مواقع التقاطع الاجتماعي!

هل واسيت فلاناً في وفاة والده؟ نعم، لقد قدمت له واجب العزاء عبر «فيسبوك»!

هل حضرت حفل زفاف قريبك؟ شاهدته عبر البث المباشر، وقدمت له التهاني والتبريكات عبر مقطع فيديو.

هل هنأت صاحبك فلانا بنجاحه؟ بالتأكيد، أرسلت له تهنئة عبر «واتساب».

هذه عينة من إجابات تصدر عن الكثير منا على أرض الواقع في مناسبات اجتماعية وأسرية، كانت قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، تحظى بشيء من القداسة لصلة الرحم، وضرورة التواد والتراحم والتعاضد والتكافل فيما بيننا.

قد يرى البعض أن وسائل التواصل والاتصالات أحدثت ثورة هائلة في المحادثات والمراسلات بين الأشخاص من بلد إلى آخر، ومن قارة إلى الثانية، وهو أمر حقيقي، لكنها في المقابل فرضت على الجميع نمطاً جديداً من العلاقات «عن بُعد».

قلوب صناعية!

صلة رحم قد تنقطع بالسنين، بين أقارب الدرجتين الأولى والثانية، وعائلات لم ير أفرادها بعضهم بعضاً لسنوات؛ بدعوى توافر الاتصالات الهاتفية بين الطرفين، ومحادثات الفيديو والواتساب، والمصحوبة بعلامات الإعجاب والمشاركة، والقلوب الصناعية، التي يختتم بها التعليقات على مواقع التواصل.

افتقدنا الكثير من الدفء الإنساني الذي كان يلم شمل الأسرة والعائلة، مع طغيان تأثيرات الهواتف الذكية، وتفشي الإدمان الرقمي، حتى أصبح الهاتف شريكاً حاضراً بين الأهل، يخطف الأبصار، ويشغل العقول، ويفتن القلوب، فينزوي كل فرد متصفحاً حساباته الشخصية على «إكس» و«تويتر» و«سناب شات»، أو غارقاً في متابعة «يوتيوب» و«تيك توك» و«إنستجرام».

غابت الحميمية الاجتماعية، قلّما يقبّل الولد أيدي والديه، أو يحتضن الرجل عمه وخاله، أو يربت على كتف عمته وخالته، أو يصافح أبناء أعمامه وعماته وأخواله وخالاته، لا لعذر، سوى لأنه يحادثهم عبر مواقع التواصل، فقلَّت الزيارات المباشرة، وضعفت الروابط المتينة، وتسلل الجفاء عبر مواقع التقاطع!

حضر التفاعل عبر الشاشات محل التواصل المباشر، وبرز «الإيموجي» أو «الايموشن» (صور مضحكة)، بدلاً من العناق الدافئ، وحلت الصور الرمزية، مكان النظرة في العيون، والبسمة في الوجوه، والتي يصعب تعويضها بالوسائل التكنولوجية.

إن ما يعرف بـ«وسائل التواصل» التي جاء بها الغرب، كانت لإنقاذ أفراده وأسره من التفكك، جراء طغيان مادي ضرب جوانب الحياة هناك، وفرض حالة من الفردية والعزلة بين مكوناته، بينما كانت مجتمعاتنا العربية والمسلمة تنعم بأكثر من رابط قوي، بداية من القرابة وصلة الرحم، إلى النسب والمصاهرة، والجيرة، والصداقة، والزمالة، فجاءت هذه المواقع لتضعف روابطنا المتينة، وتحل محلها «عوالم افتراضية».

يحذر خبراء ومختصون من أن استخدام شبكات ووسائل التواصل الاجتماعية مثل «فيسبوك» و«تويتر» قد يحتل مكان العلاقات مع الجيران، بحسب دراسة صادرة عن مشروع «بيو للإنترنت والحياة الأمريكية».

أجهزة غبية

إن ما اصطلح على تسميته بـ«الهواتف الذكية»، وتغول تلك الوسائل، وتنامي وجودها وتأثيرها، فرض علينا العيش في جزر منعزلة، حتى بين أفراد الأسرة الواحدة.

أكابد كزوجة وأُم ومربية لانتشال أبنائي من دوامة الهواتف، وتطبيقاتها الإلكترونية، وقد تمر الساعات، وكل ابن أو ابنة في جزيرة منعزلة حول هاتفه، لا يدرك شيئاً من أمر الآخرين، وهو -أمر دون مواربة- حال الكثير من أسرنا وأبنائنا.

تروي إحدى الزوجات لـ«المجتمع» أن أفراد الأسرة يلتقون فقط عبر «الجروب» المخصص للتفاعل بينهم، بينما لا يجتمعون على مائدة طعام واحدة، ويقول أحد الأزواج: إنه يتواصل مع أبنائه عبر «واتساب»، حيث لا يراهم إلا قليلاً؛ للانشغال بالعمل أو السفر، وغيره.

يقول أب في الخمسين من عمره لـ«المجتمع»: إنه يصارع الهاتف يومياً، في محاولة لانتزاع أبنائه من هذا الغول، وقضاء بعض الوقت معهم، وتبادل الحديث حول شؤونهم، في عالم حقيقي لا افتراضي، لكن الإدمان الرقمي صار سيد الموقف.

تحذر دراسات طبية وعلمية من أن هذا النمط من التفاعل الأسري يؤدي إلى الإحساس بالعزلة والانفصال عن الواقع، وظهور مشكلات أسرية واجتماعية، بل يفرض نوعاً من الخرس الزوجي، والتفكك الأسري غير المعلن داخل جدران البيت الواحد.

أكثر من 60% من طلاب الجامعات يدمنون استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بشكل يومي؛ ما يؤثر سلباً على تواصلهم وعلاقاتهم داخل الأسرة، ويفتح الباب أمام عديد من الأخطار والتحديات الأخلاقية، بحسب دراسة صادرة عن معهد الدوحة الدولي للأسرة.

مشاعر حقيقية

في العالم الحقيقي، ألفة لا يعوضها شيء، مهما غلا ثمنه، وتطورت تقنياته، بسمة صادقة على الشفاه، ومصافحة قوية، وقُبلة على الرأس؛ تغرس المحبة، وتطيب النفس، وتداوي الجرح، وتمحو الضغينة، وتقهر الشيطان، وهي مشاعر وأحاسيس لا تحققها شاشة اللمس.

أخيراً، استعيدوا شيئاً من الدفء الإنساني والأسري والاجتماعي، وأفشوا السلام بينكم، وأحيوا صلة الرحم عن قرب وليس عن بُعد، واحذروا مواقع التقاطع الاجتماعي. 



اقرأ أيضاً:

أُمٌّ عن بُعد!

كيف نرشد الرقمية في رمضان؟

5 خطوات تجنبك أضرار مواقع التواصل

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة