إستراتيجية الكيان الصهيوني في إخضاع المنطقة باستغلال الأقليات

د. سعيد الحاج

24 يناير 2026

48

رغم المشتركات الكبيرة في العالم العربي والإسلامي التي تجعل من الممكن في كثير من الأحيان الحديث عنه كوحدة واحدة، فإنه يزخر بثراء لافت من حيث الإثنيات والأعراق والأديان والمذاهب، ففيه العربي والتركي والكردي والفارسي والأمازيغي، وفيه المسلم والمسيحي، وفيه السُّني والشيعي والعلوي والدرزي.. وغير ذلك من التصنيفات.

ورغم أن هذا التنوع يمكن، بل ينبغي أن يكون مصدر ثراء وقوة وتكامل، فإنه بات في العقود الأخيرة تحديداً مصدر تنازع وخلافات وصراعات أدت لتمزق عدد من الدول العربية والإسلامية، وضعف أخرى، ودوران أخريات في دوامة الفشل والعجز.

التنوّع يجب أن يكون مصدر ثراء وقوة وتكامل.. لا تنازعات وصراعات تمزِّق الدول العربية والإسلامية

العوامل الداخلية المساهمة في هذه الحالة كثيرة، وقد كانت دوماً مدار نقاش وتحليل وبحث عن حلول مناسبة، بيد أن العامل الخارجي قلما يتم التطرق له بشكل منهجي يمكن أن يكون ذا إسهام في تجنب سلبيات هذا التنوع والاستفادة حصراً من إيجابياته، وحين نتحدث عن العامل الخارجي، فإن الكيان الصهيوني يقع في القلب من هذه النظرية، ليس فقط كمستفيد من حالة الخلاف والتشرذم، وإنما كصانع ومفاقم، بل وموجّه لها، وهو ما يتضح في النظرية والممارسة على حد سواء.

«إسرائيل».. ومبدأ الردع

من حيث المبدأ، رأى الجيل المؤسس للكيان الصهيوني معضلته الرئيسة، وهي كونه غريباً عن نسيج المنطقة، ملفوظاً ومنبوذاً من شعوبها؛ ما يعني أنه سيكون دائماً أمام خطر وجودي ينذر بزواله ما لم يبق قوياً وقادراً على مواجهة هذا الخطر؛ ولذلك فقد بنيت النظرية الأمنية «الإسرائيلية» منذ التأسيس على مبدأ الردع؛ وهي منع أي طرف بالتفكير في مهاجمة الكيان فضلاً عن هزيمته، وحتى يتأتى ذلك ينبغي للكيان أن يبقى دائماً أقوى وأغنى وأكثر استقراراً من مجموع دول الطوق المحيطة به، وحبذا لو كان من مجموع الدول العربية والإسلامية المعادية له.

ولأن مبدأ القوة ذاتي وموضوعي في الآن نفسه، بمعنى أن القوة نسبية وعنصر تفاضل ومقارنة مع الآخر، فإن قوة الكيان المحتل لا تأتي فقط بالعناصر الذاتية، وإنما كذلك بإضعاف الأعداء والخصوم الحاليين منهم والمستقبليين والمحتملين.

مبادئ «الجدار الحديدي»

وعليه، فقد نظّر المؤسسون الأوائل للنظريات العسكرية والأمنية «الإسرائيلية» لمبادئ تعامل دولة الاحتلال مع الدول العربية والإسلامية، بحيث تضمن تفوقها الدائم عليهم متفرقين ومجتمعين، وفي مقدمة هؤلاء ديفيد بن غوريون، وجابوتنسكي صاحب نظرية «الجدار الحديدي»، ومن أهم هذه المبادئ:

أولاً: التحالف والتعاون مع الدول المحيطة بالدول العربية وخصوصاً دول الطوق، وبالتالي حصارها وإبقاؤها تحت الضغط، وفق إستراتيجية «تحالف المحيط» التي استهدفت بالأساس دولاً مثل تركيا وإيران وإثيوبيا، وقد أبرم الكيان اتفاقات عديدة حملت اسم «الاتفاق الإطاري» أو «المحيطي»، وأشهره الاتفاق الذي حمل الاسم ذاته مع كل من أنقرة وطهران عام 1958م.

مشاريع التجزئة والتقسيم عوامل هدم وتدمير تخدم مصالح المحتل الأجنبي وليس شعوب المنطقة

ثانياً: التعاون مع الأقليات العرقية والمذهبية في المنطقة، وفق إستراتيجية تحالف الأقليات.

ثالثاً: إذكاء الصراعات البينية والداخلية؛ أي بين الدول بعضها بعضاً، وداخل الدول بين مكوناتها؛ بما يشغل هذه الدول بمشكلاتها وأزماتها الداخلية، ويوجه كل طاقاتها نحو هذه الأزمات، فيشغلها عن مواجهة الكيان فضلاً عن استنزافها وإضعافها، ثم يتيح للكيان تقديم نفسه كحليف لبعضها في مواجهة البعض الآخر.

رابعاً: إضعاف الدول الكبرى المحيطة بالكيان، وتقسيمها إن أمكن، بعدِّها خطراً كبيراً محتملاً في المستقبل.

خامساً: أن يكون تقسيم الدول العربية والإسلامية على أسس عرقية ودينية ومذهبية بحيث يحقق للكيان مصلحتين أساسيتين؛ الأولى: إبقاء الصراعات والنزاعات الداخلية حتى بعد التقسيم بين هذه الدويلات أو المكونات، والثاني: إسباغ حالة من الشرعية الضمنية على الكيان بعدِّه «إحدى دول الأقليات في المنطقة»؛ أي أن يتحول من كيان غريب عن نسيج المنطقة إلى أحد الكيانات المشكّلة على أسس فئوية أقلوية، بحيث يصبح هناك في المنطقة دول سُنية وشيعية ودرزية وكردية ومسيحية وكذلك «يهودية»، فلا يعود نشازاً واستثناء في المنطقة، وإنما حالة ضمن حالات مشابهة.

هذه المبادئ المنثورة في أدبيات مؤسسي الحركة الصهيونية وقيادات دولة الاحتلال في سنواتها الأولى وجدت طريقها للتطبيق مراراً، فقد رأينا التدخل «الإسرائيلي» المباشر لاستهداف دول عربية وإسلامية مثل لبنان وسورية والعراق وإيران وغيرها، كما لا تخفى أصابع الاحتلال في تشجيع نعرات الانفصال والتقسيم، من جنوب السودان إلى شمال العراق إلى شمال سورية إلى جنوب اليمن، فضلاً عن اعترافه مؤخراً باستقلال إقليم أرض الصومال.

الحالة السورية

وفي الحالة السورية الناشئة بعد سقوط نظام الأسد، تتبدى هذه المبادئ النظرية وتطبيقاتها العملية بشكل مباشر وصريح ومعلن، في حالتي السويداء وشرق نهر الفرات، ففي حالة السويداء تدعي دولة الاحتلال أنها الراعية لمصالح الدروز في جبل العرب، وأنها حليفتهم في المنطقة باستغلال روابطهم مع قيادات الدروز في فلسطين المحتلة، وهي تشجع علناً فكرة انفصالهم عن الدولة السورية وفق مشروع «ممر داود»، لدرجة أن قوات الاحتلال قصفت قوات الجيش السوري حين تدخل في السويداء بادعاء حماية الأقلية الدرزية.

وفي شرق الفرات، تدعم «إسرائيل» «قوات سورية الديمقراطية» (قسد) في مشروعها الانفصالي، وترتفع أصوات داخل الكيان المحتل تدعو لدعمها عسكرياً وبشكل مباشر ضد كل من دمشق وأنقرة، ولا تنفي قيادات «قسد» ومن خلفها «حزب العمال الكردستاني» وجود علاقات وحوار وانتظار دعم من «إسرائيل» في هذا الإطار.

وغني عن الذكر، أن الشواهد التاريخية فضلاً عن التأصيل النظري يؤكدان أن منطلقات «إسرائيل» في هذه الإستراتيجيات تتوخى مصلحة ذاتية لها لفرض هيمنتها على المنطقة بعد إضعاف وتقسيم الدول العربية والإسلامية الكبيرة والمؤثرة، وليس في أولوياتها البحث عن مشتركات أو تحالفات تقوي الأطراف الأخرى حتى ولو ظنت أنها حليفة للكيان.

على الحكومات والنخب والشعوب إدراك مشاريع الانقسام وسبل مواجهتها بتقوية الجبهة الداخلية لا تفتيتها

بهذا المعنى، لا ينبغي النظر للمشاريع الانفصالية والنعرات الانقسامية على أنها محض ديناميات داخلية وفق معادلات ذاتية، على وجود ذلك وأهميته، وإنما كذلك من زاوية العامل الخارجي الذي يسعى للإخضاع والهيمنة وبسط النفوذ، وإذا كان ذلك ديدن «إسرائيل» منذ إعلانها، فإن ذلك بات أوضح بعد عملية «طوفان الأقصى»؛ حيث غيّرت دولة الاحتلال نظريتها الأمنية من مبدأ الردع ومكافحة التهديدات إلى مهاجمة أي تهديد محتمل قبل نشوئه وبما يشمل احتلال الدول وفرض مناطق عازلة داخل أراضيها.

وعليه، ينبغي النظر لمشاريع التجزئة والتقسيم على أنها عوامل هدم وتدمير تخدم مصالح المحتل الأجنبي وليس شعوب المنطقة، ومن الضروري ترسيخ قناعة بأن مواجهة هذه المشاريع إحدى أهم أدوات ومساحات الصراع مع الكيان الصهيوني وحماية دول العالم العربي والإسلامي وفي مقدمتها دول منطقة الشرق الأوسط منه.

إن أولى ما ينبغي على حكومات وأنظمة وشعوب ونخب المنطقة أن تفعله هو إدراك هذا الخطر الإستراتيجي وسبل مواجهته، بتقوية الجبهة الداخلية لا تفتيتها، ومواجهة العدو المشترك لا الانخداع بأوهام المصالح المشتركة معه، وبالتعاون والتحالف بين الجميع لمواجهة الخطر الأكبر المشترك الذي يستهدف الجميع. 

اقرأ أيضا:

مشاريع التفتيت.. قراءة مقاصدية في واقع العالم العربي

تفتيت الدول العربية والإسلامية.. من سايكس- بيكو.. إلى أمريكا- بيكو!

السقوط المدبَّر.. هندسة التفتيت من التقسيم إلى خرائط الدم

 

 

 

 

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة