ازدواجية المعايير الدولية بين مادورو ونتنياهو

يجسد التعامل الدولي مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ورئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو، نموذجًا صارخًا لازدواجية تطبيق القانون الدولي، فبينما يواجه الأول عقوبات قاسية واتهامات واسعة، يستمر الثاني في تلقي دعم دبلوماسي ومالي وعسكري على الرغم من أنه يواجه اتهامات بجرائم حرب؛ ما يعكس ظلمًا مؤسسيًا يهدد بخراب العمران العالمي.

مادورو.. العقاب الصارم وتجاوز السيادة

1- العقوبات كأداة للعقاب الجماعي:

الحصار الاقتصادي الشامل: منذ عام 2017م فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سلسلة من العقوبات المتصاعدة على فنزويلا، شملت قيودًا مالية وقيودًا على التعامل مع قطاع النفط الذي يعد المصدر الرئيس للعملة الصعبة؛ ما حد من قدرة الدولة على استيراد السلع الأساسية كالغذاء والدواء وساهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية في البلاد.

التأثير الإنساني: أشارت تقارير الأمم المتحدة والمؤسسات البحثية المستقلة إلى أن هذه العقوبات ساهمت في تفاقم الأزمة الإنسانية في فنزويلا، بما في ذلك نقص الإمدادات الطبية والمعدات الأساسية في المستشفيات.

تجميد الأصول الخارجية: تم تجميد عدد كبير من أصول فنزويلا في الخارج، بما في ذلك العائدات النفطية، دون إصدار أحكام قضائية دولية؛ ما أدى إلى تقييد قدرة الدولة على إدارة مواردها بشكل طبيعي.

2- انتهاك السيادة والتدخل السافر:

الاعتراف بسلطة موازية: في بداية عام 2019م أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول أن خوان جوايدو، رئيسًا مؤقتًا لفنزويلا، رغم استمرار الحكومة المنتخبة دستورياً بقيادة مادورو في ممارسة السلطة الفعلية.

التهديد العسكري المعلن: تحدث مسؤولون أمريكيون بمن فيهم الرئيس ترمب علنًا، عن أن جميع الخيارات مطروحة بما فيها العسكرية، وقد كان.

التدخل في المؤسسات الوطنية: تعرضت شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) لضغوط غربية من خلال عقوبات وقرارات إلغاء تراخيص العمل مع شركات أجنبية؛ ما يعكس أثر التدخل الخارجي في إدارة القطاع النفطي.

نتنياهو.. الحصانة رغم الاتهامات الجسيمة

1- انتهاكات القانون الدولي الإنساني:

الاستيطان كجريمة مستمرة: يواصل نتنياهو دعم وتوسيع المستوطنات «الإسرائيلية» في الضفة الغربية، وقد أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا يؤكد أن سياسة الاستيطان هذه تعد انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي، وفقًا للمادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل المدنيين من دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة.

الحروب على غزة: أثناء فترة رئاسة نتنياهو شنت «إسرائيل» عدة عمليات عسكرية كبرى على قطاع غزة، بما في ذلك حروب 2008– 2009، 2012، 2014م، وهجمات لاحقة كعام 2018م؛ ما أسفر عن آلاف الشهداء الفلسطينيين ودمار واسع للبنى التحتية.

وفي الحرب الأخيرة التي بدأت في 7 أكتوبر 2023م، تشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى ما يربو عن 70 ألف شهيد بخلاف أعداد الجرحى؛ ما يعكس استمرار دورة العنف والإصابات الإنسانية الكبيرة.

الحصار المشدد على غزة: استمرار الحصار الخانق المفروض منذ عام 2007م؛ أي ما يربو عن 18 عامًا، الذي تصفه الأمم المتحدة بـالعقاب الجماعي المحظور بموجب القانون الدولي.

2- الدعم الدولي رغم الانتهاكات:

الحماية السياسية المستمرة: تستخدم الولايات المتحدة حق النقض (الڤيتو) بشكل متكرر في مجلس الأمن لحماية «إسرائيل» من أي قرار يدين انتهاكاتها، فقد استخدمت واشنطن حق «الڤيتو» ضد قرارات تتعلق بـ«إسرائيل» 49 مرة منذ أول استخدام في سبعينيات القرن الماضي؛ ما يعكس استمرار الدعم السياسي والدبلوماسي القوي لـ«إسرائيل» على مستوى الأمم المتحدة.

الدعم المالي والعسكري غير المشروط: تتلقى «إسرائيل» حوالي 3.8 مليارات دولار سنويًا كمساعدات عسكرية أمريكية، دون ربطها باحترام حقوق الإنسان أو القانون الدولي.

الترويج كدولة ديمقراطية: على الرغم من أن المقرر الخاص للأمم المتحدة أكد أن سياسات «إسرائيل» تجاه الفلسطينيين تستوفي عناصر نظام الفصل العنصري (أبارتهايد)، تواصل بعض الدول الغربية التعامل مع «إسرائيل» كدولة ديمقراطية، مع انتقادات إعلامية محدودة أحيانًا.

التناقض في المعايير

Ø      جدول مقارنة لبيان ازدواجية التطبيق

المعيار الدولي

التطبيق على مادورو/ فنزويلا

التطبيق على نتنياهو/ إسرائيل

العقوبات الاقتصادية

عقوبات شاملة تجمد الأصول وتمنع التجارة

لا عقوبات اقتصادية، بل دعم مالي متزايد

المساءلة الجنائية

اتهامات علنية واقتياد للمحاكمة

حماية من المحاسبة عبر الڤيتو والدعم السياسي

السيادة الوطنية

انتهاك سافر عبر الاعتراف بحكومة منافسة، واعتقال الرئيس داخل أراضية.

القول المتكرر بأحقية إسرائيل في الدفاع عن نفسها

الرد الدولي على انتهاكات حقوق الإنسان

إدانة واسعة وعقوبات فورية

إدانات لفظية خفيفة دون إجراءات عملية

التغطية الإعلامية الغربية

تصوير النظام كديكتاتورية فاشلة

تصوير القيادة كشريك ديمقراطي في منطقة مضطربة

 

الآليات الكامنة وراء الازدواجية

1- المصلحة الجيوسياسية: تمثل «إسرائيل» حليفًا إستراتيجيًا للغرب في الشرق الأوسط، بينما تمثل فنزويلا تحت حكم مادورو تحديًا للنفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية.

2- القوة الناعمة واللوبيات: يتمتع اللوبي «الإسرائيلي» بنفوذ سياسي وإعلامي كبير في العواصم الغربية، بينما تفتقر فنزويلا لمثل هذا النفوذ.

3- العنصرية الثقافية: يميل صناع القرار الغربيون أحيانًا إلى اعتبار انتهاكات الدول غير الديمقراطية أشد خطورة من انتهاكات الدول الديمقراطية؛ ما يعكس تحيزًا ثقافيًا واضحًا.

4- الصراع الأيديولوجي: يصور مادورو كرمز للاشتراكية المناهضة لأمريكا؛ ما يجعله هدفًا للإضعاف النظامي.

ازدواجية المعايير في حالة مادورو، ونتنياهو، تكشف خللًا أخلاقيًا عميقًا في النظام الدولي، حيث تطبق القواعد الدولية انتقائيًا وفق موازين القوة لا العدالة؛ ما يقوض مصداقية المؤسسات الدولية ويعمق الاستقطاب العالمي، ويتيح تبرير انتهاكات حقوق الإنسان، وعليه فإن استعادة العمران العالمي يتطلب الالتزام بمعايير موحدة للمساءلة الدولية، تقوم على المساواة بين الدول والشعوب بعيدًا عن مصالح التحالفات، لضمان نظام دولي أكثر عدلًا واستدامة.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة