التبرج والإباحية.. جريمتا العصر!

مصطفى محمود

08 أكتوبر 2025

679

التبرج والإباحية.. جريمتا العصر!

في زمن تسارعت فيه الفتن، وتضاعفت الشهوات، أضحت الإباحية من أخطر الأمراض التي أصابت جسد الأمة، فأفسدت فطرة الإنسان، وأعمت بصيرته، وطبعت على قلبه، ورغم انشغال المتخصصين بأسباب انتشار الإباحية، فإن هذه التحليلات دائمًا ما ترجع ذلك إلى التكنولوجيا، أو الفراغ، أو غياب الوعي الديني، غافلة عن السبب الجوهري العميق لانتشار الإباحية؛ وهو التبرج.

التبرج والإباحية.. باب الفتنة

علم النبي صلى الله عليه وسلم أن العين ما هي إلا بوابة إلى القلب، والقلب موضع الفتنة وتمركزها، ولا يكاد إعلان أو شارع أو مجلة أو مقطع فيديو يخلو من استخدام نساء متبرجات، حتى لو لم يكن لهم علاقة بمضمون الإعلان؛ الأمر الذي يسميه المتخصصون «استمالة عاطفية»، هذه الاستمالة تجعل المشاهد يتابع الإعلان إلى نهايته، ولا أحد يلقي بالًا بخطورة هذا الأمر، حتى خرج اليوم جيل من الفتيات اعتدن التبرج، وكشف العورة، والله سبحانه نهى عن ذلك: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ) (الأحزاب: 33).

وعلى الجانب الآخر، خرج جيل من الشباب لا يعلم شيئاً عن غض البصر، فكل ما وقع أمام عينه مباح بالنسبة له، حتى اعتاد النظر إلى الحرام، ومن ثم تثار غرائزه، فيطرق بيده باب الإباحية في السر والعلن، فلتعلم كل متبرجة كاشفة لعورتها أنها سهم مسموم يصيب قلب كل شاب أو رجل ضعفت نفسه، لتصبح الإباحية نتيجة حتمية لانتشار التبرج.

أثر التبرج والإباحية في المجتمع

إن داء التبرج لا يفسد الرجل وحده، بل يفسد المجتمع بأسره، فالمرأة حين تفقد حياءها؛ يفقد الرجل غيرته، وتضيع القدوة ويضعف الإيمان، وتفتح الأبواب أمام كل متربص، وكلما زاد التبرج زاد الطلب على الإباحية؛ ذلك لأن التبرج والإباحية سوقهما واحدة، ومصدرهما مشترك، وفتنتهم سواء، فالإباحية هي صورة التبرج إذا انفردت في الخفاء، والتبرج هو صورة الإباحية إذا ظهرت في العلن.

لذا فرض الله تعالى الحجاب، وأمر بالستر، فإذا ما تأملنا سورة «النور» وجدناها ترسم للمسلمين والمسلمات قواعد للعفة والستر، حيث قرنت الأمر بغض البصر بالأمر بفرضية الحجاب لمنع الوقوع في المعصية.

يقول تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ {30} وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ) (النور)؛ هكذا جمعت هاتان الآيتان بين اثنين من الإجراءات الأساسية لسد الذريعة المقاومة للإباحية بكل صورها، وهما: غض البصر، والحجاب.

وقال ابن باديس: وقد حمى الشرع الشريف العباد من هذه الفاحشة بما فرض من الحجاب الشرعي، وهو ستر الحرة ما عدا وجهها وكفيها وجميع ثيابها عند الخروج بالتجليب، وبما حرّم من تطيب المرأة عند الخروج، وخلوتها بالأجنبي، واختلاط النساء بالرجال، فتضافر النهي والتشريع على إبعاد الخلق عن هذه الرذيلة.

التبرج والإباحية.. أين المخرج؟

دائمًا ما نرى حملات تدعو بمراقبة الشبكة العنكبوتية، وتقليص التقنيات، وحجب المواقع الإباحية، إلا أن الإباحية لن تنتهي حتى نغلق الباب الأكبر، والمصدر الأساسي لها وهو التبرج، فالحل يبدأ من الستر، والتعفف، وغض البصر، والعمل على بث ثقافة الحياء في المدارس والجامعات والوسائل الإعلامية والمنازل وفي كل مكان حتى ترجع المرأة للباسها الشرعي، ويعود الرجل لغض بصره، حينها تغلق نوافذ الشهوة، وتخرج فتنة الإباحية من القلب، ويطهّر المجتمع من هذا الداء.

من هنا يتبين أن التبرج والإباحية قرينان، فلن تزول الإباحية من مجتمعنا إلا إن زال التبرج، فإذا استترت الأجساد؛ غَضَّت الأبصار، وطَهُرت القلوب، وزالت الإباحية.


المصادر:

1- محمد بن سعد الشهراني، الوسائل الدعوية لمقاومة الإباحية، 2024.

2- الوسائل الدعوية لمقاومة الإباحية "دراسة وصفية تحليلية".

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة