التشبيه وأنواعه في القرآن الكريم

صورة تعبيرية للمصحف يخرج منه نور

عني القرآن الكريم بالتصوير الفني عناية بالغة، دعت بعض المعنيين بأمر البيان القرآني وبلاغة القرآن أن يفردوا التصوير القرآني بالتأليف؛ إذ لا يكاد قارئ القرآن يقرأ فيه صفحة من صفحاته دون أن يمر عليه مشهد فيه تصوير فني دقيق يعرض المشهد أمامه، وكأنما ينظر إليه ويتحسَّسُه، بل يتقرَّاه ويلمسُه، على حدِّ تعبير البحتري في وصفه لإيوان كسرى:

يَغْتلي فيهمُ ارتيابيَ حتى      تتقرَّاهمُ يدايَ بِلَمْسِ

ورحم الله صاحب الظلال إذ يقول في مقدمة كتابه النفيس (التصوير الفني في القرآن): "إن الصور في القرآن ليست جزءًا منه يختلف عن سائره. إن التصوير هو قاعدة التعبير في هذا الكتاب الجميل. القاعدة الأساسية المتبعة في جميع الأغراض -فيما عدا غرض التشريع بطبيعة الحال- ‏ فليس البحث إذن عن صور تُجمّع وتُرتب. ولكن عن قاعدة تُكشف وتُبرز"(1).

طرق التصوير

على أن أدوات التصوير في القرآن -وكذا في الشعر- منها ما يعتمد على ما سماه علماء البلاغة علم البيان بأنواعه المختلفة: المجاز، والتشبيه، والاستعارة، والكناية، ومنها ما يكتفي بالكلمات ترسم المشهد دون تشبيه أو استعارة أو كناية.

والحقُّ أن كلا النوعين أسهم في رسم الصورة القرآنية، ولا يمكن لقارئ متذوق متدبِّر أن يفضل نوعًا على نوع، أو يؤثر نمطًا من التصوير على نمط. ولعل معظم مشاهد القيامة في القرآن الكريم من النوع الثاني الذي يخلو من أدوات المجاز، ويقتصر في كثير من الأحيان على رسم المشهد أمام القارئ وكأنما يعيش فيه.

اقرأ هذه الآيات متبصِّرًا في مشاهدها متدبِّرا معانيها:

(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ {14} فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ {15}‏ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الْآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) (الروم).

واقرأ معي أواخر سورة «الزمر»: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) (الزمر: 68)، (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا) (الزمر: 71)، (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا) (الزمر: 73).

تجدِ المشاهد تتوالى أمام ناظريك دون استعمال لأي نوع من أنواع علم البيان التي ذكرناها فلا مجازَ ولا تشبيهَ ولا استعارةَ ولا كناية، إنما يُعبَّر عن ذلك بالكلمات تنتظم في جمل فإذا المشهد حاضر أمامك بدقائقه وتفصيلاته على وجه الحقيقة، لا يفوتك منها شيء.

علم البيان

أما علم البيان فهو علم الصورة البديعة المؤثرة، التي من شأنها أن تهزَّ أعطاف النفس، وهو العلم الذي تستطيع بوساطته وبمعرفته أن تؤدي المعنى الواحد الذي تريد تأديته بطرق مختلفة من اللفظ، تتفاوت وضوحًا وتأثيرا(2).

إنه علم التشبيه والمجاز والاستعارة والكناية، وسنبدأ بالنوع الأول منه وهو التشبيه.

مفهوم التشبيه وأركانه

التشبيه عند علماء البلاغة هو ربط علاقة بين شيئين بجامع بينهما، وهو ما يسمى بوجه الشبه، فإذن هو مماثلة بين أمرين بوجه من وجوه الشبه، وله أداة تسمى أداة التشبيه، مثل: (زيد كالغزال في السرعة)، فالجامع بين زيد والغزال هو السرعة، وزيد مشبه، والغزال مشبه به، والكاف أداة التشبيه.

و«سعد كالليث في الشجاعة»، فالجامع بينهما هو الشجاعة، وسعد هو المشبه، والليث مشبه به، وأداة التشبيه هي الكاف، ووجه الشبه هو الشجاعة، فهذه أركان التشبيه.

على أنه قد تحذف بعض الأركان، فإذا حذف وجه الشبه وحذفت الأداة كان التشبيه بليغًا، مثل: هو أسد، أو هو غزال، فيقتصر على المشبه والمشبه به، وسنأتي على أنواع التشبيه..

التشبيه في القرآن

للتّشبيه روعةٌ وجمال، وموقعٌ حسنٌ في البلاغة: وذلك لإخراجه الخفيَّ إلى الجليّ، وإدنائه البعيدَ من القريب، يزيد المعاني رفعةً ووضوحًا ويكسبُها جمالًا وفضلا، ويكسوها شرفًا ونُبلا، فهو فنٌّ واسع النطاق، فسيح الخطو، ممتدُّ الحواشي مُتَشعِّب الأطراف مُتوعِّر المسلك، غامض المدرك، دقيق المجرى، غزير الجدوَى(3).

أنواع التشبيه

والتشبيه في القرآن الكريم كثير متنوع، وهو ذو أفانين مختلفة، وقد تكلم عليه أرباب البلاغة وعلماء التفسير، وأفردت له مؤلفات، وصنفت فيه مصنفات.

التشبيه المجمل

فمن ذلك التشبيه المجمل: وهو الذي حذف منه وجه الشبه، كقوله تعالى: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ {8} وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ) (المعارج)؛ وَالْمَعْنَى: تَشْبِيهُ السَّمَاءِ فِي انْحِلَالِ أَجْزَائِهَا بِالزَّيْتِ. ووجه الشبه فيه التلوّن، وَالْعِهْنُ: الصُّوفُ الْمَصْبُوغُ، قِيلَ الْمَصْبُوغُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ الْمَصْبُوغُ أَلْوَانًا مُخْتَلِفَةً، ووجه الشبه فيه هذا التطاير والتناثر.

وفي حذف الشبه ما يوحي بأن المشبه والمشبه به يتحدان في جميع الصفات، وكأنهما شيء واحد.

التشبيه المؤكد

وهو الذي حذفت منه الأداة، كقوله تعالى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) (النمل: 88)؛ المعنى أنك إذا رأيت الجبال وقت النفخة ظننتها ثابتة في مكان واحد لعظمها وهي تسير سيرًا سريعًا كالسحاب إذا ضربته الريح، وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد إذا تحركت لا تكاد تبين حركتها(4).

والشاهد في قوله: (وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) أي: تمر مرًّا كمرِّ السحاب، فقد أغنى ذكر المصدر المبين للنوع - وهو ما يعبر عنه النحاة والمعربون بالمفعول المطلق المبيِّن للنوع – عن ذكر المشبه والأداة (مرَّ السحاب).

التشبيه البليغ

وهو الذي حذف منه وجه الشبه والأداة معًا، وحقيقة التشبيه البليغ أنك إذا حذفت الأداة وحذفت وجه الشبه صار المشبه هو المشبه به، فعوضًا من أن تقول: أنت كالبحر، وأنت كالأسد، تقول: أنت بحر، وأنت أسد.

وسُمي بليغاً لأنك بحذف الأداة ووجه الشبه تكون بالغت في هذا التشبيه فجعلت المشبه عين المشبه به، مثال ذلك قوله تعالى: (وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا) (النبأ: 10).

فالليل في ستره وتغطيته واشتماله على ما فيه كاللباس في ستره وتغطيته واشتماله على لابسه، فكما يشتمل اللباس على من يلبسه يشتمل الليل على من ينام فيه أو يعيش فيه.

التشبيه التمثيلي

على أن أعظم أنواعه وأبدعها، ما يسمَّى بالتشبيه التمثيلي، وهو الذي ينتزع من متعدد؛ فيكون المشبه مركَّبًا والمشبه به كذلك، كقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ) (الجمعة: 5).

شبه ربنا جل وعلا اليهود - في حال تحميلهم التوراة، أي في حال تكليفهم بها وهي شرعهم، وهي كتابهم، ثم لم يحملوها، ثم لم يطبقوا ما بها، ولم يتبعوا أوامرها، ولم ينتهوا عن نواهيها – بالحمار، وليس أي حمار، بل الحمار الذي يحمل فوق ظهره كتبًا، ترى هل يمكن أن يفيد منها شيئًا؟ كيف يفيد وهو أبكم! وهو حيوان لا يقرأ ولا يفهم! فإذًا مثلهم كمثل هذا الحمار وهو يحمل الأسفار والكتب ثم لا يعي ما فيها من علم، فهذا تشبيه منتزع من متعدد، ووجه الشبه فيه ليس بسيطًا، بل هو متعدد(5).

أثر التشبيه التمثيلي

وقد خصَّ الجرجاني هذا النوع -أعني التمثيل- بكلام ما أحسبني قادرًا على أن أجلوه إلا بألفاظه، فاسمحوا لي أن أنقله بنصه..

قال الجرجاني في نوع التشبيه، الذي يُسمَّى التمثيلي: "واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو برزت هي باختصار في معرضه، ونُـقِلَتْ عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبَّـهَة، وكَسَبها مَـنقَبة، ورفع من أقدارها، وشبَّ من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثارَ لها من أقاصي الأفئدة صبابةً وكلَفا، وقَسَر الطباعَ على أن تعطيها محبةً وشَغَفا"(6).

والجرجاني لم يكتفِ بهذا الإجمال الذي تحدث فيه عن آثار التشبيه، بل راح يذكر أثره في كل غرضٍ على حدة، مدحًا، وذمًّا، وحجاجًا، وافتخارًا، واعتذارًا، ووعظًا.

وسأضرب –في الجزء الثاني من هذا المقال إن شاء الله- أمثلة قرآنية على بعض ما فصَّل فيه الجرجاني القول من هذه الأصناف.

الهوامش
  • 1 التصوير الفني في القرآن، سيد قطب، دار الشروق، الطبعة 17، 1425هـ/ 2004م، ص9.
  • 2 أساليب البيان، د. فضل عباس، دار النفائس، الأردن، 1436هـ/ 2015م، ص 214 – 215.
  • 3 جواهر البلاغة للهاشمي، ص 219.
  • 4 تفسير النسفي (2/ 623).
  • 5 بداية البليغ، ص 280.
  • 6 أسرار البلاغة، للجرجاني ص 115.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة