هدايات سورة «الحجرات» (10)
التربية الإيمانية ووسائل الوعي بالذات
بعدما كشفت
المقالة السابقة عن مجموعة من الهدايات التربوية والإيمانية في قول الله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ
اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ
اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ
إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ)
(الحجرات: 7)، وبينت مجموعة من الأهداف التي ينبغي للمربي أن يسعى إلى
تحقيقها في نفس من يربيه، مثل المحافظة على الفطرة السليمة، وتنمية الوعي بالذات،
وتعويده استشارة أهل الثقة، ومراقبة نفسه، واستشعار نعم الله تعالى، يأتي السؤال
عن كيفية تحويل هذه المعاني إلى ممارسات تربوية يومية.
وفيما يأتي من
هذا المقال نتناول قدراً من الوسائل التربوية لحفظ فطرة النشء وتنمية وعيهم
بذواتهم.
وسائل التربية الإيمانية وحفظ الفطرة
إن أعظم
مسؤوليات المربي حفظ فطرة من يربيه، وقد يحصر البعض وسيلة التربية الإيمانية في
مجرد تقديم معلومات دينية، ولكن ذلك يحتاج إلى مجموعة متنوعة من الوسائل منها:
1- البدء
بالتربية الإيمانية منذ الطفولة المبكرة: ومن صور ذلك تلقينه الأذان عند الولادة،
وتعويده سماع القرآن الكريم، وترديد الأذكار بصوت مرتفع ليسمعه الطفل، وتلقينه
الشهادة عندما ينطق.
2- تهيئة بيئة
صالحة: فالطفل يتأثر بمحيطه من أشخاص وكلمات ومواقف، فيجب أن ينشأ في بيئة يرى
فيها احترام الدين وتعظيمه، والرفق بالناس، والصدق في المعاملة، والمحافظة على
العبادات، ليرتبط التدين في وجدانه بالسكينة والرحمة، ويدرك أن الإيمان ليس
معلومات يتلقاها فحسب، وإنما منهج يُـعاش.
3- معرفة ربه من
الآيات الكونية والقرآنية: فيلفت المربي انتباهه إلى ما في الكون من دلائل قدرة
الله وحكمته ورحمته، ويربطه بما يتلوه من آيات القرآن الكريم، ويتعرف إلى ربه من
خلال أسمائه وصفاته، ويتدرج في ذلك بما يناسب عمره وقدرته على الفهم.
4- قصص الأنبياء
والصالحين: فالقصص من الوسائل المحببة للنفوس، والمؤثرة في بناء التصورات والقيم،
إذ يتعرف الطفل من خلالها على معاني التوحيد والتوكل والصبر والصدق، ويراها متجسدة
بنماذج عملية وحية، ولا يقتصر دور المربي على سرد الأحداث، بل لمناقشة دلالاتها،
وسؤال المتربي عما تعلمه منها، وكيف يمكنه الاقتداء بأبطالها في حياته اليومية.
5- التربية
بالقدوة: والوالدان قدوة، فالطفل لا يتعلم من أقوال والديه فحسب، بل يراقب أفعالهما،
وتجلي أثر الإيمان في أخلاقهما وقراراتهما، فإذا رأى الدين حاضراً في سلوكهما
اليومي، أدرك عملياً أنه منهج حياة، لا مجرد شعائر تؤدَّى في أوقات محددة؛ لذا،
يجب على المربي مراجعة سلوكه، وأن يسعى إلى تجسيد القيم التي يريد غرسها فيمن
يربيه.
وسائل بناء الوعي بالذات
لا يقتصر دور
المربي على توجيه السلوك وتصحيح الأخطاء لمن يربيه، بل يمتد إلى مساعدته على فهم
نفسه، ليعرف دوافعه، ويدرك قدراته، ويمكن بناء ذلك من خلال:
1- التعويد على السؤال عن دوافع أفعاله وأهدافها:
فيدربه المربي
على أن يسأل نفسه: لماذا فعلت هذا؟ ولماذا أتعلم هذا؟ وما الذي أريد الوصول إليه؟
وهل الدافع الذي يحركني حقيقي ومقنع، أم أنه مجرد تقليد للآخرين أو استجابة لرغبة
عابرة؟
فإذا ألح في طلب
شيء يمتلكه أقرانه، فيسأله بهدوء: ما الذي أعجبك فيه؟ وهل تحتاجه فعلاً؟
وبذلك يتعلم فحص
دوافعه والتفكير في اختياراته، دون أن يتحول هذا التدريب إلى شك وتردد في كل تصرف،
أو انشغال مفرط بتحليل الذات.
2- إتاحة الفرصة للتجربة والممارسة:
الإنسان لا
يكتشف قدراته وميوله بمجرد التفكير والتأمل، بل يحتاج إلى تجارب عملية تكشف عما
يحسنه وما يحتاج لتطويره؛ ولذلك، ينبغي أن يُتاح للمتربي فرصاً للمشاركة في
الأنشطة المختلفة، ثم يساعده المربي على تأمل تجاربه واستخلاص ما تكشفه عن
اهتماماته وقدراته، دون أن يحصره في تجربة واحدة أو يحكم على مستقبله بناءً على
نجاح عابر أو إخفاق مؤقت.
فقد يكون ذلك
الإخفاق بداية لاكتشاف موهبة أخرى، أو فرصة لتعلم مهارة جديدة، والمقصود أن يتعرف
المتربي إلى نفسه من خلال التجربة الواعية، لا أن يصدر أحكاماً نهائية على قدراته
قبل أن تتاح له فرص كافية للتعلم والنمو.
3- احتواؤه دون تبرير لأخطائه أو تجميل لأفعاله:
التربية الواعية
الرحيمة لا تعني موافقة المتربي في كل أفعاله، ولا إيجاد أعذار تعفيه من
المسؤولية، ولا تعني مواجهة أخطائه بالقسوة والتشهير، بل تعني تعليمه التمييز بين
نقد الفعل والحكم على الشخص، فلا يشعره بأن الخطأ دليل على فشله أو نقص قيمته، بل
يستمع إليه ليفهم ظروفه ودوافعه، ثم يساعده على رؤية الخطأ بوضوح، وتحمل مسؤوليته،
والبحث عن طريقة لإصلاحه وتجنب تكراره، وبهذا يتعلم الاعتراف بالخطأ دون أن يستسلم
للإحباط أو الخوف من المحاولة.
4- تعليمه التمييز بين المشاعر والحقائق:
قد يشعر المتربي
بالعجز عن النجاح بعد تجربة فاشلة، أو يظن أن الآخرين يرفضونه لمجرد موقف عابر،
وهنا يساعده المربي على فهم مشاعره واحترامها، دون التسليم بأن كل ما يشعر به يعكس
الواقع بالضرورة.
فيسأله: ما الذي
حدث فعلًا؟ وما الذي استنتجته من هذا الموقف؟ وهل توجد تفسيرات أخرى؟ وبذلك يتعلم
أن يتعامل مع مشاعره بوعي، بدلاً من أن يجعلها وحدها أساس أحكامه وقراراته.
5- المقارنة بالنماذج الراشدة:
يجب تشجيع النشء
على قراءة سير الأنبياء والصالحين، ويقارن نفسه بهم، فهذه المقارنة الإيجابية تفتح
عينيه على ما ينبغي أن يصل إليه، وتحميه من الاغترار بنفسه أو السقوط في المقارنات
الهدامة مع أقرانه أو الانسياق خلف قدوات وهمية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً