الاستيطان في القدس والضفة.. كيف يعيد الاحتلال رسم الجغرافيا؟
تتداخل سياسات
الاحتلال الاستيطانية والتهويديّة ما بين المناطق الفلسطينية المحتلّة، ويأتي
الاستيطان في القدس والضفة في مقدمة هذه السياسات التي تستهدف إعادة تشكيل
الديموغرافيا والجغرافيا في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
فعلى الرغم من
الحصار المُطبق على القدس والضفة المحتلة، كلٌّ منهما على حدة، فإنّ الاحتلال
يُعيد تشكيل الديموغرافيا في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، ويسعى إلى تغيير
الجغرافيا كذلك، في سياق إعادة إنتاج الواقع في هذه المناطق المحتلة، وتحويل
سيطرته على الأرض إلى سيطرة دائمة، مستعينًا بالحقائق التي يفرضها على أرض الواقع
عبر إحلال مستوطنيه.
وعلى الرغم من
كون المشاريع الاستيطانية تُقام في هذه المناطق بشكلٍ منفصل، فإن هناك خيطًا
ناظمًا تقوم عليه أذرع الاحتلال، عنوانه الأساسي، فتح المجال أمام مزيدٍ من الربط
ما بين المناطق الاستيطانية مع عمق الأراضي المحتلة عام 1948م، في مقابل تقطيع
أوصال المناطق الفلسطينية، وعزلها عن بعضها بعضاً، والدفع نحو تحقيق المزيد من
العزلة، ما بين كل منطقة فلسطينية وأخرى، وما بين المناطق التي يُقيم فيها
الفلسطينيون.
ويسعى هذا
المقال لتسليط الضوء على ارتباط المشروع الاستيطاني ما بين الأراضي المحتلّة، وأثر
المشاريع الاستيطانية الكبرى، إن كانت في القدس المحتلة أو في الضفة الغربية، على
مجمل المشهد الاستيطاني، وتحول الجغرافيا إلى أبرز ميادين الصراع الأساسيّة.
الاستيطان في القدس والضفة.. إعادة رسم الجغرافيا
شكلت القدس خلال
المراحل التاريخيّة جزءًا من شبكة حضرية واقتصادية واجتماعية مترابطة مع مدن
وبلدات الضفة الغربية، شملت الحركة اليوميّة للسكان، والعمل، والتعليم، والتجارة،
وغيرها.
وعلى الرغم من
هذه العلاقة العضوية، عملت سلطات الاحتلال على إعادة هندسة لها، من خلال جملة من
الأدوات، التي رسخت فصل القدس المحتلة، والشطر الشرقي منها على وجه الخصوص، عن
باقي المناطق الفلسطينيّة، حيث تُشير مصادر أممية بأن أن نظام التصاريح، الذي
تعتمده سلطات الاحتلال في تنقل الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى القدس المحتلة،
والجدار العازل، وما يرتبط به من منظومة حواجز تخنق تحركات الفلسطينيين، أسهمت في
عزل الشطر الشرقي من القدس المحتلة، بشكلٍ تدريجيّ عن الضفة الغربية، مستهدفًا
الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وأعاق وصول الفلسطينيين إلى القدس من مختلف أنحاء
المناطق الفلسطينية المحتلة.
من الاستيطان المنفصل إلى الحزام الجغرافي
من خلال استقراء
توزع الكتل الاستيطانية المحيطة بالقدس المحتلة، يظهر سعي الاحتلال إلى تعميق
ارتباط مناطق المستوطنين بعضها ببعض، في مقابل عزل المناطق الفلسطينية، فبحسب
منظمة «السلام الآن» الحقوقيّة «الإسرائيليّة»، قدمت أذرع الاحتلال نحو 27941 وحدة
استيطانيّة بهدف المصادقة النهائية عليها، ولا تشمل هذه الأرقام الشطر الشرقي من
القدس المحتلة، حيث أقرت أذرع الاحتلال نحو 56 مخططًا استيطانيًّا، يشمل آلاف
الوحدات الاستيطانية.
وبحسب معطيات
منظمة «عير عميم» الحقوقيّة، التي أشارت إلى أن معطيات الاستيطان في عام 2025م
تقارب ضعف ما أقرته أذرع الاحتلال في عام 2024م، ومن المهم الإشارة إلى أن هذه
الأرقام تعني الوحدات التي دفعت بها أذرع الاحتلال، في مسار التخطيط، وليست
الوحدات التي نفذتها شركات المقاولة.
وتكشف هذه
الأرقام، وتصاعد إقرار المستوطنات في المناطق الفلسطينية المحتلة، سياقًا أوسع،
تسعى من خلاله سلطات الاحتلال إلى إعادة تشكيل المجال البشري والحيوي، عبر زيادة
الكتلة الاستيطانية، وربطها بالطرق والبنية التحتية الخاصة بالمستوطنين، وفي الوقت
نفسه تقليص إمكانات التوسع الفلسطيني، وهو ما يوضح أهداف الاحتلال من توسيع الحزام
الاستيطاني المُحيط بالقدس المحتلة.
مشروع
«E1».. العقدة
التي تقطع اتصال القدس بالضفة
يُعد مشروع «E1»
الاستيطاني، من أكثر المشاريع التي تؤكد ترابط مخططات الاحتلال الاستيطانية، حيث
يقع المشروع على مساحة تقارب 12 كم² بين الشطر الشرقي من القدس المحتلة ومستوطنة معاليه
أدوميم، ويشكل جسرًا جغرافيًا بين الكتلة الاستيطانية الكبرى شرق القدس، مع
المدينة المحتلة.
ولهذا السبب لا
ينحصر أثر «E1» في عدد الوحدات الاستيطانية التي يمكن
بناؤها داخلها، إنما بأهمية موقعها، ودورها في قطع التواصل الجغرافي الفلسطيني،
وما تُلقيه بظلال على واقع الخرائط الفلسطينية، فـ«E1» يتحرك في
الاتجاه الشرقي، حيث يسعى المشروع إلى تعزيز الاتصال العمراني بين القدس ومعاليه
أدوميم، بينما تتقدم مشاريع استيطانية أخرى في أم طوبا وأم ليسون وجيلو في الجنوب،
بما يعزز الامتداد الاستيطاني باتجاه الكتلة الواقعة بين القدس وبيت لحم.
وفي المقابل،
يجري في أحياء فلسطينية مثل سلوان ضغط مختلف في طبيعته، يتمثل في الهدم والإخلاء
وإعادة تنظيم المجال العمراني، في المناطق القريبة من المسجد الأقصى، والتي تشكل
الخاصرة الرخوة للمسجد.
أما المناطق
الفلسطينية التي تواجه أكبر تغيير، فيُمكن النظر إليها ضمن ثلاثة أحزمة مترابطة:
الأول: الحزام
الشرقي الذي يشمل «E1» ومحيط العيزرية وأبو ديس والزعيم، وهو
الأكثر حساسية بالنسبة إلى الاتصال الجغرافي بين القدس ووسط الضفة وجنوبها.
الثاني: الحزام
الجنوبي الذي يضم أم طوبا وأم ليسون وصور باهر ومحيط جيلو وصولًا باتجاه بيت لحم.
الثالث: الحزام
التاريخي المحيط بالبلدة القديمة، ولا سيما سلوان والبستان ووادي حلوة، حيث يتخذ
التغيير شكل إعادة تشكيل للحيز العمراني والسياحي والأثري، إلى جانب الهدم
والإخلاء.
«القدس الكبرى».. توسعة نطاق السيطرة
يقوم مشروع «القدس
الكبرى» على توسعة المجال الجغرافي، الذي تُعرِّفه دولة الاحتلال بكونه المجال
الحضري والأمني والاقتصادي التابع لمدينة القدس، في إطار مخططٍ يتجاوز حدود بلدية
الاحتلال في القدس، التي ضُمّ إليها الشطر الشرقي من القدس المحتلة بعد عام 1967م،
ومن المرتقب أن يشمل المخطط أحزمة استيطانية وكتلًا كبرى، تقع في محيط شطري
المدينة، ومن أبرزها مستوطنة معاليه أدوميم شرقًا، وغوش عتصيون جنوبًا، وجفعات
زئيف شمال غربًا.
ويقدَّر نطاق «القدس
الكبرى» في بعض التصورات بنحو 440 كم²، يقع نحو 75% منها في أراضي الضفة الغربية
المحتلة، ويعمل المشروع على ضمّ الكتل الاستيطانية المحيطة بالقدس المحتلة، إلى
بلدية الاحتلال في القدس، ويسعى إلى صناعة واقع ميداني جديد، يحول هذه الكتل
الاستيطانية إلى جزء من المجال الجيوسياسي للمدينة، عبر توسعة المستوطنات، وشق
الطرق الالتفافية، وربطها بشبكات الطرق والمواصلات لدى الاحتلال، إلى جانب تهيئة
الأطر الخدماتية لهذه الكتل، من مناطق صناعية وترفيهية وحدائق، في سياق تحويلها
إلى منظومة حضرية متصلة بالقدس وبباقي الأراضي المحتلة، وهو ما يعني بأن مشروع «القدس
الكبرى» يزاوج ما بين الضمّ الفعلي والتدريجي، إلى جانب ما يكتنفه من مخططات
استيطانية.
البعد الديموغرافي في مشروع «القدس الكبرى»
وإلى جانب فرض
الوقائع على الأرض، يُشكل الهدف الديموغرافي جزءًا مركزيًا من هذه المشروع، حيث
تأمل سلطات الاحتلال جذب آلاف المستوطنين إلى المناطق الاستيطانية الجديدة.
وقد كشفت
التقديرات الأولية بأن المشروع سيزيد أعداد المستوطنين ما بين 100 إلى 150 ألف
مستوطن؛ ما يعني رفع أعداد المستوطنين، وزيادة الفارق ما بين أعدادهم في المدينة
وعدد الفلسطينيين، في إطار تحقيق غلبة في الميزان الديموغرافي في المدينة لمصلحة
المستوطنين، وهو ما يأتي في مقابل مساعي الاحتلال إلى تقليص المجال المتاح للنمو
الفلسطيني، وفرض القيود على الأسر الفلسطينية من حيث البناء والهدم وسحب الهويات،
وما يتصل باستهداف التجمعات البدوية الفلسطينية، ومحاولات الاحتلال إخراجها من
أراضيها.
الجغرافيا.. ميدان أساسي في الصراع
أمام استمرار
موجات الاستيطان خلال السنوات الماضية، وقدرة الاحتلال على فرض مشاريع كبرى حولت
الأراضي الفلسطينية إلى شبكة جغرافية متكاملة، تهدف إلى خنق الوجود الفلسطيني
وعزله في مناطق مقطعة الأوصال، وشكلت مشاريع مثل «E1» و«القدس
الكبرى» ترجمة عملية لمساعي الاحتلال لحسم الصراع ديموغرافيًا وجغرافيًا، مع
استمرار سعيها إلى ربط مستوطنات الضفة الغربية بالقدس المحتلتين.
وهذا المخطط
الممنهج يبتلع ما بقي من الأراضي الفلسطينية، ويقوض أي إمكانية مستقبلية لكيان
فلسطيني متصلّ، لتصبح الجغرافيا بذلك الميدان الأبرز والأساسي في هذا الصراع.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً