قيادة الأزمات وامتحان الضمير

من فقيه المدينة إلى باني الدولة.. عبد الملك بن مروان

أحمد سعد الدين

16 سبتمبر 2026

20

من فقيه المدينة إلى باني الدولة.. عبد الملك بن مروان

تناول الإمام الذهبي، في كتابه «سير أعلام النبلاء»، سيرة التابعي الجليل عبدالملك بن مروان(1)؛ تلك الشخصية الاستثنائية التي لا يمكن قراءتها من زاوية واحدة، فهو يُعدُّ من أكثر نماذج التاريخ الإسلامي تعقيداً وتركيباً، إذ اجتمعت في شخصه سمات العالم الضليع، والعابد الناسك، والسياسي المحنك، وباني الدولة، وصاحب القرارات الحاسمة في أزمنة الانقسام، ولذا، فإن الفهم العميق لسيرته يستوجب النظر إلى أبعاد الإنسان قبل الحاكم، واستيعاب ظروف المرحلة قبل إطلاق الأحكام على خياراته السياسية.

تنتمي هذه التجربة الثرية إلى أواخر القرن الأول الهجري، وهي مرحلة مفصلية كانت الدولة الإسلامية تتجرع فيها آثار الفتنة الثانية؛ حيث تعددت مراكز القوى، وتنازعت الجماعات حول الشرعية السياسية، وفي خضم هذه البيئات التاريخية المضطربة، تتداخل قيم الدين مع ضرورات السياسة، ليقف القائد أمام اختبارات كبرى تكشف مدى قدرته على إحداث التوازن الدقيق بين المبادئ الثابتة وإكراهات الواقع المتغير.

الاستقرار أثر الاضطرابات المبكرة في صناعة هاجس الدولة

إن للبيئات الأولى أثراً بالغاً في صياغة التكوين النفسي والعقلي للإنسان، وهي حقيقةٌ أدركها العرب مبكراً حين فطنوا إلى أهمية البيئة النقية في التأسيس الأول للشخصية، وقد تجلى ذلك بوضوح في استرضاع النبي صلى الله عليه وسلم في بادية بني سعد؛ لتتولى بيئة البادية تزكية فطرته، وتنمية مداركه، وصقل مشاعره في تناغم تام مع الطبيعة، ليكون ذلك كله زاداً متيناً يسبق الانخراط في تعقيدات الحياة ومسؤولياتها.

وكما تصنع البيئة الطبيعية النقية صلابة الفطرة، فإن البيئة الإيمانية والعلمية تصنع النبوغ وتفرز العبقريات، ولنا في الأثر العظيم للبيئة النبوية خير شاهد، حين أثمرت عن تخريج كفاءات متخصصة ومتفردة من الصحابة الكرام؛ فبرز معاذ بن جبل رضي الله عنه كأعلم الأمة بالحلال والحرام، وتفرد أُبي بن كعب كأقرأ الأمة للقرآن، ونبغ زيد بن ثابت كأعلمهم بالفرائض(2).

وعلى امتداد هذا الإرث العظيم، وفي ذات البقاع الطاهرة، نشأ عبدالملك بن مروان في المدينة المنورة؛ ليتشرب من بيئة العلم والفقه ومجالس الصحابة والتابعين، وقد حفظت لنا كتب التراجم أخباراً مضيئة عن مكانته العلمية المبكرة، وعن عنايته الفائقة بالقرآن والفقه، حتى عُرف واشتهر قبل توليه الخلافة بأنه من أئمة أهل العلم والعبادة.

لكن الإنسان -مهما علا كعبه في المعرفة- لا يتشكل بالعلم وحده، بل تصقله وتوجهه الأحداث الكبرى التي تعصف بزمانه، فقد ارتبط اسم عبدالملك بن مروان تاريخياً بمرحلة حرجة شهدت اضطرابات سياسية عميقة، وكان انتقاله الصعب من هدوء حياة العالم المدني إلى صخب قيادة الدولة، نتيجةً حتمية لتحولات كبرى فرضتها طبيعة ذلك العصر.

ومن هنا ينجلي لنا بوضوح كيف تساهم التجارب المبكرة في صناعة تصور الإنسان للعالم ومآلاته؛ فالذي يرى بعينيه انهيار النظام السياسي وتقلب الدول، ينشأ لديه تقديرٌ شديدٌ والتزامٌ صارم بقيمة الوحدة والاستقرار، حتى يصبح هاجسه الأكبر، ومحرك حكمه الأول، هو سد الذرائع ومنع تكرار الفوضى.

صراع النجاة الفردية ومسؤولية الحكم في شخصيته

من أشهر الصور الرمزية التي ارتبطت بعبدالملك بن مروان، وتداولها المؤرخون للدلالة على التحول الجذري في مسيرته، ما رُوي عن إغلاقه المصحف لحظة انتقاله إلى معترك العمل السياسي، ولا ينبغي للمتأمل أن يقف عند حدود القراءة السطحية لهذا المشهد؛ فالقضية تتجاوز مجرد الانتقال من محراب العبادة إلى أروقة السياسة، بل هي تجسيدٌ لصراع داخلي مرير بين صورتين تتنازعان الإنسان: صورة «العالِم» الذي يلوذ بالعزلة طمعاً في النجاة الفردية، وصورة «الحاكم» الذي يجد نفسه فجأة مسؤولاً عن كيان سياسي واسع تتلاطمه أمواج الاضطراب.

وهنا تتجلى المأساة الإنسانية في أعمق صورها داخل شخصية عبدالملك؛ فهو لم يكن يوماً فاقداً للبصيرة الدينية، بل كان يحمل وعياً شرعياً حاداً جعله يدرك فداحة العبء وثقل القرارات التي اتخذها، وهو ما يفسر تلك الأقوال المنقولة عنه في أواخر أيامه، والمشحونة بلوعة الندم والخوف من العرض والحساب.

وهذا الإحساس المرهق بفداحة السلطة وتعارضها مع طمأنينة الخلاص الفردي، لم يكن مقصوراً على عبدالملك، بل امتد ليكون هاجساً يؤرق قلوب من أدركوا حقيقة الحكم من بعده، فها هو الخليفة المصلح عمر بن عبد العزيز، يبلغ به إدراك ثقل مسؤولية الحكم والخوف من الحساب مبلغاً جعله يتمنى لو استطاع أن يُقلّد هذا العبء الجسيم لمن آثر النجاة الفردية وانقطع للعبادة بعيداً عن فتنة السلطة، حيث عبر عن ذلك بقوله: «لو كان إليّ من الأمر شيء ما عدوت به القاسم بن محمد أو صاحب الأعوص إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص»، وقد صدق في وصفه لإسماعيل، إذ يذكر محمد بن عمر أنه: «كان إسماعيل بن عمرو عابداً منقطعاً قد اعتزل، فنزل الأعوص»(3).

لتظل ثنائية «إدارة الدولة» و«العزلة للعبادة» معادلة صعبة، تُمزّق وجدان من جُمع لهم بين فقه الدين ومسؤولية الدنيا، فبينما فرضت الأقدار على أحدهم أن يغلق مصحفه ليحفظ بيضة الأمة، تمنى الآخر لو أنه سلّم الراية لمن تفرغ لمصحفه ونجا بنفسه.

الثمن الأخلاقي لتوحيد الأمة بعد الفتنة الثانية

واجه عبدالملك بن مروان تحديات سياسية وعسكرية كبرى كادت أن تعصف بكيان الأمة، كان أبرزها الصراع المرير مع عبد الله بن الزبير، وما استتبعه من جهود مضنية لإعادة توحيد مركز الخلافة في دمشق، وفي سبيل إدارة هذه الأزمة، اعتمد على بناء سلطة مركزية قوية ومطلقة، مستعيناً برجال دولة وقادة عسكريين ذوي بأس شديد، وفي طليعتهم الحجاج بن يوسف الثقفي، ويكشف لنا هذا المسار عن نموذج قيادي يتخذ من الحزم الشديد والبطش أداة لدرء التهديدات الوجودية التي تتربص بالدولة.

لكن صفحات التاريخ تكشف دائمًا أن القوة السياسية لا تُمنح مجاناً، بل تحمل في طياتها أثماناً أخلاقية باهظة؛ فنجاح الدولة في استعادة وحدتها لا يلغي بحال من الأحوال الأسئلة الكبرى المرتبطة بالوسائل التي عُبّد بها طريق هذا النجاح.

هذا الثمن الأخلاقي الباهظ لاستخدام البطش لترسيخ دعائم الحكم، هو ذاته الذي أرق ضمائر العلماء عبر التاريخ ودفعهم للصدوع بالحق، كما يتجلى في الموعظة البليغة التي وجهها الإمام أبو عمرو الأوزاعي للخليفة أبي جعفر المنصور محذراً إياه من مغبة ذلك، فقد ذكّره بحدود القوة والمسؤولية الملقاة على عاتق الحاكم قائلاً: «يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن عروة بن رويم قال: كانت بيد النبي صلى الله عليه وسلم جريدة يستاك بها ويروع بها المنافقين، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، ما هذه الجريدة التي كسرت بها قرون أمتك، وملأت قلوبهم رعباً؟».

ثم أردف الأوزاعي بكلمات قاطعة، تقف شاهدةً على مرارة العنف الذي رافق حقب التأسيس والتوحيد في التاريخ الإسلامي متسائلاً: «فكيف بمن شقق أبشارهم وسفك دماءهم، وخرب ديارهم، وأجلاهم عن بلادهم، وغيبهم الخوف منه»44).

ومن هنا تحديداً تأتي أهمية دراسة هذه التجارب التاريخية؛ لا بهدف التبرير المطلق لما اقترفته يد السلطة من عنف بحجة الاستقرار، ولا بغرض الإدانة المجردة التي تتجاهل فداحة التهديدات السياسية والواقع المعقد، بل غاية الأمر فهم تلك العلاقة الشائكة والمعقدة بين ضرورات حفظ النظام، وحدود القوة التي متى ما تُجاوزت، حفظت كيان الدولة، لكنها أرهقت روح الأمة ووجدانها.

لماذا لا تكفي القرارات الصامتة لإدارة الجماهير؟

لم يكن الحاكم في المجتمعات القديمة يعتمد على المؤسسات الحديثة للتواصل، بل كان المنبر والخطبة من أهم أدوات بناء العلاقة مع الناس.

وتنسب إلى عبدالملك إشارات تدل على إدراكه أهمية مخاطبة العامة ومواجهة المجتمع بصورة مستمرة، وهو معنى يكشف أن القيادة ليست مجرد قرارات خلف الأبواب، بل قدرة على بناء صورة ذهنية لدى الجماهير.

وفي واقع المؤسسات اليوم، يبقى التواصل المستمر مع الناس والعاملين عنصرًا أساسيًا في بناء الثقة؛ فالقائد الذي يغيب عن جمهوره يترك المجال للشائعات والتفسيرات البديلة.

تعريب الدواوين وسك العملة.. خطوات تأسيس الهوية

لم يقتصر أثر عبدالملك بن مروان على الجانب العسكري والسياسي، بل شهد عهده أعمالًا مرتبطة ببناء مؤسسات الدولة، مثل تعريب الدواوين وضرب العملة الإسلامية.

وتحمل هذه الأعمال معنى أوسع من مجرد الإجراءات الإدارية؛ فهي تعبير عن استقلال الدولة في أدواتها المالية والثقافية، وعن انتقالها من الاعتماد على أنظمة سابقة إلى بناء هوية خاصة بها.

وهذا المعنى حاضر في عالم اليوم؛ فالمؤسسات القوية لا تعتمد فقط على الشعارات، بل تبني أنظمتها ومعارفها واقتصادها وقدرتها على الاستمرار.

بين عمارة الدنيا ومحاسبة النفس

تكمن خصوصية شخصية عبدالملك بن مروان في اجتماع جوانب تبدو متعارضة: عالم بالقرآن والفقه، وسياسي استخدم القوة في تثبيت الحكم، وبانٍ لمؤسسات الدولة، وإنسان يحمل في داخله آثار القرارات التي اتخذها.

وهذا يعكس حقيقة مهمة في دراسة الشخصيات التاريخية؛ فالإنسان ليس صورة واحدة ثابتة، بل مزيج من العلم والظروف والاختيارات والنتائج.

وفي التربية والقيادة المعاصرة يظهر هذا المعنى بوضوح؛ فالكفاءة وحدها لا تكفي، والقوة الإدارية إذا انفصلت عن الضوابط الأخلاقية قد تتحول من وسيلة للإصلاح إلى سبب للضرر.

من سيرة عبدالملك بن مروان إلى أسئلة القائد المعاصر

تقدم هذه التجربة أسئلة لا تزال حاضرة: كيف يوازن القائد بين الحزم والرحمة؟ كيف يحافظ على النظام دون أن يفقد حساسية الضمير؟ وكيف ينجح في بناء المؤسسات دون أن تصبح السلطة غاية مستقلة عن القيم؟

إن أعظم ما يمكن استخراجه من هذه السيرة ليس تمجيد القوة ولا رفضها بإطلاق، وإنما إدراك مسؤولية القرار حين يصبح الإنسان في موقع التأثير، فكل قائد يترك أثرًا، وكل قرار له ثمن، وكل سلطة تحتاج إلى ميزان أخلاقي يحفظ إنسانيتها.

الهوامش
  • 1 هو عبدالملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي، وُلد بالمدينة سنة 26هـ، يُعد من طبقة كبار التابعين، واشتهر بالعلم والفقه والعبادة قبل توليه الخلافة، ثم عُرف بالدهاء والحزم وتوحيد الدولة الأموية، سكن دمشق جاعلاً منها عاصمة لملكه، وبها توفي سنة 86هـ.
  • 2 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج1، ص37.
  • 3 تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، ج9، ص34.
  • 4 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج6، ص53، 54.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة