استيطان يتمدد ومقاومة تتجذر (13)

الاستيطان يبتلع الريف الفلسطيني.. مشروع «إسرائيلي» لإعادة تشكيل جغرافيا الضفة الغربية

د. أمجد بشكار

20 أكتوبر 2026

15

الوزير الإسرائيلي سموتريتش يشير إلى خريطة جغرافية تفصيلية في منطقة مرتفعة

الاستيطان «الإسرائيلي» في الضفة الغربية يتمدد بوتيرة متسارعة ويعمل على إعادة تعريفها وإعادة توزيعها وإعادة تشكيل وظيفتها السياسية والجغرافية.

فالريف الفلسطيني الذي كان المجال الحيوي للقرى والمدن ومصدر رزق آلاف العائلات ومخزونها الزراعي والرعوي، يتعرض اليوم لعملية استنزاف منهجية تُضيّق مساحة الوجود الفلسطيني في الوقت الذي تُفتح فيه مساحات جديدة أمام الاستيطان.

ولم تعد هذه العملية محكومة فقط بمبادرات المستوطنين أو بالبؤر العشوائية، إذ أخذت الحكومة «الإسرائيلية» الحالية على عاتقها توفير الأطر السياسية والقانونية والتخطيطية والمالية التي تمنح هذا التوسع قدرة أكبر على الاستمرار والانتشار، وقد تحوّل من ظاهرة على هامش السياسة «الإسرائيلية» إلى أداة مركزية في إنتاج واقع جغرافي جديد في الضفة الغربية، واقع لا يُقاس بعدد المستوطنات التي تُبنى مؤخراً، وإنما بمقدار الأرض التي تُنتزع من المجال الفلسطيني، وبعدد القرى التي تُحاصر وبمدى تفكك التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية.

أهمية الريف يتمثل في أنه يمثل المجال الذي يمكن من خلاله توسيع السيطرة على مساحات واسعة من الضفة الغربية دون الحاجة إلى إزالة المدن الفلسطينية أو السيطرة عليها مباشرة، ولهذا تتركز عمليات التوسع الاستيطاني بصورة خاصة في المناطق المفتوحة والزراعية ولا سيما في المنطقة «ج»، حيث السيطرة «الإسرائيلية» على التخطيط والأراضي والحركة أكثر اتساعاً.

منذُ بداية عام 2026م شهدت القرى أكثر من 3200 حالة نزوح مرتبطة بهجمات المستوطنين وهدم المنشآت بسبب غياب تراخيص البناء «الإسرائيلية»، وهنا تظهر إحدى أخطر آليات السيطرة، فلا يشترط الاستيلاء على الأرض طرد سكانها بقرار واحد، إذ يمكن الوصول إلى النتيجة نفسها عبر جعل الحياة اليومية غير قابلة للاستمرار.

فعندما يفقد الفلسطيني إمكانية الوصول إلى قريته ويُمنع من الوصول لأرضه وتتعرض البنية الزراعية للمياه والطرق للتدمير أو الإغلاق وتصبح أعمال البناء الفلسطينية مهددة بالهدم، بينما تتمدد البؤر الاستيطانية المحيطة؛ فإن الأرض تتحول تدريجياً من مجال فلسطيني مأهول ومنتج إلى مجال مفتوح أمام التوسع الاستيطاني، وهذا تحديداً ما يجعل الاستيطان يعمل على إعادة هندسة للوجود الفلسطيني نفسه.

من تشجيع الاستيطان إلى إدارة الاستيطان

الأكثر دلالة في المرحلة الحالية انتقال الاستيطان من حالة الاعتماد على المبادرات المحلية للمستوطنين إلى درجة أعلى من التنظيم والتمكين داخل مؤسسات الدولة؛ وهو إنشاء وحدة لإدارة الاستيطان داخل النظام الحكومي «الإسرائيلي»، وأُسندت إلى سموتريتش صلاحيات واسعة في الشؤون المدنية المرتبطة بالمستوطنات، ثم نُقلت مسؤوليات مهمة في التخطيط والمصادقة على المستوطنات إليه أيضاً؛ ما أدى إلى تقليص مستويات الموافقة السياسية والعسكرية المطلوبة سابقاً، وبذلك عززت قدرة الحكومة على تسريع التخطيط الاستيطاني وتقنين البؤر الاستيطانية.

هذا التحول مهم سياسيًا؛ لأن القضية لم تعد فقط أن هناك مستوطنين يريدون التوسع، بل أن بنية الدولة نفسها أصبحت أكثر انخراطاً في توفير الإطار الإداري والقانوني والسياسي لهذا التوسع.

والدليل الأحدث على ذلك أن «مجلس الأمناء الإسرائيلية» دفعت خلال عام 2026م آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة إلى مراحل التخطيط والمصادقة، فيما أقر مجلس الوزراء في مارس إنشاء أو تنظيم 34 مستوطنة في المنطقة «ج»، في أوسع قرار من نوعه في قرار حكومي واحد، مضافاً لذلك أطلقت السلطات «الإسرائيلية» مؤخراً منصة لتسجيل الأراضي في المنطقة «ج»، في خطوة وصفتها السلطات نفسها بأنها تعزز السيطرة على المنطقة وتدعم المشروع الاستيطاني.

المال والقانون والتخطيط ثلاثية التوسع

لا يمكن قراءة الاستيطان بعيداً عن التمويل، ففي عام 2026م أيضاً أعلنت الحكومة «الإسرائيلية» تخصيص 1.3 مليار شيكل لإنشاء عشرات المستوطنات الجديدة التي كانت الحكومة قد وافقت عليها خلال السنوات السابقة، بالإضافة لإقرار حوافز ضريبية للمستوطنات في سياق رسمي ربطه سموترتش في وزارة الدفاع بهدف الوصول إلى مليون مستوطن في الضفة، وبذلك تتكامل ثلاث أدوات القانون والتخطيط والتمويل.

القانون مثلاً يعيد تعريف الأرض والإجراءات، والتخطيط يحدد أين يمكن للمستوطن أن يبني، وأين يستطيع الفلسطيني أن يعيش، والتمويل يوفر البنية التحتية والطرق والخدمات التي تجعل التوسع الاستيطاني قابلًا للاستمرار.

منذ ذلك الحين أصبح الاستيطان سياسة دولة أكثر من كونه فعلاً فردياً للمستوطنين، فالبؤر الاستيطانية اليوم لا تحتاج إلى كثافة سكانية كبيرة، يكفي وجود موقع استيطاني صغير للسيطرة تدريجياً على مساحات واسعة من الأرض المحيطة به.

من الاستيطان إلى تغيير الخريطة

النتيجة الإستراتيجية التي تسعى لها دولة الاحتلال تفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني، فكل مستوطنة جديدة وكل منطقة يُمنع الفلسطيني من الوصول إليها تعيد رسم الخريطة، الأخطر بالسؤال عن مساحة الريف الفلسطيني الذي بقي متصلاً وقابلاً للحياة والسيطرة الفلسطينية.

الاستيطان لم يكتف بتغيير المشهد العمراني، وإنما يعيد توزيع الجغرافيا السياسية للضفة الغربية بتقسيم المجال وإضعاف الترابط بين التجمعات الفلسطينية وجعل المدن الفلسطينية محاطة بشبكات من المستوطنات والطرق والمناطق الخاضعة لقيود مختلفة، من هذه الزاوية يمكن فهم الاستيطان باعتباره سياسة خلق وقائع جغرافية دائمة قبل الوصول إلى حديث عن أي تسوية سياسية لمن يؤمن بإمكانية حدوث ذلك.

لذا، ما يجري في قرى الضفة الغربية خلال المرحلة الراهنة لا يمكن اختزاله في عبارة توسع استيطاني؛ لأن المشهد أكثر تركيباً، فدولة الاحتلال تضع الاستيطان ضمن مبادئها السياسية، فهنالك وزارات وهيئات تمنح التراخيص والتخطيط والتمويل وإجراءات لتسجيل الأراضي وإعادة تنظيم السيطرة المدنية، وتوسع في المستوطنات والبؤر.

وبالتالي، فإن ابتلاع الأراضي في القرى لا يمكن توصيفه أدبياً لمشهد يتغير فحسب، بل يمكن قراءته كعملية سياسية وجغرافية تتكون من حلقات مترابطة ألا وهي مصادرة أو إعادة تعريف الأرض، ثم إنشاء بؤرة أو مستوطنة، ثم توفير الحماية والبنية التحتية، ثم توسيع نطاق السيطرة، ثم تقييد الوجود الفلسطيني وصولاً إلى تغيير وظيفة الأرض وتركيبتها الجغرافية والديموغرافية.

جوهر الصراع مع دولة الاحتلال على الضفة الغربية اليوم ليس فقط على ما بُني من مستوطنات، وإنما على ما يجري تحويله تدريجياً إلى أمر واقع، فكلما تقلص الريف الفلسطيني وتقطعت طرقه وفقد مزارعوه القدرة على الوصول إلى أراضيهم، واتسعت البؤر الاستيطانية فوق التلال وبين القرى تصبح الجغرافيا نفسها طرفاً في الصراع.

وعليه، فإن الاستيطان في الضفة الغربية أصبح في ضوء السياسات والإجراءات الحكومية «الإسرائيلية» أداة لإعادة إنتاج السيطرة على الأرض وإعادة صياغة الخريطة، وتقليص المجال المتاح لاستمرار مجتمع فلسطيني مترابط وقابل للحياة، وهذه هي أخطر دلالات التحوّل، فالصراع مع الاحتلال لم يعد على الأرض التي صودرت بل على الأرض التي يجري العمل الآن على تغيير وظيفتها أمام منظومة جغرافية وسياسية متكاملة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة