبتعد عن إضفاء
المثالية المطلقة على بواكير حياة عمر بن عبدالعزيز، ويثبت أنه عاش مقتبل شبابه في
رفاهية ظاهرة وأناقة فائقة جذبت إليه ألسنة الناقدين والحاسدين على حد سواء.
يمكن تحليل هذه
الملاحظة التاريخية من خلال زاويتين أساسيتين:
1- طبيعة النشأة
المترفة: نشأ عمر في كنف إمارة والده بمصر ثم قصر عمه الخليفة بدمشق؛ فكان لباسه
فاخرًا وعطره فواحًا ومشية شبابه فيها اعتداد المترفين ونعومتهم بحكم البيئة
والاعتياد.
2- البراءة من
داء الكبر: لم تكن مشيته استعلاءً على عباد الله أو احتقارًا للضعفاء، بل مظهرًا
من مظاهر الترفه الشائع بين أبناء بيوت الحكم قبل أن تحمله أمانة الخلافة على
الانخلاع من ذلك كله.
وقد ثبت في
تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من داء الكبر قوله المشهور: «لَا يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ:
إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً؟
قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ،
وَغَمْطُ النَّاسِ»(11).
وقد روى التابعي
الجليل رجاء بن حيوة هذا التبدل التاريخي الصادق في مظهر عمر فقال: «كَانَ عُمَرُ
بْنُ عبدالعزيز مِنْ أَعْطَرِ النَّاسِ وَأَخْيَلِهِمْ فِي مِشْيَتِهِ، فَلَمَّا
اسْتُخْلِفَ قُوِّمُوا ثِيَابَهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا: كُمَّتَهُ
وَعِمَامَتَهُ وَقَمِيصَهُ وَقَبَاءَهُ وَقُرْطَقَهُ وَرِدَاءَهُ وَخُفَّيْهِ»(12).
وهذا التمايز
بين الهيئة الخارجية وحقيقة القلب يعلمنا الإنصاف في نقد الشخصيات؛ فالشاب المنعم
قد تبدر منه تصرفات المترفين في لباسه وزينته، لكن الرصيد العلمي والأخلاقي الكامن
سرعان ما يوجه مساره نحو غايات الشرف والعدل متى دعت الضرورة.
أثر فقه الصغر في تشكيل زهد الخلافة
عرفت خلافة عمر
بن عبد العزيز بنبذ مظاهر الأبهة والترف السلطاني، ورد المظالم، وصيانة أموال الأمة
الإسلامية بدقة تامة، ويتساءل القارئ المعاصر عن الرابط المنطقي بين زهده المشهود
في الحكم ورحلته الباكرة نحو المدينة النبوية، والحقيقة أن تلك النشأة الفقهية بين
أكابر التابعين شيدت في وجدانه المعايير الشرعية الصارمة التي جعلته يزن كل فعل
وتدبير بميزان الحساب الأخروي، وإن غابت تلك المعايير حينًا تحت وطأة الرخاء
الدنيوي في شبابه.
تجلى دور الفقه
المبكر في صناعة الزهد الرشيد من خلال النقاط الآتية:
1- إدراك حرمة
المال العام وخطورة التعدي على حقوق الرعية تحت ستار السلطة والإمارة.
2- اليقين التام
بأن الملك عارية مستردة وأمانة مسؤول عنها الحاكم أمام رب العالمين.
3- الاستناد إلى
عمق شرعي يحفظ الزهد من التحول إلى دروشة سلبية تعطل مصالح الدولة وشؤون الناس.
يوضح هذا المعنى
التابعي محمد بن المنكدر حين بين صعوبة ترويض النفس وتربيتها قائلاً: «كَابَدْتُ
نَفْسِي أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى اسْتَقَامَتْ»(13).
وهو ما ينسجم
تمامًا مع وصية الربيع بن خثيم في ضرورة البناء المعرفي أولاً قبل أي خطوة: «تَفَقَّهْ
ثُمَّ اعْتَزِلْ»(14).
إن العلم المبكر
لم يجعل من عمر بن عبدالعزيز ملكًا معصومًا، لكنه غرس في ضميره حاسة المراقبة
الذاتية والخشية الإلهية، فعندما باشر الحكم وأحاطت به أمانات الأمة الكبرى،
استيقظ ذلك الفقه الراسخ ليقود مسيرته نحو العدالة والزهد المؤسسي العادل.
التعامل الشرعي مع حسد الناس على النعم
تورد الرواية
حقيقة اجتماعية مطردة، وهي أن كل صاحب نعمة بارزة ومقام رفيع معرض لسهام الحسد
والطعن، محقًا كان الناقد أم مبطلاً، فحين يفيض الله عز وجل على عبد بموهبة أو شرف
أو ثروة، تنبري بعض النفوس تعيب مسلكه وتشكك في مقاصده بدوافع الغيرة والمنافسة
الدنيوية.
يصف الحسن
البصري هذه الطبيعة البشرية واستحالة النجاة من مقالة الناس وألسنتهم بقوله: «أَطْمَعْتُ
نَفْسِي فِي جِوَارِ اللَّهِ فَطَمِعَتْ، وَأَطْمَعْتُ نَفْسِي فِي الْجِنَانِ
فَطَمِعَتْ، وَأَطْمَعْتُ نَفْسِي فِي السَّلَامَةِ مِنَ النَّاسِ فَلَمْ أَجِدْ
إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا؛ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ لَا يَرْضَوْنَ عَنْ
خَالِقِهِمْ عَلِمْتُ أَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ عَنْ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِمْ»(15).
ويضع التابعي
الجليل سعيد بن المسيب قاعدة الإنصاف الكبرى في تقويم الشخصيات العامة وأصحاب
الفضل: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرِيفٍ وَلَا عَالِمٍ وَلَا ذِي فَضْلٍ إِلَّا
وَفِيهِ عَيْبٌ، وَلَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُذْكَرَ
عُيُوبُهُ: مَنْ كَانَ فَضْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَقْصِهِ وُهِبَ نَقْصُهُ
لِفَضْلِهِ»(16).
غير أن مواجهة
الحسد لا تبيح لصاحب النعمة الغفلة عن تطهير باطنه والاعتراف بفضل ربه، فالواجب
يفرض اتباع مسارين متوازيين:
1- التغافل وعدم
الارتهان للخصوم: عدم هدر الطاقات في تتبع أقاويل الحاسدين أو الرد على افتراءاتهم
العقيمة.
2- دوام
المحاسبة والمراقبة: تفقد القلب وتطهيره من العجب والبطر، لتبقى النعمة مسخرة في
الإحسان إلى الخلق وابتغاء مرضاة الله.
معايير ترتيب الأولويات للشباب في مقتبل العمر
تتجاوز قصة عمر
بن عبدالعزيز حدود السرد التاريخي المجرد لتقدم دليلاً عمليًا لكل شاب يبتغي رسم
معالم مستقبله بوعي ومسؤولية وإدراك للأولويات، فقد امتلك عمر ترف البقاء في ظل
نفوذ أبيه بمصر، لكنه آثر الجهد والمثابرة في محراب التلقي والأدب، مدركًا أن بناء
الشخصية يتطلب التضحية بالراحة العاجلة في سبيل الغاية الباقية.
من أهم الدروس
المستفادة لجيل الشباب المعاصر:
1- تقديم الأصول
على الفروع: البدء بتكوين الوعي، واكتساب العلوم، وبناء المهارات التأسيسية قبل
التطلع للمناصب والجاه.
2- اختيار
البيئة الموجهة: البحث عن الصحبة الصالحة وحلقات المعرفة التي تدل على الخير وتعين
على الثبات.
3- الاستثمار في
النفس: توظيف سنوات الشباب الباكرة في البناء الذاتي بدل الركون إلى مكتسبات
العائلة والاتكال على وراثة المكانة.
تتفق هذه العبرة
مع وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر في اغتنام فترات العمر وأوقات
الفتوة: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَنْكِبَيَّ فَقَالَ: كُنْ
فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ
يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا
تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ
لِمَوْتِكَ»(17).
ويؤكد هذا
التوجيه نداء الحسن البصري الخالد للشباب: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، عَلَيْكُمْ
بِالْآخِرَةِ فَاطْلُبُوهَا؛ فَكَثِيرًا رَأَيْنَا مَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ
فَأَدْرَكَهَا مَعَ الدُّنْيَا، وَمَا رَأَيْنَا أَحَدًا طَلَبَ الدُّنْيَا
فَأَدْرَك الْآخِرَةَ مَعَ الدُّنْيَا»(18).
إن أعظم ما
يستلهمه الجيل الحاضر هو الاستثمار المبكر في المعرفة والقيم الأخلاقية الراسخة؛
فالأموال تتبدد والمناصب تزول، لكن الرصيد الأخلاقي والعلمي يظل حليفًا للمرء في
سائر تقلبات الدهر، كما تعلّم السيرة الآباء فضيلة الإصغاء البصير لأبنائهم، وفتح
الآفاق أمام طاقاتهم بدلاً من تقييدهم بمصالح ضيقة.
بقاء الفضائل المكتسبة بعد زوال امتيازات النسب
تبدأ مسيرة عمر
بن عبدالعزيز بفتى يافع يخاطب والده برجاحة: «لعله أن يكون أنفع لي ولك»، وتكتمل
برجل حيزت له نعم الدنيا حتى بلغت مشيته ومظهره أسماع المنتقدين، قبل أن ينفض يديه
منها جميعًا حين عُهد إليه بأمر المسلمين، وفي المسافة الفاصلة بين الموقفين تتأكد
حقيقة خالدة؛ وهي أن قيمة الإنسان الحقيقية لا تكمن في النعم الموروثة أو
الامتيازات الطبقية العابرة، بل في كفاءته الأخلاقية والعلمية التي يبنيها بكده
وعرقه.
لقد تلاشت دولة
بني أمية وقصورها ومظاهر ترفها، ولم يعد يذكر من عبدالعزيز بن مروان وولايته
المديدة لمصر إلا النزر اليسير في بطون المجلدات، بينما بقي عمر بن عبدالعزيز
منارة هادية وشخصية خالدة في ضمير التاريخ الإنساني؛ لأن العلم الذي حصله في صغره
والتأدب الذي تشربه بين فقهاء المدينة ظلا حيين في سيرته بعد زوال المنصب والنعيم
الدنيوي.
يتبين هذا
المعنى الجليل في وصية الصحابي معاذ بن جبل رضي الله عنه عند وفاته وهو يستعرض
حقيقة مراده من هذه الحياة الدنيا: «اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ
الْبَقَاءَ فِي الدُّنْيَا لِغَرْسِ الْأَشْجَارِ وَجَرْيِ الْأَنْهَارِ، وَلَكِنْ
لِظَمَأِ الْهَوَاجِرِ، وَمُكَابَدَةِ السَّاعَاتِ، وَمُزَاحَمَةِ الْعُلَمَاءِ
بِالرُّكَبِ عِنْدَ حِلَقِ الذِّكْرِ»(19).
تركز هذه السيرة المباركة على زاوية جوهرية مفادها أن النبوغ المبكر، وحسن توجيه الناشئة نحو بيئات الفضل والتحصيل، هما الضمانة الأكيدة لسلامة المرء واستقامته حين تقبل عليه الدنيا بمفاتنها وأعبائها الجسيمة، فلم تكن خلافة عمر بن عبدالعزيز الراشدة وعطاءاته الخالدة مصادفة تاريخية، بل كانت الحصاد الطبيعي لغرس غُرس في مسجد المدينة النبوية يوم قال الفتى لأبيه: «أو غير ذلك؟».
الهوامش
- 1 عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، وُلد بالمدينة المنورة سنة 61هـ، وهو من أئمة التابعين وفقهائهم وأحد الخلفاء الراشدين بالعدل، اشتهر بالرواية والفقه والزهد التام وإقامة القسط ورد المظالم وتجديد الدين، استوطن المدينة المنورة ثم دمشق، وتوفي بدير سمعان من بلاد الشام سنة 101هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (5/ 114-116).
- 3 مسند أحمد (3/ 505/ 3598).
- 4 المستدرك على الصحيحين (1/ 470/ 368).
- 5 الزهد الكبير للبيهقي (111/ 194).
- 6 جمع الجوامع المعروف (16/ 11) (2/ 2237).
- 7 تهذيب التهذيب (4/ 275/ 1981).
- 8 جمع الجوامع (17/ 697) (4/ 965).
- 9 مدارج السالكين (2/ 108).
- 10 الزهد لابن أبي الدنيا (69/ 126).
- 11 صحيح مسلم (1/ 93/ 91).
- 12 الزهد لأحمد بن حنبل (244/ 1735).
- 13 تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال (8/ 303/ 6369).
- 14 الزهد لأحمد بن حنبل (271/ 1955).
- 15 الزهد الكبير للبيهقي (105/ 170).
- 16 صفة الصفوة (1/ 347).
- 17 صحيح البخاري (5/ 2358/ 6053).
- 18 الزهد الكبير للبيهقي (65/ 12).
- 19 صور من حياة الصحابة (1/ 500/ 59).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً