السقوط المدبَّر.. هندسة التفتيت من التقسيم إلى خرائط الدم
تتصاعد التوترات
في منطقة الشرق الأوسط، وتستعرّ النزاعات والانهيارات في أنحاء العالم، بدأ عام
2026م بتطورات كبيرة تتصل بالأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، صراعاتٌ تؤجج
وتستمر، تقف خلفها أيادٍ خفية، ترسم حدودها بعناية، والرابح النهائي منها لا يعدو
أن يكون أطرافاً بعينها، تسعى إلى فرض ما تريده عبر أجندات مسبقة، ومخططات واضحة،
وسياسات تخدم مصالحها.
وفي ظلال هذه
المشاريع، يحضر ما يجري في المشرق العربي والإسلامي، وكأنه مختبر لكل نظريات
التقسيم، إذ تتفاقم فيه الأزمات الأمنية، والنزاعات الطائفية، ويُهجر أهله كل حين،
والهدف المركزيّ، أن يتسيّد الكيان المنطقة، وكأننا أمام لعبة «الدومينو» إن سقط
منها حجر؛ لحقته الأحجار الأخرى الواحدة تلو الأخرى، فأمام ما يجري هل نحن أمام
حوادث عشوائية، أم أننا أمام نتاج سياسات ممنهجة لتقسيم المنطقة، تهدف في نهاية
المطاف إلى كسر أي إرادة تناقض ما يريده الكيان وأعوانه.
من «سايكس بيكو» إلى «إسرائيل الكبرى»
هندست اتفاقية «سايكس-بيكو»
حدود جزء من منطقة المشرق، وقد أُبرمت الاتفاقية مطلع القرن العشرين، وكان هدفها
تقسيم جزء مما تركته الدولة العثمانية، فكان تقسيم بلاد الشام إلى دول جديدة، وحوّلت
الفضاء الجغرافي والديموغرافي المشترك، إلى مساحة تقاسمتها القوى الاستعمارية
الكبرى آنذاك.
وتأتي التطورات
في السنوات القليلة الماضية، وإعلان نتنياهو الواضح بأنه يعمل لتحقيق «إسرائيل الكبرى»، انتقالاً آخر من حالة التقسيم إلى التفتيت، ولكن هذه المرحلة لم تأتِ من
فراغ، فقد استندت إلى تاريخ طويل من محاولات تقسيم المنطقة، نظر لها كبار المخططين
الإستراتيجيين.
ومن أبرز
الوثائق التي تؤكد هذه الأطروحات «وثيقة أوديد ينون» الصادرة في عام 1982م، في
مجلة «كيفونيم» (اتجاهات)، التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية، وحملت عنوان «إستراتيجية
لإسرائيل في الثمانينيات»، وكشفت الخطة أن الشرط المركزي لتفوق دولة الاحتلال
تحويل الدول العربية المحيطة بالاحتلال من كيانات وطنية إلى «فسيفساء» من الدويلات
الطائفية والعرقية المتناحرة.
وقد أشار ينون
في خطته إلى أن الدول العربية بحدودها الحالية تُعدّ بنى هشة، ويجب على الكيان
تفكيكها إلى مكوناتها الأولية الطائفية والعرقية؛ ما يضمن للاحتلال الصهيوني أنها
الدولة الوحيدة المستقرة في محيط مشتعل.
بإعلان نتنياهو أنه يعمل لتحقيق «إسرائيل
الكبرى» ننتقل من حالة «التقسيم» إلى «التفتيت»
هذا التخطيط
الذي يسعى إلى تفتيت المنطقة، يشكل انعكاساً لرؤية أمريكية، فقد وجدت هذه المخططات
مظلة فكرية وإستراتيجية في الغرب، عبر ما يُعرف بـ«خرائط برنارد لويس»، فقد قدّم
العديد من الأطروحات حول المنطقة، التي تقاطعت مع خطة ينون، وما يؤكد أهمية مخططات
لويس، أنه كان عراباً لكثير من سياسات أمريكا في المنطقة.
وقد ركّز ينون
على البعد الأمني للاحتلال، بينما قدّم لويس تنظيراً أعمق، حمل أبعاداً سياسية
للفكرة نفسها، فقد قسّمت خرائط لويس المنطقة بناءً على خطوط التصدع المذهبي
والعرقي، وكأنها رقع شطرنج تضم أكثر من 30 كانتوناً ودويلة.
هذا التطابق بين
ينون، ولويس، يُثبت المحاولات المباشرة لهندسة المنطقة، إلا أن هناك التقاء واضحاً
للمصالح ما بين «إسرائيل» والولايات المتحدة؛ الأولى تسعى إلى التفتيت، والثانية
تريد استمرار هيمنتها، وهو ما تأكد جلياً في حرب الإبادة على غزة، وما يُشير إلى
تطبيق فعلي لهذه النظريات، تحت مسميات «الفوضى الخلاقة» و«الشرق الأوسط الجديد»،
وأخيراً «إسرائيل الكبرى»؛ وهو ما يعني أننا انتقلنا من حقبة الاستعمار الخشن، إلى
حقبة تزرع الشقاق، معيدة تشكيل الهويات في المنطقة، لتصبح الهوية الطائفية أو
المناطقية البديل عن هويات وطنية جامعة، وتحول المنطقة إلى خرائط دمّ مسفوك.
آليات التنفيذ صناعة البيئات الهشة والتحييد الاقتصادي
هذه الهندسة
المدروسة، ومحاولات تفتيت ما بقي من المنطقة، وإغراقها في أتون صراعات لا تنتهي،
سيشكل العنوان الأبرز في السنوات القادمة، خاصة مع ما لقيه الاحتلال من مواجهة
فاصلة في السابع من أكتوبر؛ لذلك شهدنا كيف تحركت الأيادي المشبوهة لتصعيد هذا
الاقتتال في السودان واليمن وسورية، والصومال؛ لكي تنتقل المخططات من النظرية إلى
الواقع، مستخدمة العديد من الأدوات، وفي النقاط الآتية نذكر أبرزها:
1- صناعة «البيئات
الهشة»: لا يتم التقسيم فجأة، بل يسبقه تحويل الدولة المستهدفة إلى بيئة هشة عاجزة
عن المقاومة، ويتم عبر الاستهداف الممنهج للبنى التحتية والمؤسسات السيادية،
لإبقائها في حالة فشل وظيفي دائم، أو من خلال دعم الأنظمة الاستبدادية، فالدول
المستبدة تتحول إلى الهشاشة بشكل متدرج، وهي بنهاية المطاف لا تملك قرارها، وتصبح
تُربة خصبة للتدخلات الخارجية؛ ما يُسهل تفكيكها وتعزيز نزعات التشقق في داخلها.
2- التحييد
الاقتصادي: يُستخدم الاقتصاد كأداة قهر وتطويع، إذ يتم إغراق الدول المستهدفة في
مديونيات ضخمة، وتدمير عملتها الوطنية، وربط اقتصادها بالكامل بالخارج، والهدف
متمثل بإشغال الشعوب بلقمة العيش اليومية؛ ما يحيدها سياسياً، ويمنعها من التفكير
في القضايا الكبرى، والمشاريع الوطنية الجامعة، والانعتاق من المستبد، فالمواطن
الجائع والمهموم بتأمين قوت يومه لا يملك ترف الاعتراض على رسم الخرائط، ومواجهة
أدواتها.
3- «دسترة
الانقسام» ونظام المحاصصة: أي تحويل المحاصصات المليشياوية والطائفية إلى جزء من
واقع البلاد، لا يُمكن التراجع عنه، ولكنه يحوّل الانتماء الطائفي والمناطقي ليكون
البديل الوحيد للقاطنين في هذه الدول، ويعيد زرع بذرة الاقتتال لأوقات قادمة.
4- الفرز
الديموغرافي: إعادة هندسة السكان لخلق مناطق صافية طائفياً تمهيداً للانفصال، وهو
ما رأيناه في عدد من الأقطار العربية، بدعم مباشر من الكيان ودول أخرى.
الإستراتيجية والغطاء.. من حل الصراع إلى إدارة الانهيار
لا تكتمل
محاولات التفكيك دون غطاء أيديولوجي وسياسي يبررها أو يخفي معالمها، وهنا تكمن عبقرية
الشرّ في هذه الهندسة، من خلال تعميق التفتيت والإلهاء، فعندما تعاني العديد من
الدول محاولات للتفتيت، وتتشعب القضايا في المنطقة العربية والإسلامية، لا يكون
حينها للفاعلين المحليين؛ دولاً كانوا أو أحزاباً، أي قدرة على مواجهة هذه
المحاولات، خاصة في ظل ما لديها من قدرات مالية وتخطيطية وأذرع من المرتزقة، تؤدي
مباشرة إلى تحقيق هذه الأهداف.
مواجهة مشاريع التفتيت تبدأ بامتلاك وعي
مضاد لها وعدم الركون إلى الواقع الراهن
فلم تشهد العديد
من الدول أي محاولات حقيقيّة لحل الأزمات، فلا تعدو ما تقوم به هذه الدول عن إستراتيجيّة
إدارة الانهيار؛ أي إدارتها بما يحافظ على مستوى مدروس من الانهيار والفوضى، ويضمن
استنزاف جميع الأطراف، دون السماح لطرف بالانتصار الحاسم، هذه الإستراتيجية تحوّل
المنطقة إلى «ثقب أسود» يستنزف مقدرات الشعوب، ويشغلها بحروب جانبية لا تنتهي؛ ما
يمنح المهندس الخارجي وقتاً طويلاً لترتيب أوراقه وفرض شروطه.
وفي ظل هذه
النتائج، واستمرار الاستنزاف مدداً متطاولة، نصل إلى حالة نُطلق عليها «كَيّ الوعي»؛
أي أن تصل الشعوب إلى مرحلة القبول بأي خيار يوقف النزيف، حتى لو كان التقسيم، وهو
ما يعني انتصار أصحاب المخططات، وأصحاب اليد الخفية في المضي قدماً في تعميق
الانقسامات والتصفيات.
ما تعيشه
منطقتنا ليس قدراً محتوماً، ولا هو نتاج «لعنة جغرافية» أصابت الشرق، ولكنه حصادٌ
مرّ لعمليات هندسة طويلة المدى، أدت إلى تحقيق المزيد من الانقسامات، ومواجهة هذا
المشروع تبدأ من امتلاك وعي مضاد لهذه المشاريع، وهو وعيٌ يربط الحاضر بجذور
مخططات التقسيم، ومن يستفيد منها، وعدم الركون إلى الواقع الراهن الذي لن يتغيّر،
فقد أثبتت النماذج الماضية أن هناك لحظات فارقة، تمثلت بانسحاب الولايات المتحدة
من أفغانستان، وصباح السابع من أكتوبر، وفي انهيار النظام البائد في سورية..
وغيرها.
ولكن السؤال
الأهم، هل سنستمر في التعامل مع الأحداث كحجارة «دومينو» تتساقط بالصدفة؟ أم سنقرر
أخيراً أن نرى «اليد» التي تدفعها؟
اقرأ أيضاً: